Menu

الواقع الفلسطيني المأزوم والنقد الثوري البنّاء وحـــدود المسؤوليـــات

أبو علي حسن

نشر هذا المقال في العدد 12 من مجلة الهدف الرقمية

في مقالنا في العدد السابق من مجلة الهدف المعنون ب" الواقع الفلسطيني المأزوم... الوعي الفلسطيني لمواجهته ونقص المناعة الوطنية لدى القيادة" أشرنا إلى الواقع الفلسطيني المأزوم ليس بسبب المرحلة التي نعيشها فحسب, إنما بسبب تراكم وتداعي المراحل الخطرة السابقة, والتي أفضت بمجملها إلى المشهد الكارثي الذي يهيمن على الواقع الفلسطيني, وهو ليس المشهد الأخير حتماً (صفقة القرن), فثمّة استراتيجيات معادية لا زالت تحاك يومياً في دوائر الغرب وكيانهم العنصري "إسرائيل" لتحديد الكيفية التي سيديرون فيها معركة المشهد الأخير بإنهاء القضية الفلسطينية كما يتصورون.

    هذا الواقع الفلسطيني المأزوم لم يكن نتاج الاستراتيجيات المعادية وبرامجها التصفوية فحسب, إنما هو أيضاً نتاج قصور فلسطيني  ذاتي في مواجهة هذه الاستراتيجيات المعادية وخططها العملية, حيث كان العجز والفشل والنكوص في المواجهة, عاملاً أساسياً في تعميق الأزمة الوطنية, فلا يمكن تجاهل كيف تكونت عناصر الأزمة ومفرداتها طيلة العقود الماضية, لا سيما بعد اتفاق أوسلو, الذي أحدث انكساراً هائلاً في البناء الوطني الفلسطيني, كما لا يمكن تجاهل الكيفية التي واجهت بها القيادة الفلسطينية, ممثلة بالسلطة الفلسطينية من جهة, والفصائل الفلسطينية الوطنية والإسلامية من جهة أخرى, تلك الاستراتيجيات والتكتيكات المعادية...!!

   إن الأزمة الوطنية لم تتشكّل في ليلة وضحاها, إنما كانت مساراً سياسياً موضوعياً وذاتياً, أوصل القضية الفلسطينية إلى ما نحن فيه اليوم، ومن البديهي أن تظهر على السطح تلك الأسئلة وعلامات الاستفهام الكبرى والقاسية, عن الأسباب والنتائج والمسؤوليات, والمراجعات السياسية... والمآلات...!!

    الأمر الذي يدفعنا اليوم بدافع البناء لا الهدم إلى امتشاق سلاح النقد الثوري والموضوعي, لتجربة طويلة من النضال الوطني الفلسطيني, سقط فيها آلاف الشهداء والجرحى وعانى خلالها مليون أسير فلسطيني في السجون الاسرائيلية, تجربة فريدة من نوعها, وفريدة في نهاياتها, تجربة يجب أن تتوقف ليتأسس على أنقاضها تجربة جديدة محكمة التصوّر والرؤية, ويشكّل عنصر الإرادة الوطنية مسارها وعنفوانها وأهدافها...

   وهنا تتبدّى أهمية المراجعة السياسية للتجربة بكل فصولها ومحطاتها, وبرامجها, وسياساتها, كي نستطيع أن نحدّد طبيعة المسؤولية, وما هي حدود وتخوم المسؤولية بين جهة وأخرى, وبداهةً لا يمكن أن تتساوى مسؤولية الكيانات السياسية الفلسطينية في تشكّل هذا الواقع المأزوم، فثمّة من هو فاعل ومقرّر ومهيمن, وآخر ملحق, وآخر عاجز, وآخر متفرّج, وآخر مشوّه... فأين تقع المسؤولية على الخريطة الفصائلية الوطنية منها والإسلامية, يمينها ويسارها؟ وما هي معايير تحديد المسؤولية, وتالياً المحاكمة السياسية؟

   قد تتعدّد المعايير وتتشابك مع بعضها لتشكّل معياراً أساسياً في تحديد المسؤوليات, غير أن معايير:

  1. الرؤية والمنهج      2- المعيار الوطني            3- معيار الفعل السياسي... قد تحكم على التجربة وروّادها, وتحدّد التخوم في المسؤوليات.

