Menu

النظام الرأسمالي النيوليبرالي الوجه الآخر لفيروس كورونا

عليان عليان

خاص بوابة الهدف

منذ أن أعلنت الحكومة الصينية عن اكتشاف أول حالة  لوباء كورونا في ديسمبر / كانون أول الماضي في مدينة ووهان، الذي حصد  أرواح ما يزيد 3270 من أبناء الشعب الصيني، قبل أن تتمكن الصين وفق نظامها المركزي من  وضع حد لانتشاره، بعد أن بلغ عدد الإصابات 81093، ومن ثم  ظهوره في مختلف أرجاء العالم، راح العديد من الباحثين والكتاب يرجعون المسألة إلى نظرية المؤامرة، وأن الولايات المتحدة هي من قامت بتصنيع هذا الفيروس القاتل، بهدف تدمير الاقتصاد الصيني، المرشح لأن يكون هو الأول على مستوى العالم، خاصةً إذا أخذنا بعين الاعتبار أنه ومنذ وصول الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى سدة الرئاسة، وضع نصب عينيه ضرب الاقتصاد الصيني عبر سلسلة من الإجراءات العقابية من رفع الرسوم الجمركية على صادرات الصين من الحديد والألمنيوم وغيرهما.

المؤامرة كانت وستظل موجودة في تفسير الكثير من القضايا السياسية والاقتصادية والاجتماعية، رغم رفض الكثيرين  الأخذ بنظرية المؤامرة، ولكن  ما يجب الإشارة إليه هنا  أنه حتى لو لم تكن الإمبريالية الأمريكية وراء تصنيع هذا الفيروس، في إطار حروبها العسكرية والبيولوجية ضد خصومها وأعدائها، فإن الأيديولوجية الرأسمالية تعج بالطروحات والنظريات التي تسهل انتقال فيروس كورونا وغيره من الفيروسات القاتلة، للفتك بأعدائها وللفتك بالقوى الطبقية غير  الرأسمالية سواء في بلدانها أو بقية بلدان العالم.

وللتدليل على صحة ذلك نشير إلى بعض الطروحات النظرية للرأسمالية في هذا المجال  وعلى رأسها نظرية مالتوس في كتابه الشهير عن السكان تحت عنوان: "Essay on the Principle of population" عام 1798، والذي كان له تأثير كبير على تفكير الناس في العالم أجمع خلال قرن من زمان،  ولا يزال له بعض الأثر حتى يومنا هذا.

 فوفق نظرية مالتوس يوجد اتجاه نحو تزايد السكان بمعدل يفوق زيادة المواد الغذائية،  فمن ناحية يتكاثر السكان في العالم  بنسبة متوالية  هندسية، ومن ناحية أخرى تتزايد الموارد بنسبة متوالية عددية، ورأى أن السكان سيتضاعفون كل (25) سنة إذا سمحت وسائل المعيشة بذلك. والحل حسب مالتوس يكمن في ما سماه بالموانع الوقائية والموانع الايجابية مثل المجاعات  والأوبئة  والأمراض  والحروب  والكوارث، حيث يعطي الأولوية للموانع الإيجابية.

وبهذا الصدد يرى مالتوس بأنه لا  ضرورة للتصدي للأوبئة والحروب والمجاعات، باعتبارها موانع ايجابية لتحقيق التوازن المطلوب، وإلى عدم ضرورة أن تلجأ الدولة تقديم المساعدات للفقراء، ما دام ذلك يؤدي إلى عدم زيادة أطفالهم، وأن لا تزيد الأجور كي لا يؤدي ذلك إلى الغرض نفسه. كما دعا الطبقة الغنية عدم الإحسان للفقراء، لأن ذلك يشجع هؤلاء على الزواج... وقد استجابت الطبقة الغنية إلى هذه النصيحة الثمينة وطبقتها جيداً خلال قرن كامل.

وفي مكان آخر من نظريته، ربط مالتوس  بين عدد السكان، وكمية الطعام، ومعدلات الأجور على أساس أن الأجر  كان يفترض فيه، أن يساوي فقط المقدار اللازم  للحصول على ضرورات الحياة. هذا الحل المالتوسي تفوح منه رائحة طبقية كريهة وعنصرية؛ إذ أن البقاء في نظره للأغنى، وهو بهذا الحل ساهم مبكراً في ظهور الداروينية الاجتماعية المتوحشة.

وإذا كانت هذا حال  نظرية مالتوس في التعامل مع الفقراء في الدول الرأسمالية، فكيف سيكون حالها في   نسختها الجديدة (الليبرالية الجديدة – الداروينية الاجتماعية المتوحشة) في التعامل مع شعوب المستعمرات ودول العالم الثالث والدول المصنف كخصوم للنظام الرأسمالي النيوليبرالي؟!

