تأتى صفقة القرن التي وصفت بحق بأنها انتداب إسرائيلي أمريكي على فلسطين أقسى من الانتداب البريطاني، لكي تمثل أحدث حلقة في المخطط الإسرائيلي الإمبريالي لفرض الاحتلال على أكثر من 80% من أرض فلسطين التاريخية، ولمنح إسرائيل المجال واسعاً للاندماج، بالاشتراك مع الإمبريالية العالمية، في الوسط العربي، من خلال تعاون اقتصادي وسياسي تقوده إسرائيل، ويُتَوِّجه حلف عسكري في مواجهة إيران.
لقد ركَّز الكثير من المحللين على عنصر الصفقة الانتخابية في المبادرة التي تُعَظِّمُ من فرص فوز كل من ناتنياهو وترامب في الانتخابات المقبلة، وهو عنصر صحيح، ولكن الأخطر هو سياق المبادرة في سياسة الانحياز للمخطط الإسرائيلي الأمريكي العدواني المشترك لإلغاء حقوق الشعب الفلسطيني والهيمنة على المنطقة. ومن المهم لنا في تحليل تلك الصفقة أن نركّز أولا على تحليل العدو، بدءاً بالعدو الإسرائيلي، ونواحي قوته وضعفه الاستراتيجية، لكي ننتقل إلى تحليل الأطراف الأساسية للتناقض الجوهري في المنطقة العربية. وفى الوقت الذي يكثر فيه الحديث عن عناصر القوة الاستراتيجية لإسرائيل النووية المتوسعة وحلفائها، نجد أن هناك انقساماً استراتيجياً داخل دوائر صنع القرار الإسرائيلي، وانتباه عدد هام منها إلى عناصر الضعف الخطيرة في الكيان الصهيوني. مثلاً في الذكرى السبعين للنكبة يحذر كاتب إسرائيلي* من عناصر الضعف تلك بتخوفه من أن لا تأتى الذكرى المائة وإسرائيل ما تزال موجودة! بل إن في اجتماع ناتنياهو الأخير مع قيادات الشاباك، يبرز التناقض بين الرؤية المتفائلة لناتنياهو والرؤية المتشائمة حتى لقيادته الأمنية. لم يختلف القادة الإسرائيليون بالطبع مع ما تفاخر به ناتنياهو بهزيمة تيار القومية العربية، وسعى معظم الدول العربية لعقد علاقات مع إسرائيل يُتَوِّجها التعاون الاستخباراتي، غير التطبيع الاقتصادي، والسياسي البازغ، والاستعداد للتبادل الدبلوماسي الكامل معها، ولكن الاختلاف كان في تصور ناتنياهو عن أن بلاده تعيش "ازدهاراً دبلوماسياً واقتصادياً وعملياً وعسكرياً لا مثيل له" في مواجهة ضخامة ما يشعر به القادة الاستراتيجيون لإسرائيل من عناصر الضعف الخطيرة الخارجية والداخلية.
