Menu

"كورونا".. الحجر الصحي يكشف عورة "الاستعداد والجهوزية" في غزة

بيسان الشرافي

غرف الحجر الصحي في غزة- مكان

غزة - خاص بوابة الهدف

عادَ إلى قطاع غزّة، قادمًا من "العُمرة"، في خضمّ الإعلان عن الإجراءات الاحترازية لمنع وصول فايروس كورونا (كوفيد 19) للقطاع وتفشّيه، وكانت الحكومة ألزمت المُعتمرين العائدين بالحجز المنزلي 14 يومًا، لكنّ بعد يوميْن لم يأتِ أحدٌ لزيارته "ليُبارك له"، فما كان منه إلّا أن أخذ "هدايا العمرة" وراح يجول بين منازل أقربائه والأصدقاء، مخالفًا التعميم الإلزامي!

ربّما كان مُصابًا بالفيروس وربّما لا، لكن هذا يفتح بابًا واسعًا للتساؤلٍ، بعد قرابة أسبوعين على إعلان اكتشاف إصاباتٍ بالفيروس في الضفة المحتلة، ما انفكّ عددها يزداد، حتى وصلت- لحين إعداد هذا التقرير- 44 حالةً، توزّعت بين محافظات: بيت لحم (40) وطولكرم (2) ورام الله (1) وأريحا (1). التساؤل حول طبيعة الحجر الصحي الذي تقول الجهات المسؤولة في الضفة و غزة إنّها تفرضه على العائدين من خارج الوطن، أو من يُشتبه في إصابتهم، ممّن قد يكونوا خالطوا مُصابين، والتساؤل يشمل الحجر المنزلي، والحجر الذي تُنفّذه السلطات المخوّلة داخل مراكز قالت إنّها جهزتها لهذا الغرض.

نعود لقصّة المُعتمر الذي قرّر خرق شرط الحجر المنزلي وراح يزور أقربائه؛ إذ أعلنت الحكومة لاحقًا أنّها صارت تُتابع تحركات مُخترقي الحجر وتُعيدهم إليه، وهي خطوة مُتأخرة، ربما تُجيب على جزءٍ من سؤال: هل تمتلك الحكومة خططًا حقيقية بينما كانت تُعلن "جهوزيّتها" للتعامل مع الوضع الطارئ، وإمكانية وصول الفايروس للقطاع؟- في حال لم يصل بالفعل-. هذه تساؤلاتٌ يطرحها الشارع الفلسطيني، مُحاطةٌ بذُعر الأهالي وخشيتهم على أطفالهم وشيوخهم ومرضاهم، وهؤلاء الأكثر عرضةً للإصابة بالفايروس، الذي قضى به قرابة 8 آلاف شخص حول العالم، ويُواصل تمدّده في 170 دولة.

واقعةٌ تتشابه في خرق شرط "الحجِر"، لكن هذه المرّة ليس من قِبَل العائد للقطاع وحده، بل تتورّط فيها الجهات المسؤولة مع سبق الإصرار والترصّد. شابٌ عاد- عبر معبر رفح- قبل أيامٍ، من بلدٍ سُجلت فيه أكثر من 20 إصابة بالفيروس القاتل، ومرّ بطبيعة الحال من جمهورية مصر التي بلغ عدد الإصابات المُعلَن فيها 196 بينما سُجّلت 6 حالات وفاة.

هذا الشاب اقتطع من عمله أسبوعيْن للعودة إلى الوطن، لعقد قرانه ومن ثمّ الرجوع إلى البلد المُضيف، أخبر السلطات على المعبر أن لا مُتسع لديه من الوقت للالتزام بالحجر المنزلي أسبوعين، وعليه فهو لن يلتزم. وافقت الجهة المسؤولة وسمحت له بدخول القطاع، وفوق هذا "ولا يهمّك.. أهلًا وسهلًا"! هل هناك مسؤولون يُتابعون المسؤولين عن المعبر!؟

مُؤخّرًا أُعلِن تخصيص مدرسة "مرمرة" الحكومية في مدينة رفح، للعائدين إلى القطاع، باعتبارها مركزًا للحجر الصحي. ونشر مواطنون من داخلها صورًا أظهرت عدم جهوزية المكان لمبيت أفراد، وليس فقط إخضاعهم للحجر الصحي، فدورات المياه مُشتركة للجميع، ولا مراعاة للنظافة والصحة العامة في المكان، ولا وجود لأيٍّ من التحضيرات المتعلقة بالحجر الطبي.

الحجر 1.jpg
من داخل غرف "الحجر الصحي" في مدرسة خصصتها الحكومة للعائدين لغزة- وكالات

مواطنة ممّن يخضعون للحجر داخل المدرسة قالت، عبر مُداخلة هاتفية إذاعية "إنّ المكان هُنا قذرٌ، من كان سليمًا منّا سيمرض من انعدام النظافة والحشرات والاكتظاظ النسبي". فيما أكّد آخرون بأن أيّا من الجهات المُختصة لم يُجرِ لهم فحوصًا أو يأخذ عيّنات منهم، ولا حتى قياس حرارة للعائدين.

وتداول مواطنون عبر مواقع التواصل الاجتماعي صورًا أظهرت فصول المدرسة، بداخل كلٍ منها فراشٌ أرضيّ لنحو 8 أفراد، فيما نُشرت صورٌ أخرى لمواطنين يلعبون "شَدّة" داخل أحد الفصول، ما يُثير تساؤلًا آخر حول دور الجهات المعنيّة في توعية الخاضعين للحجر الصحي، لجدّية الأزمة وكيفية التعامل والتصرف داخل الحجر.

