كشف ظهور فيروس كورونا في الصين وتفشيه في أكثر دول العالم، خاصة منها الدول الأوروبية الرأسمالية المتقدمة علميًا، بما في ذلك الولايات المتحدة، وعدم القدرة حتى الآن على السيطرة عليه عن طريق التوصل إلى لقاح.. كشف حالة من الالتفاف الشعبي على المستوى العالمي بقدرة الصين على التبوء بموقع القطب الذي يقود العالم، وذلك بعد استطاعتها محاصرته والحد من انتشاره، وقد عزز هذا الالتفاف ما تناقلته الأخبار عن فحوى الرسائل التي وجهها الرئيس الصيني إلى زعماء العالم؛ مشددًا فيها على ضرورة بناء مجتمع بشري له مستقبل مشترك لمكافحة التحديات العالمية، وأن الصين قدمت تضحيات ضخمة في مكافحة فيروس كورونا ووفرت وقتًا ثمينًا للعالم برمته.
هكذا يشاع الآن في مواقع التواصل الاجتماعي ضمن التغطية الإعلامية لفيروس كورونا، هذه المزاجية بالتطلع إلى جمهورية الصين الشعبية، بالقيام بدور المنقذ للجنس البشري من الفناء على يد هجمة الفيروسات.. لكن السؤال الذي يطرح نفسه هل الصين بالفعل مؤهلة لقيادة العالم؟ وهل الشعب الصيني الذي تتصدر قائمة وجباته الغذائية لحم القطط والكلاب يمكن أن يكون مثالًا راقيًا تتطلع إليه شعوب العالم للاحتذاء به؟ أسئلة موضوعية تم آثارتها بعد تبين هذه الأيام عجز الولايات المتحدة الأمريكية، بالنظر إليها كما يشاع في أجهزة الإعلام على المستوى الدولي، بأنها القطب الأوحد، وذلك بعد انهيار الاتحاد السوفييتي السابق وتفكك منظومة المعسكر الاشتراكي،
والجواب: الاعتراف على المستوى الدولي بأن جمهورية الصين الشعبية، دولة اشتراكية عظمى، وأنها أكثر بلدان العالم في تعدادها السكاني، وأن إنتاجها الاقتصادى، خاصة في تنوعه الاستهلاكي، قد غزا الأسواق العالمية، مما جعلها في حالة حرب تجارية مع الولايات المتحدة، وأيضًا هي ضمن القوى العظمى التي تمتلك الأسلحة النووية، وهو ما أهلها لأن تكون من الأعضاء الخمسة الدائمين في مجلس الأمن، الذين يمتلكون استخدام حق الفيتو.. كل ذلك يتوفر للصين لأن تكون قطبًا عظيمًا في عالم يسوده تعدد الأقطاب، ولكن ذلك لا يؤهلها لأن تكون القطب الأوحد الذي يقود العالم؛ بسبب ثلاثة عوامل أساسية هي أولًا: اختلاط نظامها السياسي بين الأسلوب الاشتراكي والأسلوب الرأسمالي؛ بسبب التجديد الذي أضافه الحزب الشيوعي الحاكم على نمط الإنتاج، مما جعلها قوة اقتصادية عظمي تنافس الدول الرأسمالية في عملية الإنتاج وتزاحمها على غزو أسواق دول العالم الثالث النامية، خاصة في تعدد مشاريعها الاقتصادية في القارة الإفريقية، واختلاط نظامها السياسي لا يؤهلها لأن تكون في موقع القطب الأوحد كحال الولايات المتحدة بعد تفكك الاتحاد السوفييتي السابق، ذلك أن من شروط وجود القطب الأوحد هو قدرته على القيام بالهيمنة الكونية، في ظل تبلور التكوين الطبقي لنظامه السياسي الحاكم، حيث لم يعد يوصف النظام السياسي في الصين بعد التجديد الذي طرأ على عملية الإنتاج بأنه نظام اشتراكي علمي )أي ماركسي (خالص مئة بالمئة أو رأسمالي .ثانيًا: عداؤها التاريخي لليابان، وهي دولة آسيوية صناعية كبرى، وهزيمتها في الحرب العالمية الثانية ضمن دول المحور ألمانيا وإيطاليا، هو الذي أبعدها عن العضوية الدائمة لمجلس الأمن، ولكن رغم ذلك ظلت في حالة تنافس دائم على موقع قيادة الشرق الأقصى، حيث في فترة تاريخية سابقة كانت الصين خاضعة لحكم الإمبراطورية اليابانية التي تقاسمت استعمارها مع بعض الدول الغربية، وذلك قبل اندلاع الثورة الصينية بقيادة الحزب الشيوعي بزعامة ماو تسي تونج وتحقيق الاستقلال الوطني. ثالثًا: أسلوب النمط الغذائي للشعب الصيني الذي يقوم على تناول كل أنواع الحيوانات والحشرات، مما يوفر هذا الغذاء الذي ينفر منه الإنسان الحضاري بيئة صالحة لوجود الفيروسات الخطيرة، كما هو فيروس كورونا الحالي الذي نشأ في الصين ويتفشى الآن في العالم مسببًا الذعر والهلع، وقد تناقلت الأنباء عن اكتشاف فيروس آخر في الصين منشأه الحيوان، وقد يتطور جينيًا لينتقل بعد ذلك للإنسان.. هكذا هي الصين تبقى قطبًا دوليًا كبيرًا في العالم، ضمن قائمة تعدد الأقطاب، وقد تستطيع أيضًا منافسة الإمبريالية العالمية في عملية تعاظم نهبها الاحتكاري وسعيها الدائم للسيطرة على الأسواق العالمية، ولكن لن ترقى إلى مستوى التبوء لأن تكون في موقع القطب الأوحد، كوريث للولايات المتحدة كما يتنبأ الآن الكثير من المراقبين السياسيين، ممن يهتمون بالصراع بين الأقطاب الدوليين الكبار على المستوى العالمي.