لقد كشفت دراسة صادرة عن مركز أبحاث الأمن القومي الإسرائيلي عن وجود فجوة حسابات بين ناتنياهو والعسكريين الواقعيين، الذين يتحدثون عن خطورة وصول إيران إلى حدودهم مع سوريا ولبنان (حزب الله)، حيث يمكن أن تُشَكِّلَ، في حالة الحرب مع إيران، تدميراً خطيراً لا تنفع معه القُبّة الصاروخية، كما لم يحمِ الدفاع الصاروخي الأمريكي قواعده التي ضربتها الصواريخ الإيرانية في العراق! ولكن العنصر الأكثر خطورة الذي يُنبهون له هو، على حد ما صرح به الجنرال يتساحق بريك، مفوض شكاوى الجنود السابق في الجيش الإسرائيلي إلى صحيفة يديعوت أهارونوت، عن أن الجبهة الداخلية أكثر هشاشة لتحمُّل مخاطر أي حرب! أما رئيس الأركان الإسرائيلي السابق أمنون شاحاك فيُحَذِّرُ من خطورة غياب ما يسميه "المرونة الوطنية" بمعنى "قدرة الجبهة الداخلية والمجتمع الإسرائيلي على تحمُّل تبعات الحرب، والتغلُّب على الاضطرابات الشديدة، والحفاظ على درجة معقولة من الاستمرارية الوظيفية خلال فترة الشفاء والتعافي السريع بعد انتهاء الحرب"! إن أكثر من ثلث الإسرائيليين في سن التجنيد يُطالبون بإعفائهم من التجنيد! بل تُحَذِّرُ دراسة مركز أبحاث الأمن القومي من أن "الجمهور في الكيان لا يدرك ولا يفهم المخاطر الكامنة في المواجهة المستقبلية فحسب، بل يظل كذلك غير مُبالٍ بها!". وإذا كنا نوضح هنا عناصر الضعف الاستراتيجية في مجتمع الكيان الإسرائيلي (وأحد أدلته الصارخة أن سنوات حرب الاستنزاف المصرية في 1968 ـ 1970، هي السنوات التي أصبح مُعَدَّل الهجرة إلى إسرائيل سالباً بالهجرة العكسية للإسرائيليين للخارج)، فإننا لا نغفل عناصر القوة كما أوضحنا، ولكننا نطمح إلى الرؤية المتكاملة للذات وللعدو، بعد انتشار مصطلح "الصراع العربي الإسرائيلي"، حيث يجب التوضيح أن التناقض الجوهري في منطقتنا هو بين مصالح جماهير شعوبنا العربية في الحرية والعدالة والتنمية، وبين الإمبريالية العالمية وخنجرها الكامن في ظهرنا المتمثل في إسرائيل. لم تكن إسرائيل لتوجد، ثم لتعيش، ثم لتتوحش كما تفعل الآن دون أن تكون مستندة للإمبريالية البريطانية في فترة، ثم للإمبريالية العالمية بقيادة أمريكا في فترة أخرى، والنضال المطلوب لا يقتصر على النضال السياسي الباسل للشعب الفلسطيني في كل مكان ضد إسرائيل، ولكنه أيضاً الترابط مع نضال الجماهير العربية ضد الإمبريالية والأنظمة العربية التابعة من أجل الحرية والعدالة والتنمية، وفى تلك المواجهة لا بد وأن نبرز أن تَزَعُّم البرجوازية القومية، الوطنية في مرحلة ما من تطورها، للعداء للاستعمار وإسرائيل قد فشلت، ليس فقط للمؤامرات الإمبريالية، بل نتيجةً لعناصر ضعفها الداخلية وعلى رأسها استبعاد الجماهير من المواجهة، والقضاء على الديمقراطية والقوى السياسية الشعبية.
لا بد وأن نتعلم أنه لا مواجهة ناجحة حتى النهاية بدون شعوب عربية واعية ومُنَظَّمة، وتحرير أنفسها من الاستعمار والتبعية، وتحرير فلسطين بالكامل، بدون عناصر القوة الداخلية التي ترتبط بالنضال من أجل الديمقراطية والعدالة الاجتماعية والتنمية المستقلة وإنهاء التبعية. يبرز في تلك المواجهة المغزى التاريخي للثورات والانتفاضات العربية، سواء موجتها الأولى عام 2011، أو موجتها الثانية في 2019، في الجزائر و السودان ولبنان والعراق. لقد مثَّلت تلك الثورات والانتفاضات أول تحركات شعبية عربية واسعة للجماهير منذ فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية، ولا شك في أنها تُمَثِّلُ البديل التاريخي للأنظمة العربية التابعة، رغم التعقُّد الطبيعي لمسارات التاريخ التي لا تشهد تحقيق الأهداف عبر حلقة واحدة، بل تحتاج إلى نضال متواصل متعدد الحلقات، إلّا أن الجماهير قد دخلت إلى الساحة السياسية بقوة لتحديد مستقبلها، ولن تخرج بعد ذلك أبداً مهما انتصرت الثورة المضادة لفترات بعد الثورة، هذا هو قانون جميع الثورات.
