في المحطات المفصلية، تبرز أهمية العودة إلى الفكر السياسي، باعتباره الأداة المنهجية لقراءة وتحليل المعضلات ولصياغة منهجية الممارسة السياسية، وعلى أساسها يتحدد اتجاه كل فعل سياسي، والأثر الذي يتركه في الواقع، وبالتالي حجم التراكم واتجاهاته. ولأن السياسة ليست تكرار انشائي رتيب وعبثي، ينشأ من فراغ ويسعى إلى الفراغ، بل هي تراكم كمي لوقائع سياسية بأبعاد اجتماعية، اقتصادية وثقافية، قد تصل لمرحلة من المتغيرات الكيفية العميقة، تطال بالعمق هذه البنى الاجتماعية، الاقتصادية والثقافية، وتعكس شكل الحركة السياسية واتجاهاتها.
وتبرز هنا أهمية طرح الأسئلة، بكل تشعباتها، بغض النظر عن قساوتها، وعدم قدرتنا على العمل بمضمون إجاباتها، إلا أن الوضوح ضروري، لتبيان حجم التحدي الذي نقف أمامه، وطبيعة الخيارات السياسية التي سنعتمدها في مواجهة هذه التحديات؛ فهل يمكن مواجهة صفقة القرن، بنفس الأدوات التي شكلت عوامل الدفع التمهيدية لمقدماتها؟ أو التي لم تتمكن من كبح تقدمها؟ بكلام آخر، هل وصل اتفاق أوسلو إلى الفشل؟ أم نجح في تحقيق أهداف العدو الحقيقية، والتي أعلنها مرارًا؟ هل هو فشل للفريق السياسي الذي روجه ووقعه ومشى فيه إلى صفقة القرن؟ وهل يمكن للذي راهن على أوسلو ومازال يراهن، أن يقف في وجه صفقة القرن؟
وقد تتفرع الأسئلة وتتعدد باتجاهات مختلفة، مثلًا: هل كان من الممكن أن تطرح صفقة القرن، ويجري العمل على تنفيذ معظم مضمونها، بدون مسار التسوية وصولًا إلى اتفاق اوسلو، وعبثه في الواقع والبنى الاجتماعية والاقتصادية والعقل السياسي الفلسطيني، على مدى أكثر من نصف قرن؟ هل يمكن مواجهة صفقة القرن، من داخل هذا النهج السياسي الذي أوصل لها؟ أم أن المطلوب حكمًا لكي نتمكن من الانتصار عليها ودفنها، التموضع خارج هذا النهج السياسي بكل مكوناته، داخليًا وخارجيًا؟
خرج الرئيس الأمريكي ويرافقه رئيس وزراء حكومة العدو لتصريف الأعمال، في مؤتمر صحفي للعالم للإعلان عن صفقة القرن، هذه الصفقة التي جرى تنفيذها والعمل على مضمونها، قبل الإعلان عنها. فكما بات معروفًا، فإن "قانون القومية العنصري"، واعتراف الإدارة الأمريكية ب القدس عاصمة موحدة للكيان، والعمل على وقف تمويل الأونروا للضغط لإنهاء قضية اللاجئين، وضم الجولان السوري المحتل، والتمهيد لضم أجزاء واسعة من الضفة، والعديد من الإجراءات الأخرى، مثل؛ خصم أموال المقاصة لاستهداف مخصصات عوائل الشهداء والأسرى، كلها خطوات تم إعطاء الضوء الأخضر "لإسرائيل"، لتباشر العمل عليها سلفًا، وهذا مؤشر على منحها دفعات مجانية مقدمًا، للتأكيد أن الولايات المتحدة ملتزمة بمصلحة هذا الكيان، رأس حربتها وقاعدتها لإدارة مصالحها في المنطقة، وعلى حساب الطرف الفلسطيني والعربي. مع هذا كله، فإن هذه الخطوات والإجراءات، ليست إلا الصفقة التي سيعقبها صفقات، حيث كلما نضجت الظروف سوف تطوى ملفات إضافية بأبعادها الاستراتيجية، في مسار عملية بدأت منذ اتفاقية كامب ديفيد المصرية، مرورًا بمدريد، ثم أوسلو، وباتت الظروف الفلسطينية والعربية مهيئة لإقفال ملفات وفتح غيرها.
بهذا المعنى، فإن التسوية كنهج ومسار سياسي، مع عدو من هذه الطبيعة العنصرية الاستعلائية الاستعمارية الاقصائية الاحلالية، ما هو إلا مستنقع من الأوهام، لا يبتلع فقط الخائضين فيه، بل الحقوق التاريخية للشعب الفلسطيني، ومقدرات وطموحات وآمال الأمة العربية جمعاء.
بهذا الفهم الشامل، فإن رفض ما يسمى صفقة القرن، أن لم يكن إقرارًا بفشل مشروع التسوية كنهج ومسار، وبمحطاته المختلفة، من كامب ديفيد المصرية، إلى مدريد، ثم أوسلو، وصولًا إلى مضمون الصفقة اليوم، هو مجرد تخبط في مستنقع الأوهام، لن يمكننا من الإمساك بزمام المبادرة، للإعداد لمواجهة جدية بأبعادها الاسترايجية الشاملة، على مستوى المنطقة، وذلك بحجم الاستهداف وطبيعته الشاملة للوطن العربي.
المواجهة الجدية لهذا المشروع، بحاجة إلى تشكيل بديل سياسي شامل على مستوى المنطقة، وتشكيل هذا البديل رهن بإرادة الطرف الفلسطيني وبلورة خياراته للمواجهة التي تقتضي حكمًا الاعتراف بفشل أوسلو، والانسحاب منه كليًا.
