"زهرة البستان"، ذلك المقهى المشهور، الواقع في وسط القاهرة، خلف مقهى "ريش" العريق العتيق، إنه المقهى الذي يملكه رجل من "الصعيد"، وزبائنه الأوائل كانوا عمال تراحيل وموظفين صغار، لكنه فجأة وجد نفسه على موعد مع التاريخ والقدر، فقد اختاره المثقفون مجلسًا لهم، بعد أن بدأت قطعان الصهاينة تفِدُ إلى "ريش"، بعد توقيع "كامب ديفيد" بين "السادات وبيجين" في محاولة من جانبهم لاختراق جماعات المثقفين، وجاءت فكرة اختيار "زهرة البستان" ليكون المقر الجامع للشعراء والروائيين والمناضلين.
ازدهر مقهى "زهرة البستان"، باعتباره مقهى "المقاومة والرفض الكامل للتطبيع مع إسرائيل"، ورأيت بعين رأسي الراحل المناضل إبراهيم منصور والشاعر الراحل أحمد فؤاد نجم وكل المبدعين الكبار يجلسون في هذا المقهى كل يوم ثلاثاء من كل أسبوع.
تحوّل المقهى إلى دار "الاستقلال" التي اختارها المثقفون بديلًا عن كل الدُّور التي ترفع راية الثقافة، وعندما مات الكاتب النوبي "إبراهيم فهمي" أقيم سرادق عزاء في المقهى ذاته، لهذا الحدّ، تحول المقهى الصغير إلى "بيت عائلة" كبر برواده المفكرين والمبدعين.
ظل الحال هكذا إلى أن جاءت سنوات التسعينيات من القرن الماضي، فتحول المقهى إلى مقر لبيع الأفكار والتعاقد على التحوّل من موقع التصدي والمقاومة إلى موقع التسليم والمساومة.
***
بدأت قطعان "العولمة" الأمريكية تستهدف المقهى، وبدأ المثقفون الحالمون بالعيش الرغيد يتساقطون واحدًا تلو الآخر، ولم يبقَ إلا الصامدون الأوفياء للمعنى والرمز، وبقى "السماسرة" في المقهى يواصلون عمليات البيع والشراء. وياللمصادفة، جاء رجل "قهوجي" صعيدي، ليحل محل الصاحب الأصلى للمقهى، وأضاف لافتة جديدة "ملتقى الأدباء والفنانين"، في الوقت الذي خلا فيه المقهى من المعنى، وأصبح رواده شبان يطيلون شعورهم ويصنعون منها ضفائر، ويتحدثون عن الجنس و"كتابة الجسد"! هذه هى سيرة مقهى "زهرة البستان"، المعنى والمبنى.
أما "زهرة البستان" روايتي المنشورة منذ عشر سنوات، فهى محاولة لفهم ما حدث في العشرين عامًا العجاف التي سبقت كتابتها، فقد تبدل كل شيء حولنا، وتبدلت الأدوار والأفكار، كنا في زمن مضى نتحدث عن "ثقافة مصرية"، فأصبحنا نتحدث عن الجسد باعتباره الحقيقة الوحيدة في العالم، وأصبح "دكاترة النقد" ينظّرون لهذا الأمر وينفقون الوقت في سبيل ترسيخ هذه النظريات العولمية الأمريكية، الهادفة إلى توحيد العالم ليصبح سوقًا كبيرةً، تُضَخّ فيها الأفكار الاستعمارية، وتأتي منها الثروات الطبيعية لتمتلئ بنوك نيويورك، وتدور مصانع السلاح، فتحمل السفن الدبابات والقنابل الذكية إلى العراق وفلسطين، بعد أن قبض الأمريكي أثمانها من بترول العرب!
وتحوّل العرب الجدد إلى كائنات تستهلك كل ما هو أمريكي، بخنوع وخضوع وتسليم، حتى الثقافات الوطنية، بيعت، وتم محو كل أدوات حمايتها، ونشطت مؤسسة "فورد" إحدى مؤسسات صناعة الأفكار واستقطاب العملاء، التابعة للمخابرات الأمريكية، في مجال شراء "الفولكلور" وتحويله إلى سلعة تباع على أقراص مدمجة للراغبين في معرفة شعوب الجنوب والشعوب التي تركب الجمال وتشرب لبن النُّوق، وتقهر المرأة وتحوّلها إلى "جارية" لا هم لها سوى التزّين والتفنن في إمتاع الرجل العربي!
