نحو عالم إنساني خالي من الحروب والأوجاع والأمراض والفقر والخوف. كل الأديان التوحيدية مجدت كرامة الإنسان ودعت إلى سعادته ورفاهيته.
نحو عالم إنساني وسلم أهلي وقوانين وتشريعات وعلاقات دولية قائمة على العدل والمساواة، ومبنية على قانون دولي وشرعة حقوق إنسان تعلي المواطنة في عالم بلا جدران وبلا استغلال.
نحو إصلاح سياسي وديني للأديان يقطع الطريق على العنصرية والطائفية والمذهبية، ومحاولات الاستخدام والتوظيف الخاطئ للدين أو تسييسه.
كرامة الإنسان وحريته رسالة كل المؤمنين في هذا العالم بعض النظر عن معتقداتهم وأفكارهم وأيديولوجيتهم.
العلم والتكنولوجية يجب أن يوظف لإسعاد ورفاهية الإنسان، ومن أجل تطوير وتنمية مستدامة للمجتمعات والشعوب.
لا للرسمألية المتوحشة والرأسمال الجشع، وأذرعها الاحتكارية الربحية من صندوق النقد إلى البنك الدولي.. نحو عالم متعاون خالي من الاستغلال والظلم والاحتلالات.
الكورونا رب ضارة نافعة*
أياً يكن لون وطعم ولغة الكورونا، وكيف تسلل إلى حجراتنا، وكيف خطف أعمار الكثير في العالم، فالمسلّم به أنه كائن ووباء قاتل إذا استطاع الإطاحة بمن ينازله بشكل مباغت وغير متكافئ. أيضاً المسلّم به أنه يستهدف الجميع، خاصة ممن لا يمتلكون الشجاعة والقوة والمناعة اللازمة لمواجهته.
كورونا هذا الزمن، ولإنصافه ليس عنصري حتى الآن، وهو فوق الأديان والأيديولوجيات،ولم يفرق طبقياً واجتماعياً بين الفقراء والأغنياء، وإن كان ينجح أكثر بالفتك بأجساد الفقراء والدول الفقيرة، وهو ليس موجهاً حتى الآن لمجموعة بشرية دون أخرى، ولا يميز بين طائفة ومذهب؛ فهو سادي يحمل الموت لمن يضعف ويذعر ويهزم أمامه، هو يستهدف الكائنات البشرية جمعاء. يستهدف الإنسان وحياته، والعالم الذي يقف على ظهر سفينة واحدة، وبالتالي فهو يهدد الجميع، وعلى الجميع أن يتصرف بمسئولية كالجسد والمصير الواحد والخلاص المشترك.
كيف سنتصرف بإرادة جماعية لتنجو السفينة البشرية بما حملت وتحمل؟ كيف نمنع غرق السفينة العالمية، ونقلل الخسائر وضحايا هذا الوباء الفتاك؟ أسئلة تطال الجميع، وخاصة من هم بموقع القيادة والقدرة والقرار. هنا تكمن المسئولية الأخلاقية والإنسانية للكبار ومدى كفاءتهم قبل الصغار، الأغنياء قبل الفقراء، لسكان الشمال قبل الجنوب؛ فرصة تاريخية من قبل قادة العالم وسادته! لمنع تقويض العالم وتدارك فوضى خلاقة لن تستثني أحداً، حتى لو كان للبعض مآرب ومصالح جراء ما يجري.
ربما يحتاج مواجهة وباء الكورونا الوقت اللازم لقطع الطريق على تداعياته ومفاعيله القريبة والبعيدة، لكن تبقى المهمة العاجلة عالمياً وذات الأولوية: كيف نسد نوافذنا وأبوابنا في وجهه القبيح؟ وما هي إجراءات التحصين الخاصة لمنع تسلله؟ وكيف نقوي مناعة عقولنا، وأجسادنا، وهزيمته بالنقاط التراكمية، إذا لم نستطع هزيمته بالضرب القاضية؟
يتم ذلك من خلال تعزيز الشعور الإنساني العام والخاص، من خلال الوعي الصحي والطبي والبيئي والاهتمام بالإعلام والثقافة ومبتكرات العلم والتكنولوجيا؛ لتوليد جبهة مواطنة عالمية شاملة ضد هذا الخطر العالمي، الذي يقف على الأبواب ولا يستثني أو يستأذن أحد (ما حدا على رأسه ريشه).
من فضائل هذا الموت الجاثي على صدر العالم أنه يهدد الجميع ويبتزهم ولا يقبل التفاوض والمساومة مع أحد، رغم كل ذلك ومآسيه، فإنه أسس لبروز قيم وتصورات ومفاهيم جديدة لأنفسنا، وللعالم، وللإنسانية جمعاء.. فلا فكاك لكم ولأحد دون أخيك وجارك وأبناء جلدتك ووطنك، بل عالمك قاطبة.