   إن أهم معايير تحديد المسؤولية هو المنهج السياسي, وطبيعة الرؤية التي على أساسها تتخلّق الأفعال السياسية وتتحوّل إلى معايير "وطنية" لاحقة, ويبنى عليها...!! ولا يبنى على الأصل, وكذلك الحال فإن معيار الفعل السياسي والتقرير في المسائل الوطنية, هو أحد أهم المعايير التي تحاكم عليها الكيانات السياسية الفلسطينية.

     في هذا السياق, هل نملك الشجاعة والجرأة الوطنية في تحديد المسؤوليات دون أن تزلّ كلماتنا إلى ضرب الوطنية عند كل كيان فلسطيني؟

مسؤولية التنظيم الفلسطيني "فتح"

على قاعدة المعايير السابقة، فإن المسؤولية الذاتية عن تشكّل هذا الواقع المأزوم, بعد التأكّيد على مسؤولية العامل الموضوعي "الاستراتيجيات الأمريكية  الاسرائيلية المعادية" تقع المسؤولية الأولى والمباشرة على التنظيم الفلسطيني المقرّر والأكبر حضوراً ونفوذاً فلسطينياً وعربياً ودولياً, التنظيم الذي أخذ على عاتقه مسؤولية قيادة (م.ت.ف) والشعب الفلسطيني, ومن ثم الهيمنة  التنظيمية والسياسية والمالية على (م.ت.ف)؛ فحركة فتح على مدار أكثر من نصف قرن وهي تقود الشعب الفلسطيني, منها سبعة عشر عاماً في الكفاح المسلّح كمظهر رئيسي يكتنفها مناورات سياسية, وسبعة وعشرون عاماً في حضن اتفاق أوسلو, وكل الاتفاقات السياسية اللاحقة.

    إن حركة فتح تتحمّل المسؤولية بشكل أساسي ومباشر عن القصور الذاتي, وعن تشكّل الواقع الراهن, ارتباطاً برؤيتها المبكرة للدور المركزي للعامل الموضوعي "السياسة الدولية وتحولات القوّة" على حساب عنصر الإرادة الفاعلة في جدار القوّة والمواجهة, وكان من نتيجة ذلك أن ألزمت نفسها بخيار "الحلول السياسية"، والذي يحتاج إلى تنازلات متدرّجة كي تكون مقبولة أمام خيار الحلول السياسية, فكان فاتحة باب الحلول ما سمي بالنقاط العشرة, والحل المرحلي, ومن تداعياته المتوالية خطوة وراء خطوة وصولاً إلى اتفاق أوسلو المشؤوم, وعليه فهي مسؤولة عن كسر الميثاق الوطني الفتحاوي الأصل دون أن تلغيه رسمياً, بيد أنه انتهك عملياً منذ بدأ ماراثون الحلول السياسية, ولم يعد له دور في الثقافة الفتحاوية الداخلية.

   إن معيار الوطنية السياسية, هو مدى تمسّك الحركة بمنطلقاتها الفتحاوية, أو بمنطلقات (م.ت.ف) المتمثلة بالميثاق الوطني, فقد رضخت الحركة للضغوطات السياسية الخارجية من القوى الدولية التي أغرتها بإمكانية الحصول على تسويات مقبولة تكون نتيجتها رحيل الاحتلال..! فكان من نتيجة ذلك أن تحول الميثاق الوطني إلى "كادوك"، والكفاح المسلح تحول إلى "عنف وإرهاب"، لا بد من إدانته تصريحاً وعملاً.

   وبالإشارة إلى التحوّل الجوهري لرؤية ومنهج حركة فتح من المنطلقات الوطنية والثورية إلى التأسيس لمرجعيات سياسية "برامج سياسية وقرارات الإجماع الفلسطيني، يستدعي الأمر إلى تناول بعض مواد النظام الداخلي لحركة فتح, ومدى ابتعادها عنه بالجوهر؛ فالنظام الأساسي لحركة فتح يتحدّث في مادته السادسة، بأن "المشاريع والاتفاقات والقرارات الصادرة عن هيئة الأمم المتحدة أو أيّة مجموعة من الدول أو دولة منفردة بشأن قضية فلسطين وتهدّد حق الشعب الفلسطيني في وطنه باطلة ومرفوضة...".