هذه هى صورتنا الراسخة في أذهان الغرب، منذ أن كانت إنجلترا وفرنسا وإيطاليا وإسبانيا والبرتغال قوى استعمارية تحتل آسيا وأفريقيا، وبعد ظهور "العولمة"، وجد أذناب "فوكوياما" والعاملون في مؤسسة "فورد" من يقبل القيام بدور "المثقف المباع" أو "القرد أبو صديري" المشهور في تراثنا الشعبي.
وقد نشر الدكتور كمال المنوفي -الأستاذ بجامعة المنوفية- ترجمة لكتاب مهم، احتوى على أسس "العولمة الاستعمارية"، تحت عنوان "عالم منفلت" لمؤلف إنجليزي هو "أنتوني جيدنر"، ومن بين هذه الأسس: إلغاء الأخلاق القديمة وإباحة التزاوج بين "الشواذ" حتى تتحقق متعة الجنس من دون إنجاب، لأن القوى التى تحكم العالم لا ترغب في مواليد جدد، لأنهم يشكلون عبئًا ماديًا جديدًا، يحتاجون إلى أموال تنفق على تعليمهم ورعايتهم صحيًا، وعلى المرافق. إذن فلتذهب العلاقة الزوجية القديمة إلى الجحيم، حتى لا يضاف بشر جدد إلى العالم.. إنها أبشع صور الاستغلال الرأسمالي التي لا تعرف أن الإنسان مكرَّم في كل الأديان، وأنه هو مركز هذا العالم وأنه من حقه أن يعيش معززًا مكرمًا.
هذه هى القاعدة الأولى من قواعد العولمة التى هرول إليها "مثقفون" وباعوا أنفسهم في سبيلها. هذه هى العولمة التي بشر بها "ميلان كونديرا" إلى جانب "فوكوياما" صاحب مقولة "نهاية التاريخ"، وهو نفسه الذي تراجع عنها وقال إنه أخطأ في بناء نظرية تؤبد القهر والاستغلال، لكن مثقفي العالم الثالث ظلوا لها عاكفين، بعد أن تخلوا عن أفكار المقاومة والاستقلال والتحرر من قيود التخلف الذي صنعه الاستعمار القديم والجديد!
***
بعد أن تدفقت أموال "العولمة" وأبدع الوكلاء والسماسرة في دول الوطن العربي في القيام بدورهم بدأت مقولة خبيثة تسري بين "الأدباء" الجدد، مفادها أنه لم يعد هناك وجود للمقولات الكبرى الهادفة إلى تغيير العالم، وردّدها "نقاد" باعوا عقولهم بثمن رخيص، ولم يبدعوا شيئًا ذا قيمة عليمة، فأصبحوا كالمنبّت الذي لا ظهرًا أبقى ولا أرضًا قطع، هؤلاء النقاد احتلوا كل المنافذ الثقافية، وهيمنوا على كل لجان تحكيم الجوائز، وصدروا عددًا من الكُتّاب المساكين الراغبين في ترجمة أعمالهم المتواضعة إلى الإنجليزية والفرنسية، والسفر إلى باريس ونيويورك ولندن، حتى تتحقق لهم المكانة الاجتماعية في قراهم وأحيائهم العشوائية الفقيرة والمحرومة من كل شيء. غسلوا أدمغة الأدباء الشبان، وأقنعوهم بأن الأديب "الجاهل" خير عند المترجم من الأديب الواعي بهموم أهله وناسه وبلاده، ووضعوا لهم "أجندة" مضمونة النتائج: اكتبوا عن القهر الجنسي الذي تعرضتم له في طفولتكم البائسة، اكتبوا عن بيئاتكم الفقيرة حكايات مسلية تطرب قارئ المترو في باريس ولندن، ولا تعتبروا إسرائيل عدوا، لأنها واحة الديمقراطية في محيطكم العربي الجاهل، اكتبوا ونحن سنترجم هذه الأعمال، وسنأخذكم إلى مدينة الجن والملائكة فتسكروا وتراقصوا الفتيات وتنسوا أمهاتكم اللاتي أرضعنكم، وتعودوا تسبحوا بحمد الحضارة الغربية وتكونوا خير وكلاء لها، ومن لم يمت بالسجن في بلاد العرب، مات بالإغراء و"الدولار".