ولو أخذنا النموذج النيوليبرالي الذي طبقته رئيسة الوزراء البريطانية مارغريت تاتشر كأنموذج على سبيل المثال لا الحصر، سنرى مدى الأخطار المرتبة على هذا النهج. فالناس وفق الأيديولوجية التاتشرية النيوليبرالية: متفاوتون بحكم الطبيعة، وهذا أمر حسن بالنسبة لها، لأن مساهمات المؤهلين بطبيعتهم، وبحكم تنشئتهم الأفضل والأقوى، ستعود في نهاية الأمر بالفائدة على الجميع، وليس علينا واجب خاص اتجاه الضعفاء ولمن لم يتابع الدراسة، وبغض النظر عن الظروف التي تسببت بعدم متابعة الدراسة، فما يصيبهم يستحقونه: ذنبهم على جنبهم وليس ذنب المجتمع!!

 

وحسب  الأيديولوجية النيوليبرالية التاتشرية أيضاً : "من واجبنا مدح التفاوت في العمل، بحيث نطلق العنان للمواهب والكفاءات، لتعبر عن نفسها من أجل مصلحة الجميع"، بمعنى أنه يجب أن لا نقلق بشأن من يسقط صريعاً في معركة المنافسة..". والنقابات العمالية عدو رئيسي للنظام الرأسمالي النيوليبرالي  ما يستوجب تحطيمها، كونها تدافع عن حقوق العاملين، وتطالب بزيادة الأجور، ما يؤثر  بالسلب على عملية التراكم الرأسمالي.

هذا بعض من فيض من بشاعة النهج الرأسمالي النيوليبرالي، الذي لا يتورع  عن إلحاق أكبر أذى بشعوب النظام الرأسمالي نفسه، ولا يتورع عن إلحاق الأذى بشعوب العالم الثالث وبقائمة الدول المصنفة في قائمة الخصوم والأعداء؛ مثل روسيا والصين و إيران وفنزويلا وسورية.

فهذا النظام في نسخته الداروينية الاجتماعية المتوحشة، أشعل ولا يزال يشعل الحروب في مختلف أنحاء العالم لتشغيل مصانع السلاح، ولحصد مليارات الدولارات، ويخلق ويدعم التنظيمات الإرهابية في مختلف دول العالم الثالث لتقويض سيادتها، ونهب ثرواتها، عبر إثارة الانقسامات الطائفية والمذهبية والاثنية. فما قتله النظام النيوليبرالي من شعوب العالم، تحت مبررات كاذبة تعجز عنه أخطر الفيروسات القاتلة؛ فالحصار الظالم الذي فرضه على العراق، جراء كذبة أسلحة الدمار الشامل أدت إلى وفاة ما يزيد عن مليوني عراقي نسبة كبيرة منهم من الأطفال، واليورانيوم المنضب الذي استخدم في العراق أدى إلى انتشار أمراض لا حصر لها، ولعل ما صرح  به أستاذ الفيزياء النووية في جامعة تكريت الدكتور عبد علان، في إطار ندوة عن تأثيرات اليورانيوم المنضب على العراق، يكشف مدى بشاعة الإمبريالية الأمريكية وحلفائها، عندما  قال أن تأثير اليورانيوم المنضب سيبقى في تربة العراق ومياهه الجوفية (4000) مليون سنة، وعندما تفجأ الحضور بذلك.. أكمل حديثه بالقول: "إلى أن يرث الله الأرض وما عليها"... هذا كله، ناهيك عن تدمير البنية التحتية في العراق من خدمات صحية وكهرباء وشبكات مياه ومجاري الخ.

والمؤامرة الإمبريالية على كل من سورية و اليمن بأدواتها الرجعية والتكفيرية، قتلت مئات الألوف من أبناء الشعبين، وقبل ذلك ما حدث في فيتنام والجزائر ... والقائمة تطول وتطول. وماذا نتوقع من دولة تزعم أنها تقود العالم الحر والعالم أجمع، وهي ترفض التوقيع على اتفاقية المناح وما يتركه ذلك من آثار غاية في الخطورة على الكوكب نعيش فيه؟! ماذا نتوقع من هذا النظام الذي يتفنن في صناعة الأسلحة النووية والكيماوية والبيولوجية؟!