إن هذا المؤشر لبداية العصر الجديد للجماهير يجب ألا تغيب عنا مؤشرات استمراريته، مهما طغت مظاهر تسابق الأنظمة العربية للتبعية السياسية والاقتصادية واقتحامها للمحرمات بعلاقاتها مع إسرائيل، فإن الوجه الآخر لها هو الفضح الجماهيري لتلك الأنظمة والإسقاط السياسي لها، وهو لا شك العنصر الضروري لإسقاطها مُستقبلاً. لم تنجح الأنظمة في مواجهتها الأولى للاستعمار في أعقاب الحرب العالمية الثانية، وفي تحويل القومية العربية إلى أمة عربية متكاملة تستلزم بالضرورة وجود طبقة برجوازية عربية واحدة وطبقات شعبية واحدة. وهكذا انتقلت مهمة استكمال تكوين الأمة العربية إلى محور الشعوب.
إننا نشهد الآن موجة غروب الصلاحية التاريخية للأنظمة العربية، يواجهها شروق الحركات الجماهيرية السياسية والشعبية على أسس جذرية بدون أوهام حول برجوازية وطنية مزعومة، ومن بالغ الدلالة على دور استيقاظ الجماهير العربية ودوره في تشكيل مستقبل كل دولة ومستقبل الأمة العربية كلها، الإلهام والتفاعل المُتبادل بين الثورات العربية، ووحدة اتجاه حركات الشعوب ضد الهجمات الإمبريالية. ولقد رأينا أن آخر تلك الهجمات المتمثلة في صفقة القرن تصاحبها موجة ناهضة لرفض جميع الشعوب العربية من المشرق والمغرب في مواجهة تلك الصفقة، وهو لا شك يضع بعض العراقيل أمام استمرارية خطوط الاستسلام والتطبيع المُخزية، لكنه أيضاً يُشكل مستقبل الشعوب التي تتحرك في اتجاه واحد في مواجهة الإمبريالية وإسرائيل. إن هذا يفرض على جميع القوى التقدمية العربية أن تنتبه إلى المخطط الإمبريالي الموحَّد، الذي يسعى لإخضاع الدول العربية، وتوعية جماهيرها بها، وتنظيم تلك الجماهير حول شعارات واضحة تُحدِّدُ طبيعة الأعداء، كما يفرض على تلك القوى تأسيس جبهات داخلية حول تلك الشعارات المشتركة، على غرار المثال المُلهِم للثورة السودانية، وما سبقها بحوالي عقد من الزمان، من جبهة كان لها أكبر الأثر في قيادة الثورة حينما انفجرت.
وبالطبع بجانب تشكيل جبهات تقدمية حول شعارات المرحلة، ضد أنظمتها وضد سطوة التبعية وهيمنة صندوق النقد الدولي، ومع الحرية والعدالة الاجتماعية والاستقلال الكامل، بجانب هذا لا بد من التركيز على تشكيل الجبهة العربية المُشتركة على أساس التحديات والقضايا المُلِّحة الواحدة لكل الدول، وتبادل الخبرات، وتبادل الدعم الجماهيري (ولقد رأينا في مظاهرات المغرب الضخمة ضد صفقة القرن نموذجاً رائعاً لها).
إن بناء مستقبل الشعوب المُشرق، المهمة الملحة، له صعوباته البالغة، ويستلزم حلقات متتالية من النضال وكل حلقة تُقَرِّبُنا من تحرير الشعوب، لكن يجب البعد عن وهم إمكانية تحقيق كل الأهداف بضربة واحدة، ونتيجته المتمثلة في السقوط في دوَّامة الإحباط، إذا لم تُحقق الحلقة الأولى من الثورة كل أهدافها.
كل المستقبل للقوى الجماهيرية التي بدأت حركتها بدون عودة، ولتنهض قياداتها الشعبية لمواجهة عبء تلك المهام الصعبة، وخلق الوحدة الكفاحية العربية الحقيقية، في سياق مواجهة الهيمنة الإمبريالية وصنع الديمقراطية والتنمية الاقتصادية.
ملحوظة: الاقتباسات بخصوص التصريحات عن الصحف الإسرائيلية مأخوذة من مقالات د. محمد السعيد إدريس بالأهرام القاهرية عددى 28 يناير و4 فبراير 2020.