الإصرار على التمسك بالنهج السياسي الذي يعتمد أوسلو باعتباره "المشروع الوطني" وينطلق منه لرفض صفقة القرن، لا يمكنه أن يشكل بديل استراتيجي شامل، لمواجهة نهج سياسي كامل، هي حوامل المشروع الأمريكي في المنطقة، وهو داخله وجزء منه، على مستوى البيئة السياسية في المنطقة، وعلى مستوى قواعده وحوامله الاجتماعية الاقتصادية التي هندسها وبناها خلال ما يزيد عن نصف قرن، من اتفاقات أوسلو وملحقاته الأمنية الاقتصادية.
يبدو أن تموضع هذا الفريق السياسي، خارج هذه القواعد والحوامل الاقتصادية الاجتماعية، لا يمكن أن يتم من دون أن يؤدي ذلك إلى حدوث تصادم، سيُخلّف انشقاقات داخل هذه البنى، بين أصحاب المصالح وأصحاب الثوابت. بمعنى آخر، يحاول الرئيس أبو مازن رفض الصفقة دون اعتماد منهج مواجهة جدي لها، لأن تداعيات ذلك ستؤدي إلى تجاوز حدود المصالح، التي تأسست خلال أوسلو لشرائح اجتماعية لهذا الفريق. هذا ما حدث عندما رفض الرئيس الشهيد ياسر عرفات كامب ديفيد ٢، وكانت من تداعيات المواجهة الذهاب باتجاه انتفاضة الأقصى عام ٢٠٠٠، وحدث ارتداد وتخلي عنه داخل فريقه السياسي، بأبعاده الفلسطينية والعربية والدولية، وأدت في النهاية إلى حصاره واستشهاده.
إن تغيير وظيفة السلطة التي جرى الحديث عنها، لا تعني إلغاء التنسيق الأمني أو اتفاقيات باريس الاقتصادية، بل تعني أن العمل بهذه الاتفاقيات سيتم بشروط أخرى، يحددها هذا الفريق السياسي، وهي في نطاق رؤيته لرفض الصفقة وليس مواجهتها.
إذا كان رفض صفقة القرن دون مواجهتها من قبل فريق أوسلو، تجنبًا لتداعياتها التي قد تحدث فرزًا داخل نفس الفريق، كما أشرنا أعلاه، فإن رفض صفقة القرن من قبل القوى التي ترفض أوسلو بالأساس، يجب أن لا يكون خضوعًا لمنطق الرفض دون المواجهة، بل يجب عليها الدفع باتحاه المواجهة لكي تحدث هذا الفرز؛ لأن الفرز فرصة جدية للتموضع خارج مشروع أوسلو، ولإعادة صياغة المشروع الوطني، متجاوزًا العقل السياسي الذي أسسه أوسلو بحدوده ومفاهيمه ومفرداته، أي أن مواجهة صفقة القرن، يجب أن تشكل فرصة للتخلص ليس من اتفاق أوسلو وتداعياته في الواقع الفلسطيني، وعلى القضية الفلسطينية وحسب، بل التموضع خارج النهج الذي قاد إلى التسوية. لذلك يجب الانتباه والحرص، بأن لا تتحول دعوات النوايا الحسنة، للالتفاف والوحدة إلى إعادة تعويم لفريق أوسلو ومشروعه السياسي.
لا خلاف على أهمية وضرورة التأكيد على توحد الشعب الفلسطيني وقواه بكل اتجاهاتها، في رفض صفقة القرن، لكن ذلك لا يلغي ضرورة تمايز القوى الرافضه لأوسلو أصلًا، في تموضعها الاستراتيجي على مستوى المنطقة، لأنها معنية العمل على بلورة البديل الشامل على المستوى العربي لمواجهة المشروع الأمريكي في المنطقة.
لقد وضعت صفقة الثنائي ترامب نتنياهو، وفريقهما في الإدارة الأمريكية، القوى التي تتدعي الرفض الجذري لنهج التسوية، أمام استحقاق مواجهة تاريخية مفصلية شاملة ومكشوفة، لا يمكن تحقيق انتصارات جزئية فيها لكلا الطرفين، فإما تكون فرصة للانتصار ولاجتثاث نهج التسويات والتفريط والتطبيع، أو هزيمة شاملة سيكون لها تداعيات طويلة الأمد.
الانتصار الشامل واجتثاث نهج التسويات والتفريط والتطبيع، هو بحد ذاته استحقاق تاريخي بحاجة إلى استنهاض شامل، يستند إلى رؤية واضحة لطبيعة الصراع وإدارة حديثه، لصياغة استراتجيات مواجهة مباشرة وغير مباشرة، وإعطاء اهتمام لأساليب الحرب الرابعة والقوة الناعمة، وبتأثيرها العميق داخل البنى المجتمعية، التي تشكل خاصرة رخوة وبيئة قابلة للتوظيف والاستخدام للتدمير الذاتي، مقدمة لتحقيق الهزيمة.
بهذا المعنى فإن هذا المفصل التاريخي، الذي يمثل أمامنا باسم صفقة القرن، هو تحدي داخلي للقوى التي تدعي الجذرية في مواجهة المشروع الأمريكي، ويتطلب ذلك الجرأة في كسر التقليد وتجاوز ذهنية العجز والارتقاء بأدائها القيادي إلى مستوى الإدارة الحديثة للصراع بكل تعقيداته.
عضو اللجنة المركزية للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين / لبنان