هذا الموت الذي يتقدم حتى الآن واثق الخطى، ليس أمام الإنسان، إلا تحصين ذاته ومراكمة التجارب والخبرات والاكتشافات والعلاجات التي ربما قد يطول أمدها ووضعها في خدمة الإنسان والبشرية جمعاء، وذلك لقسم ظهر وعمر هذا الوباء ومخاطره المحتملة والقادمة. هذا الوباء الجارف والمتكبر والمتعجرف والمتنمر لسوء حظه أنه لم يميز بين كائن اجتماعي وأخر وبين خلية حية وأخرى.. وبموته وقتله لمن أصابهم حتى الآن لم يميز بين ألوان ومعتقدات البشر، بين جنس أبيض وأسود، وبين أشقر وأصفر، وأخضر وأحمر، بين مسلم سني وشيعي، وبين مسيحي ويهودي، وبوذي وبين رأسمالي واشتراكي، وشيوعي وعلماني وملحد. لقد طرح شعاراً عالمياً موحداً لمواجهته ومن أجل هزيمته والقضاء عليه.
ربما لم يأتِ هذا الموت من الشرق، لكن كل تراكمات الماضي أسست لظهوره ولسطوته، ولربما أيدي وأخطاء بيولوجية وسياسات أسرعت في طفرته، ولربما بسبب انتهاك المناخ والتلوث البيئي، وتأثير الحروب وانتشار الأوبئة والسموم، والتجارب النووية، والنفايات السامة، ولا يمكن إعفاء الاحتلالات و الرأسمالية المتوحشة وأذرعها الاحتكارية الربحية من صندوق النقد والبنك الدولي من كل ذلك، إلى الشركات والتجارب الطبية والدوائية التي تهدف إلى الربح دون أية مسئولية، حتى لو كان جشعهم وربحهم على حساب الإنسان وصحته ورفاهيته.
عوامل كثيرة سيكشفها المستقبل والقادم من الأيام، وربما من الأجيال القادمة التي ستبقى على قيد الحياة، والتي ستحلل وتبحث وتفسر ماذا جرى؟ وما هي أسباب هذا الموت المحقق رغم أن أوبئة وفيروسات شهدها العالم سابقاً لكنها لم تثر هذا الرعب الذي أحدثه وباء الكورونا؟
لربما عالم جديد سيرتسم، وأقطاب دوليه متعددة ستظهر وتحالفات واصطفافات متعددة تتكون، من رحم الأزمة العالمية التي نشهدها، والتي ستطال الاقتصاد والسياسة والقانون والعلاقات الدولية.
دروس وعبر وتصورات واستخلاصات سيتركها هذا الوباء، من أكفان ودخان وغبار وسموم وأحزان وفقر، من قبل هذا الطاعون القاتل؛ منها على سبيل المثال ما يكثفه سؤال: ما هي تصوراتنا للعالم القادم والمنشود الذي يعلي قيمة الإنسان وكرامته؟
النظرة إلى الدين، كون كافة الأديان التوحيدية والأيديولوجيات جاءت ونادت بكرامة الإنسان، والإصلاح السياسي والديني المطلوب لمنع إساءة استغلال واستخدام الدين ومحاولات تسييسه، ودور الفرد والمجتمعات في استخدام و تعزيز دور الإعلام والثقافة والعلم والتكنولوجية في خدمة الإنسان وصولاً لعالم إنساني بلا جدران، والمعايير والمنظومة الدولية والديمقراطية والقانونية التي سوف تحمي حياة وحقوق الإنسان بمعزل عن لونه وأصله ومعتقداته، ودور المجتمع المحلي ومنظمات المجتمع المدني في الأزمات والحروب، وكيف نشجع ثقافة التطوع والمبادرة والتكافل ومؤسسة وشرعنة ذلك بالقوانين، ومساعدة الدولة للقيام بمهامها على أكمل وجه؛ فهشاشة الدول وخصخصتها وتبعيتها وتفشي الفساد في مؤسساتها وفقدانها لسيادتها الوطنية كانت البيئة الخصبة للأوبئة، من فقر وأمراض متعددة.
سيفرز الواقع والمستقبل الكثير من الإيجابيات من مرارة الأزمات والأوجاع والأحزان، ويبقى السؤال الذي يطرق جدران العقول والقلوب والأرواح متى سينتهي طاعون الكورونا؟ متى سيتوقف الموت؟ هل من تقديرات وتوقعات زمنية لتلاشيه واندحاره؟
الجواب حتى الآن.. لا.. لكن الأكيد أن تعافينا وتحصين ذواتنا ومنعتها الصحية وتوحد إرادة العالم لمواجهته هو المقرر والمحدد لعالم إنساني جديد وبلا جدران.