    وفي المادة (12) حول الأهداف يرد النص التالي "تحرير فلسطين تحريراً كاملاً وتصفية الكيان الصهيوني اقتصادياً وسياسياً وعسكرياً وثقافياً...".

    وفي المادة (13) يرد النص التالي " إقامة دولة فلسطينية ديمقراطية مستقلّة  ذات سيادة على كامل التراب الفلسطيني...إلخ...".

    وفي المادّة (19) يرد النص التالي عن أسلوب العمل "الكفاح المسلح استراتيجية وليس تكتيك, والثورة المسلحة للشعب العربي الفلسطيني عامل حاسم في معركة التحرير وتصفية الوجود الصهيوني, ولن يتوقف هذا الكفاح إلا بالقضاء على الكيان الصهيوني وتحرير فلسطين...".

    وفي المادة (22) يرد النص التالي " مقاومة كل الحلول السياسية المطروحة كبديل عن تصفية الكيان الصهيوني المحتل في فلسطين, وكل المشاريع الرامية إلى تصفية القضية الفلسطينية أو تدويلها أو الوصاية على شعبها من أي جهة...".

    إن أي قراءة فاحصة لمواد النظام الأساسي الداخلي لحركة فتح, ومقاربتها مع قراءة أخرى موضوعية لرؤية الحركة وسياساتها ومرجعياتها السياسية الفلسطينية قبل وبعد أوسلو, لا يمكن إلا أن تقود إلى استخلاص بأنّ هذا النظام الأساسي للحركة لم يعد له وجود, وأنّ هناك انقلاباً جوهرياً على هذا النظام كمبادئ وأهداف ووسائل عمل. فمن تصفية الكيان والتحرير الكامل إلى الاعتراف بشرعية الكيان على (78%) من  فلسطين..! ومن الكفاح المسلح كاستراتيجية وليس تكتيك، إلى اعتماد الحلول السياسية والمفاوضات طريقاً وحيداً, والتنسيق الأمني أمراً مقدّس..! ومن اعتبار قرارات الأمم المتحدة والقرارات الدولية بأنها باطلة ومرفوضة ما دامت تضرّ بالقضية الفلسطينية, إلى اعتمادها على المرجعية الأمريكية الحليف الاستراتيجي لإسرائيل، معتمدة عليها في تحقيق "هدف" الدولة الفلسطينية..!

    وقد يقول البعض الفتحاوي أن هذا الانقلاب هو جوهر التكتيك السياسي، وأن الإصرار على ذات المنطلقات الأولى ليس إلا لغة خشبية، لا تصلح للمرحلة التي نعيش... بيد أن اتفاق أوسلو, ونتائجه الكارثية, والاعتراف بالكيان دون أخذ أي مطلب فلسطيني, لا يمكن أن يصنّف في مصاف التكتيك بقدر ما يصنّف بقبول الهزيمة واستحقاقاتها، كما لا يمكن أن يستمر التكتيك بذات المضمون أكثر من ربع قرن دون أن تتمظهر نتائجه الإيجابية لصالح الشعب الفلسطيني, بينما بدت مضارّه أخيراً في صفقة القرن, وسياسات الضم والإلحاق وزيادة الاستيطان...الخ.

    ومع ذلك فإن السلطة الفلسطينية وعمودها السياسي الفقري الحركة الفتحاوية, لم يتبين لها "الجدب السياسي"، الذي ألحقه "التكتيك القاتل" بالحالة الفلسطينية, ولم تتوصل إلى أن هذا "التكتيك" ودوره في صناعة الإحباط الفلسطيني قد انتهى دوره, وبالضرورة العودة إلى المرجعية الوطنية الأصيلة, وتغيير التكتيك الذي لا ينتهك الاستراتيجية والحقوق التاريخية للشعب الفلسطيني.