مرّت أيامٌ قبل أن تُعقّب وزارة الصحة بغزة على الأمر، مساء الثلاثاء، بالقول "إنّ الحجرَ الصحيّ في رفح مطابقٌ تمامًا لكل المعايير الصحية، وجميع الإمكانيات الطبية لوحدات الحجر متوفرة". مُجددةً التأكيد على خلوّ القطاع من الفايروس.

بين هذا وذاك، علت مُطالباتٌ شعبيّة للحكومة بتوفير أماكن لائقة ومُعدّة للحجر الطبّي، بما يحفظ سلامة الخاضعين له، ويمنع انتقال المرض في حالة وجود إصابة. وطالب مواطنون بأن تعمل الحكومةُ على تحويل الفنادق المرصوصة على طول ساحل القطاع إلى مراكز حجر، على غرار ما فعلته دول عدّة، ويبدو أنّ صاحب أحد تلك الفنادق التقط الإشارة وبادر بوضع فندقه تحت تصرف المسؤولين لتجهيزه كمركزِ حجرٍ للعائدين.

سبق "مُبادرةَ" صاحبِ الفندق - كما تعزّز بعدها- نقاشٌ وجدلٌ عمّ مواقع التواصل، حول فكرة الرأسمالية، وما تخلقه من طبقيّة وأزماتٍ اقتصادية واجتماعية، لا يدفع ثمنها سوى المسحوقين؛ يقول علي عبد الباري "الفقير بيدفع دم قلبه عإشي غِلي سعره، والغني بيربح أضعاف، الفقير بينحجر عليه ببيت قد علبة السردين، والغني بيته جنّة.."، بادئًا هذه الكلمات بنفيه فكرة "كورونا يساوي بين البشر". كما رأى أنّ "ما يدعو للخوف هو عدم وجود منظومة صحيّة، والحل لمواجهة كورونا هو الاحتياط!.."

الارتباكُ الحكوميّ ليس خفيًا، تُدلل عليه الوقائعُ المُشار إليها آنفًا، وغيرُها، والتي تتداركها الحكومة في غزة "واحدةً بعد أخرى"، لكن حين يدور الحديث عن "فيروس ووباء" يبقى للتأخير و"الخطأ" ثمنٌ كبير، سيدفعُه مواطنون تُركوا أيامًا لرُعب "احتماليّة الإصابة"!

ومع أن الوضع الذي يمرّ به القطاع مُستجدٌ وصعب بحقّ، كما هو الحال في كل العالم- حتى دوله المتقدمة-، إلّا أنّ ما دعا كثيرين للاستهجان هو "إعلان الجهوزية والاستعداد" منذ اللحظة الأولى، قُبيل اكتشاف الإصابات في الضفة المحتلة، وعلى رأي الكاتب والشاعر خالد جمعة "أكثر عبارة تُقلقني هي عندما تقول جهة ما: لا داعي للقلق، الأمور تحت السيطرة".

لم يقتصر الأمر على نقاشٍ افتراضي، إذ تدخّلت الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان، التي وثّقت طبيعة الوضع في المدارس التي أعلنتها الحكومة مراكز للحجر الصحي، وعليه وجّهت مخاطبة لرئيس اللجنة الحكومية المُكلّفة بمواجهة الأزمة في غزة، مدحت محيسن، طالبته بإعداد مراكز مُجهّزة وفق المعايير المطلوبة للحجر الصحي، لتحقيق الغرض منه، وضرورة تدريب وتأهيل طواقم طبية وصحية للعمل فيها.

غزّة التي تمرّ بأوضاعٍ معيشيّة واقتصاديّة بائسة أصلًا، يتمنّى الكلّ الفلسطيني أن تكون وتبقى خالية فعلًا من الفيروس القاتل، فلا يُمكن تصوّر ما سيكون عليه حالها إذا باتت موبوءة، في ظلّ حصارٍ صهيونيّ يضرب خاصرة القطاع منذ نحو 13 عامًا، وهي ذاتها سنوات الانقسام السياسي، مُخلّفان معًا منظومة صحيّة متهالكة، وقطاعات حيويّة تحضر.

هذا دفع جهات عدّة، بينها فصائل، للدعوة إلى ضرورة التكاتف وتضافر الجهود الرسمية والشعبية لمواجهة الأزمة المُحدِقة، ووضع خطط إنقاذ سريعة، حقيقيّة ومتكاملة، بمشاركة الجميع- ليس الحكومة فقط- تُفعّل بها كل الإجراءات الاحترازية الممكنة، لحماية المواطنين من كارثة وشيكة. من هذه الفصائل الجبهة الشعبية، التي شدّدت كذلك- في بيانٍ لها- على ضرورة تكاتف الجميع لمواجهة الأزمة "بعيدًا عن كل أشكال التباينات والمماحكات".

يُشار إلى أنّ "الصحة" في غزّة أعلنت، الخميس، البدء بإنشاء مستشفى ميداني، داخل الشق الفلسطيني من معبر رفح؛ سيضم 30 سريرًا، وغرفا للعناية المركزة، ومختبرًا للتحاليل، وسيُفتتح بأسرع وقت.

ومنذ 6 مارس، بعد يومٍ من إعلان اكتشاف أوّل حالات إصابة بفايروس كورونا في الضفة المحتلة، تُغلق المدراس ورياض الأطفال والجامعات وبعض المؤسسات والمرافق أبوابَها، بعد إعلان الحكومة هناك حالة الطوارئ لمدة شهر، تردّدت الحكومة في غزة بالالتزام بها، لكن سرعان ما لحقت بالقرار، الذي جاء ضمن الإجراءات الوقائية لمنع تفشي فايروس في محافظات الوطن، التي باتت ملامح القلق والحذر تتضح في شوارعها وأحيائها أكثر فأكثر.