فهذا النظام وفق ضحاياه وبالأرقام، بات الوجه الآخر لفيروس كورونا، ولا حاجة للمحللين أن يناقشوا مسألة إذا ما كانت الولايات المتحدة  هي  المصنعة لهذا الفيروس في مختبراتها أم لا.

ومنذ اندلاع أزمة الكورونا، بدأنا نتابع وسائل الإعلام الغربية والأمريكية تتحدث عن انهيار النظام الطبي في الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي التي باتت تعاني نقصاً شديداً في وجود الكمامات وأجهزة الفحص وأجهزة التنفس الاصطناعي، وغيرها من مستلزمات الكشف والوقاية من هذا الوباء القاتل. ولم تقف الأمور عند هذا الحد بل كشفت تصرفات وتصريحات وممارسات هذا النظام عن أبشع قيم الداروينية الاجتماعية المتوحشة، عندما رأينا ترامب مشغولاً بتوفير تريليونين دولار لدعم الشركات الكبرى، بدلاً من انشغاله بوباء الكورونا في بلاده التي باتت تحتل الرقم الثالث عالمياً في نسبة الإصابة به، الأمر الذي دعا رئيس بلدية نيويورك إلى أن يطلق صرخة احتجاج على نهج إدارة ترامب قائلاً: "لا تجوز المفاضلة بين الاقتصاد والأرواح"... وعندما رأيناه يفاوض شركة ألمانية لتصنيع اللقاح في بلاده؛ لتصبح البائع الحصري له بالسعر الذي تحدده، وعندما راح أحد كبار المسؤولين في وزارة الصحة الأمريكية يتماهى مع أقرانه في بريطانيا بضرورة عدم الاكتراث بمعالجة كبار السن  من وباء الكورونا.

هذا النظام لا يأبه بحياة القوى الاجتماعية التي هي خارج سياقه الطبقي، عندما رأينا الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يضع على سلم أولوياته، عندما فاز بالانتخابات الرئاسية، إلغاء نظام Obama Care  الصحي، الذي يهدف إلى توفير التأمين الطبي لغالبية الشعب الأمريكي، وعندما رأينا الرئيس الفرنسي النيوليبرالي جون ماكرون يحرم المستشفيات الحكومية من (800) مليون يورو لتركها غير قادرة على تقديم الخدمات الصحية المطلوبة لجماهير الشعب الفرنسي، وفي ذات الوقت يوفر كل أسباب الدعم للقطاع الطبي الخاص.

النظام الرأسمالي هذه الأيام يكشف عن أسوأ ما فيه، عندما نرى  الإدارة الأمريكية تستخدم جائحة الكورونا لأغراض سياسية وعنصرية، عبر إصرارها على استمرار فرض العقوبات على إيران لمنعها من الحصول على المواد والمعدات الطبية لمواجهة الوباء، الذي أسفر حتى الآن عن ما يزيد عن 23049 حالة إصابة، ووفاة ما يزيد عن 2000 شخص.. وعبر وصفها فيروس كورونا "بالفيروس الصيني".

وأخيراً: فإن  النظام الرأسمالي أمام اشتداد أزمة الكورونا (كوفيد 19) بات يشهد حالة من التفكك  وباتت كل دولة من دول الاتحاد الأوروبي، تتخلى عن زميلاتها في مواجهة الكورونا، عندما رأينا الآلاف من الطليان يموتون أمام أعين مفوضية الاتحاد، دونما مد يد العون لإيطاليا وغيرها من الدول الأوروبية، في حين  باتت روسيا والصين وكوبا هي المنقذ الوحيد للعديد من دول العالم ، والمنقذ الوحيد لإيطاليا على وجه التحديد التي بلغ عدد الإصابات فيها 63927، وعدد الوفيات ما يقرب من 3500 حالة؛ فروسيا حركت أسطولاً جوياً محملاً بأطنان من المعدات والمواد الطبية إلى إيطاليا  وبعثت بخيرة  علمائها وكوادرها الطبية، ومن المختصين في المجال البيولوجي، لمساعدتها في الحد من انتشار الوباء دون أي اشتراط، متجاهلةً حقيقة أن إيطاليا مساهمة في العقوبات التي فرضها الاتحاد الأوروبي على روسيا.

نظام عالمي جديد في طريقه للتشكل  في ضوء جائحة "كورونا"، بعد انهيار النظام العالمي الذي تشكل بعد الحرب العالمية الثانية، وبعد فشل محاولة الولايات المتحدة، تشكيل نظام القطب الواحد بعد انهيار الاتحاد السوفياتي... نظام تلعب فيه كل من روسيا والصين دوراً مركزياً، وكذلك الدول الصاعدة في العالم الثالث (كوبا وإيران).