    أما على صعيد الفعل السياسي كمعيار  لحدود المسؤوليات, فإن حركة فتح تتحمّل القسط الأساسي والمسؤولية الأولى عن هذه التداعيات, كونها هي من دخل  "سباق ماراثون التسويات"، مرة التحاقاً بالأنظمة العربية خوفاً من تجاوزها, ومرّة بتبلور قناعات بعضاً من قياداتها بخط التسويات, ومرّة بدافعية الخوف من ظهور بديل فلسطيني في الأرض المحتلة يتجاوز (م.ت.ف)، كما حصل بتهميش وتجاوز الوفد  الفلسطيني الذي فاوض في مدريد، وتجاهل وجوده لاحقاً. والمسؤولية تطالها حين فاوضت الاسرائيلي في السر والغرف المظلمة في النرويج دون علم (م.ت.ف) ودون علم قيادات أساسية في فتح, ومن ثم الوصول  إلى اتفاق مشؤوم وناقص وظالم ولا يؤسس إلى حق فلسطيني كما أشيع, أو كما توهّم الموقعون. ولا تنحصر المسؤولية في مبدأ المفاوضة السرّية بعيداً عن أعين الشعب الفلسطيني, إنما المسؤولية تقع على الحركة في مضمون الاتفاق الظالم, وتجاوزه أو تأجيله لعناوين أساسية كالحدود و القدس وحق العودة والاستيطان, والتي بمجملها حتى اليوم بعد 27 عاماً لم تصل السلطة الفلسطينية إلى اتفاق بشأنها..!

    ولا تتوقف حدود المسؤولية عند هذه النقطة أو المأزق, إنما تبدو واضحة حين تصرّ السلطة الفلسطينية بالالتزام باتفاق أوسلو, دون أن يلتزم به العدو الإسرائيلي, ودون أي أفق للوصول إلى حلول والقبول قسراً بالواقع المأزوم.

ومن المفارقات أن الحركة الفتحاوية في مرحلة الوهم, ومرحلة تبلور المصالح والامتيازات, تحوّلت إلى ملحق للسلطة الفلسطينية تعيش على أوهام الاتفاقيات المتلاحقة؛ "واي بلانتيشن وشرم الشيح وقبلها غزة - أريحا"، ومؤتمرات لا تغني ولا تسمن من جوع، كأنبولس ومؤتمر فرنسا... إلخ، ساهمت في إشغال الرأي العام الفلسطيني ورفع سقف التوقعات من كل اتفاق أو موقف سياسي تقدم عليه السلطة الفلسطينية.

   كما تتحمل الحركة الفتحاوية المسؤولية حين أصبحت صنو السلطة الفلسطينية, تستحوذ وتتمثّل في وزاراتها, ومؤسساتها ورؤساء بلدياتها وكافة المراكز السياسية والإدارية... ومن المفارقات السياسية أيضاً, أن السلطة الفلسطينية والحركة الفتحاوية لجأت إلى تسييج نفسها بالفصائل الصغيرة التي لا وزن لها لتشكّل معها ميزان قوى داخل اللجنة التنفيذية والمجلسين الوطني والمركزي؛ كي تكون قادرة على أخذ القرار السياسي الخاص بها ضمن رؤيتها ومنهجها السياسي، في حين أن الفصائل الأساسية التي كانت عنوان (م.ت.ف) يجري العمل على تهميشها وتجاوزها، وبهذا المعنى فهي قوة طاردة للفصائل الأساسية الوازنة، وفي نفس اللحظة جاذبة للفصائل الصغيرة أو المستنسخة.

     هذه ليست كل المعطيات السياسية التي في ضوئها تتحمل فتح المسؤولية الوطنية من مآل المسار السياسي الذي أفضى إلى أزمة بنيوية وطنية, إنما هناك من المعطيات والمسارات المتنوعة التي لا مجال لتناولها في هذا المقال.

    إن تحميل المسؤولية لحركة فتح من باب تصحيح  النهج والرؤية والمسار السياسي, لا يمكن أن يلغي تجربة فصيل أساسي وقائد قدّم خلالها خيرة قياداته شهداء وأسرى ومناضلين.

     إن حدود المسؤولية هو أيضاً مسار سياسي لا يمكن تتبعه بسهولة بقدر الوقوف عن كثب عند أهم مفاصله, بيد أن هذه المسؤولية لا تتوقف عند حركة فتح, إنما تطال اليسار الفلسطيني ممثّلاً بفصائله المتعددّة.