Menu

مُشاهداتٌ يوميّة من الحَجر (1): الشماتة

محمد كناعنة

خاص بوابة الهدف

"فَقُل لِلذي يُبدي الشَّماتَةَ جاهِلًا - سَيأتيكَ كَأسٌ أنتَ لا بُدَّ شارِبَهُ".

مُنذُ بِدايَة وصول أعراض وباء الكورونا إلى بلادنا تَفَشَّت النُكتَة حولَ الوباء كَأحد أشكال المواجَهَة، إذا جازَ التعبير، وهذا أمر مُعتاد في الأزمات ليس فقط السياسية بل وحتى في أحلك الظروف كهذه الني نَمُرّ بها الآن، وهوَ بِحَسَبِ ما ذَهبَ إليهِ الفيلسوف الفَرنسي هنري برجسون: "مُحاوَلَة قَهر القَهر".. ولكن حتى في أزماتنا يجب مُراعات بَعض الضَوابِط وهذا لَم يَحصَل، للأسَف، فخَرق هذه الضَوابط تُنبِئ بِتَفَكُّك مُجتَمعي آني أو مُستَقبَلي، وَقَد يَكون دافِع الخَوف هو الذي دَفَعَ البَعض من مُجتَمِعِنا للتَصَرُّف بهذا الشَكل الذي سَأورِدَهُ هُنا، ولكن تبقى إنعِكاساتِهِ خَطيرَة ما بَعدَ مرورِ هذه الأزمَة.

واحدَة منَ النكات المُضحكة تدور حولَ امرأة تسكُن في بناية سكنية وكانَت الشُرطَة تَقتادُها أمام الجيران وأمام دَهشَة الجَميع وَخَوفَهُم صاحِت بِهِم الجارَة وَالسَلاسِل تُكَبِّلُ يَداها في مُحاوَلَة مِنها لِطَمأنَتَهُم:- "ما تخافوا، قضية دعارة مش كورونا"، ولكن لو نَظَرنا إلى الواقِع الذي نَحياه لَشاهَدنا سِناريوهات أشَدُّ فَتكًا من هذه النكتَة التي باتَت تُعَبّرُ عَن واقِعٍ أليم نَحياه في ظل تَفَكُّك قِيَم الجَماعَة والولوج في بوتَقَة الفَردانِيّة، وهذه بالمُناسبَة واحدَة من أهم أحابيل الإستعمار في تَفكيك المُجتَمعات المُستَعمَرَة، وهي أن يَتَّجِه هذا المُجتَمَع نحوَ الفردانِيّة.

لاحَظت، وَمثلي الكَثيرون، وجود "إشاعات" أو أخبار حقيقية عن إصابات بالكورونا في هذا البيت أو ذاك، في هذا الحي أو ذاك، في هذا البلد أو ذاك، الأنكى في الأمر أن يَتِم تَداول هذه الإشاعَة/الخَبَر وَكَأنَّ هُناكَ "عار" قَد حَلَّ على هذه العائِلَة أو هذا الحي أو البَلَد، في الوقت الذي يَتَطَلَّب الأمر منا تَعاضُد وَوقفَةَ رَجُلٍ واحِد في مُواجَهة هذه الأزمَة التي قَد تَكون وجودِيّة وَبِحَق.
 أولًا: لا أحَد مُحَصَّن من هذا الوباء إلّا من لَزِمَ بَيتَهُ واعتَمَدَ التَعليمات الوقائِيّة بِحَذافيرها.

ثانِيًا: هوَ مَرَض وَفايروس قَد يَصل إلى أي شَخص بهذه الطَريقَة أو تلك، وَالعَدوى قَد تُصيب الصَغير قبلَ الكَبير.

ثالثًا: هُناكَ فَرق بينَ النُكتَة والشَماتَة، فلا يجوز الشَماتَة في أمر يَتَعَدَّى التفاصيل العادية في الحياة اليَوميّة، وفي هذا الخِضَمّ نَلحظ تَراجُع لِلقِيم الاجتِماعيّة الجَماعيّة وبلا شَك فَقَد لَعِبَت وسائِل التَواصُل الاجتماعي دورًا في تَأصيل نَمَط إجتِماعي جَديد يَرتَكز على الفَردانِيّة وتَشكيل مُصطَلحات وَمُفردات جَديدَة لِلمرحَلَة.

وَما لاحَظتَهُ خلال الأسبوعين الماضِيَيّن بأنَّ هذه الإشاعات باتَت مَحَط قَلَق حَتى لِأهل المَريض ذاتِهِ، بِغَض النَظَر إذا كانَ مُصاب كورونا أم لا، فَقَد شَهِدنا بَيانات لِعائِلات مَرضى تُؤكّد فيها بأنَّ إبنها/إبنتها مَريضها أب/أم أخ/أخت، ليسَ مُصابًا بالكورونا، هُم يُحاولونَ صَدّ "التُهمَة" عَنهُم وَكَأنَّ في الأمرِ عار أو كَأنَّهُم قَد ارتَكبوا جُرمًا ما، كما بَيّنت في البدايَة.  

مُؤسِف أن نَصِل إلى هذا الحَد من التَفَكُّك وَحتى من الخَوف من بَعضِنا، وهذا لا علاقَة لَهُ بالحذر ووجوب الأخذ بكل وسائل الوقايَة والسَلامَة، كما مؤسِف هذا الكَم من الاستِهتار بالتَعليمات وعَدَم الإنصياع لها فالأمر لَم يَعُد يَتَعَلَّق بسلامتكَ الشَخصيّة فقط، بل بِسلامَة كُل من يُحيط بكَ.

وفي هذا السِياق لا بُد من الإشارَة إلى الجُرأة والوَعي لدى العديد من أبناءِ شعبنا مِمَّن أصيبوا أو أصيبَ أحَد أفرادِ عائلاتهم بفايروس كورونا بأن قاموا بالإبلاغ والتعميم على الناس وللجهات المُختَصَّة بِهَدَف حِمايَة الآخرين وَعِلاج المَريض وَليسَ التَشفي بهِ أو التَخَلي عَنهُ، تَصَرُّف يَنبَغي أن يكونَ نَموذَجًا، فَهذا التَصَرُّف المَسؤول هو الذي يَحمي مُحيطَهُ من الوباء وهو يَدُل على وَعي وإنتِماء وَمسؤولِيّة.