وسط انشغال كثيرين من الفلسطينيين والعرب بمن سيشكل الحكومة «الإسرائيلية» الجديدة نتنياهو أو غانتس، وكأن الأخير يختلف عن الأول فيما يتعلق بالصراع العربي الصهيوني، على الرغم من أن كليهما يحملان ذات التوجه في تطبيق «صفقة القرن» التصفوية، وتوسيع الاستيطان والعمل على ضم منطقة غور الأردن وشمال البحر الميت إلى الكيان، وإنكارهما الحقوق الوطنية الفلسطينية وإقامة الدولة الفلسطينية وتجاوز قرار ضم القدس واعتبارها ستظل أبداً موحدة وعاصمة أبدية للكيان الصهيوني.
لعل البعض ينسى ولوغ غانتس في الدم الفلسطيني فأثناء رئاسته للأركان خاض حربين داميتين على غزة في عامي 2012 و 2014 أسفرت حربه الأولى عن استشهاد 174 فلسطينياً وإصابة 1200، أما في حرب 2014 التي استمرت 51 يوماً، فقد استشهد 2147 فلسطينياً، وأصيب أكثر من 10 آلاف.
غانتس هو مجرم حرب مرفوعة عليه قضايا ارتكاب «حرب إبادة جماعية ضد الفلسطينيين» في دول كثيرة ولا يجرؤ على زيارة العديد من الدول خوفاً من الاعتقال. وشارك في غزو لبنان عام 1982. هذا غيض من فيض التاريخ الإجرامي لغانتس.
بالطبع، فإن نتائج الانتخابات الأخيرة تعكس توجه الشارع اليهودي الذي يميل سنة بعد سنة نحو المزيد من اليمين والتطرف والفاشية.
جريدة «يديعوت أحرونوت» وفي فبراير/شباط 2018 أجرت استطلاعاً خلصت فيه إلى أنه في عام 2025 ستصل نسبة اليمين المتطرف في «إسرائيل» إلى ما نسبته 56% بين اليهود. نتائج الانتخابات تعزز هذه الظاهرة. وهذا لا يعني أن ال 32% الذين صوتوا للأحزاب الأخرى هم يساريون. فعلينا ألاّ ننسى أن عدد الفلسطينيين العرب في المنطقة المحتلة عام 1948 تساوي 21% من سكان الكيان الصهيوني، كما أنه لا وجود فعلي ليسار صهيوني، أما حزب ركاح فمعظم أعضائه من العرب.
إن الاصطلاح الوحيد الذي يتوجب التعامل فيه مع تقسيمة الأحزاب الصهيونية هو أحزاب متطرفة وأحزاب أكثر تطرفاً، ولا يجوز تقسيمها إلى يمين ووسط ويسار، فهذا تقسيم خاص بالدول العادية الأصيلة التي تطورت بشكل طبيعي، وليس في دولة اغتصابية إحلالية عنصرية تقوم بعملية ترانسفير لأهالي البلاد الأصليين.
دولة لديها خطة استيطانية يومية لنهب أراضي الضفة الغربية، وشعارها الأساسي «أرض أكثر وعرب أقل» والثاني «ما لا تستطيع تحقيقه بالقوة ستحققه بمزيد من القوة». هذه الحقيقة الأولى التي أفرزتها الانتخابات «الإسرائيلية» الأخيرة.
الحقيقة الثانية، أن أهلنا في المنطقة المحتلة عام 1948 يخطئون كثيراً بالمشاركة في الانتخابات الصهيونية، فإلى جانب تأثيرهم الهامشي ودورهم الأقل من محدود في إنجاز أي هدف حقيقي كبير لشعبهم منذ دخلت «راكاح» الكنيست لأول مرة، فإن وجودهم يجري استغلاله لمصالح صهيونية دعائية. فالملاحظ أن كل الأحزاب الصهيونية المتطرفة والأكثر تطرفاً تستبعدهم من الائتلافات الحكومية، هذا ما عبّر عنه نتنياهو وغانتس وديفيد ليبرمان. مرد ذلك إلى العنصرية المتفشية كوباء في هذه الدويلة، لذلك يتعاملون مع النواب العرب مثل «فيروس كورونا» أو «كمرض الجرب»، فما بالك بالأحزاب اليمينية الدينية المتطرفة والقومية العنصرية اللاهوتية التي تعتبر «أن العربي الجيد هو العربي الميت»، وأن العرب ليسوا أكثر من أفاعي وصراصير «حسب كرافائيل إيتان»، وكما أصدر مجمع السندهرين من فتوى «يجوز قتل العرب حتى أطفالهم... الخ». نسأل إخوتنا: هل تستطيعون العمل وسط هؤلاء المستوطنين المتوحشين؟ كم مرة تم إخراجكم بالقوة بأمر من رئيس الكنيست أثناء إلقائه خطابه؟ هل تذكرون الضغوط التي مورست على حنين الزعبي؟ ثم إنه يتوجب على كل واحد منكم قبل أن يبدأ الكنيست عمله أن يحلف يمين الولاء لدولة «إسرائيل» كدولة يهودية وديمقراطية.
وفي النهاية نسألكم ماذا تستفيدون؟ والكيان الصهيوني العنصري حتى العظم يستغل وجودكم للادعاء بديمقراطية دويلته المغتصبة لوطنكم من أقصاه إلى أقصاه.