وتجيشت جيوش النقاد والأدباء للقضاء على ذكرى يحيى حقى وعبد الحكيم قاسم ويحيى الطاهر عبدالله وأمل دنقل ونجيب سرور وعبد الوهاب الأسواني، ومطاردة كل أديب يقول "أنا مصري"، كل أديب يحاول أن يفضح هؤلاء الجهلة الخونة، فوجدتني أكتب "عقد الحَزُّون" روايتي الأولى، ومن بعدها "العباية السودا"، "كحل حجر"، "أوراق الجارح"، "ورطة الأفندي"، "26 أبريل"، ثم "زهرة البستان"، واكتب مجموعتين قصصيتين هما "درب النصارى" و"غرب النيل"، وكلها أعمال مصرية اللحم والدم والعظم، تقوم على النهل من التراث الشعبي المصري في منطقة جنوب الصعيد، كلها أعمال مهمومة بمستقبل أهل البلاد، أعمال لا تضع نصب عيونها ذائقة المترجم، أو ذائقة "الناقد المعولم المأجور بالدولار واليورو"، كلها أعمال حاولت فيها أن أواصل ما بدأه الأدباء الرواد الذين تعلمت منهم معنى أن تكون أديبًا وأن تكون مصريًا، وأن تكون منحازًا لقوى العقل والعلم والتقدم، وأن تكون وفيًا لهذا البلد، لا باحثًا عن "الدولار" وجائزة لا تشرف صاحبها.
***
وأخيرًا.. لقد جفت منابع المال في المراكز الثقافية الأجنبية، ودخل العالم مرحلة ركود اقتصادي وأزمة مالية قد تطول لسنوات، وهذا يعني أن الشعوب الفقيرة مطالبة بتحمل خطايا الأمريكان، الذين أوقعوا العالم في هذه الأزمة، ويعني أيضًا أن ما سعى إليه جيش "المخابرات الأمريكية" لم يتحقق، لأن الشعوب قاومت كل محاولات محو هوياتها الوطنية والثقافية، ومن هنا.. فإن "الأدب" الذي صنعته "أموال" العولمة لن يبقى. وإن الأدباء مطالبون بأن يعودوا إلى صفوف شعوبهم، وأن لا ينشغلوا بترجمة أعمالهم إلى الإنجليزية والفرنسية، قبل أن يتواصلوا مع شعوبهم.
لقد حاز نجيب محفوظ احترام النخب المثقفة في العالم وكذلك يوسف إدريس ويحيى الطاهر عبد الله، دون أن ينشغل أحدهم بموضوع كتابة الجسد أو قضية "الختان" أو غير ذلك من "الأفكار" التي ألقاها نقاد زمن العولمة وتلقفها الأدباء الجدد.
إنه من الأشرف والأكرم للأديب المصري أن يتمسك بأصالته وثقافته الوطنية بدلًا من الانشغال بالجوائز والترجمات وغيرها من الأشياء الرخيصة، فالأديب إما أن يكون أديبًا حقيقيًا منحازًا إلى هموم أهله وأحلام وطنه، وإما أن يبيع نفسه فيقبل القيام بدور "الترزي الأدبي" الذي يفصّل الروايات على هوى "الزبون" أو السائح الغربي الذي لا يريد منا غير أن نوفر له جوّ التسلية وتقديم "النمر المضحكة"، ويكره منا أن نكون واعين بهمومنا وأحلامنا، ويحب لنا أن نكون مجرد "قرد بصديري" يرقص على هوى "القرداتي" وبعد ذلك يجمع الواقفون "القروش" ليضعوها في "الطار" المزّين بالشخاليل!

