Menu

تأملات طبقية في وداع مبارك

رامي منير

نُشر هذا المقال في العدد 12 من مجلة الهدف الرقمية

"كلما كان المستبد حريصًا على العسف، احتاج إلى زيادة جيش المتمجدين، العاملين له والمحافظين عليه، واحتاج إلى الدقة في اتخاذهم من أسفل السافلين الذين لا أثر عندهم لدين أو وجدان، واحتاج لحفظ النسبة بينهم في المراتب بالطريقة المعكوسة، وهو أن يكون أسفلهم طباعًا أعلاهم وظيفةً وقربًا".

طبائع الاستبداد، عبدالرحمن الكواكبي.

كتبت هذه الكلمات بعد متابعة المهرجان الفلكلوري الذي دشنته مصر الرسمية تأبينًا للرئيس المخلوع محمد حسني مبارك، وفي الواقع لم أندهش أبدًا وأنا ألاحق بيانات النعي من الرئاسة ومجلس الوزراء والأزهر والكنيسة والنخب المصرية الفنية والرياضية حتى الثقافية، ثم الجنازة الرسمية "معتادًا مارش" خلف نعش تحمله مركبة عسكرية مع 21 طلقة تحية لروح رجل خلف ورائه إرثًا هائلًا من التبعية والفقر، فهكذا يحيي المتواطؤون على إهدار كرامة وتجويع الشعب المصري صك عمالتهم وفعاليتهم للتحالف الطبقي القائم المعادي للفقراء المصريين ومن ثم للقوى الإمبريالية التي ترعى التحالف وتمده بأسباب البقاء منذ العام 1974، وأحيانًا تلجأ إلى استبدال الأداة (الرأس) فيما تبقى الحوامل الاجتماعية والسياسية نفسها تنتج للمصريين هذه الشخصيات الشائنة.

فكِر طبقيًا.. تفهم

اعتدت على تقييم الأشخاص طبقيًا، حال عرفت أين تقف سأفهم من أنت، كل يدافع عن شيء ما يمتلكه، والفقراء وهم أغلبية الشعب المصري لا يملكون سوى الحلم العام والنزاهة الشخصية، البرجوازيون لا يهتمون كثيرًا بتلك التفاصيل، أحيانًا الأموال تستطيع غسيل السمعة أو تحاول على الأقل، مثلًا نشرت جرائد مصرية خبرًا عن معلّم في محافظة الشرقية ألقى بنفسه من الطابق الخامس حزنًا على مبارك، هذا شخص يتقاضي شهريًا أقل من مائة دولار (المعلمون في مصر من أقل الفئات دخلًا) وينتحر حبًا في مبارك، بالطبع الخبر قد يكون كاذب لأن أى مدرس في مصر لديه من الأسباب المادية الكثير للانتحار وليس من بينها وفاة مبارك أو أيًا من النخبة الحاكمة، لكن رؤساء تحرير الصحف يعرفون أن الرجل مات ولن يستطيع النفي، ويدركون -وهذا ما يهمه وليس آداب المهنة على الإطلاق- أن موقعهم الطبقى الحالي وسط نعيم الملتحقين بالسلطة يقوم بالأساس على تنفيذ الأوامر القاضية بإكرام الميت إعلاميًا بسبب ضغوط خليجية وبسبب طبيعة التحالف الطبقى الحاكم، قبل أن تشرع الآلة الإعلامية ذاتها في الهجوم على نجليه بأوامر جديدة في إطار صراعات الطبقة التي لم تحسم بشكل نهائي منذ 2011، مثلما حدث قبل أشهر، ورد نجل مبارك الأكبر علاء، على موقع التواصل الاجتماعي "تويتر" بنشر وثيقة مسيئة لرئيس تحرير تحت اسمه الحركي في جهاز "الأمن الوطني": "أبو لمونة". ربما لو تابع المعلّم المنتحر حسابات السياسيين على "تويتر" لوجد بها بعض الضحك المجاني والتعزية عن واقعه البائس الذي يدفعه للاكتئاب والانتحار، ولا يعطي هؤلاء الجرأة لكي يتاجروا بموته إرضاء لأهل الحكم بعدما تنكروا له حيًا لإدراكهم أن طبيعة وجودهم في النظام الطبقى المسيطر تتطلب من واحد منهم أن يصير مثل لاعب سيرك، يتحرك بخفة، ويقفز من هنا إلى هناك كما يطلب السيد القابع خلف الستار.

موقعك في الطبقة يحتم عليك ماذا تقول وماذا تفعل، وللتذكرة فقط، حتى حكومة عصام شرف التي وصلت للسلطة محمولة على أكتاف الثوار بعد 2011، كان من ضمن قراراتها الأولى إقرار قانون تجريم الإضراب والاعتصام، لأنه يمكن للجماهير أن تطيح الرئيس من منصبه، لكنها أبدا -ليس مسموحًا لها- لن توقف عجلة الرأسمالية عن الدوران ليربح التحالف الطبقي الحاكم.

اغتيال تحالف عبدالناصر الطبقى

أسس الزعيم جمال عبد الناصر تحالفًا طبقيًا ينحاز إلى الفقراء وقضايا التحرر العربي والعالمي، بدأت إرهاصاته في العدوان الثلاثي العام 1956 باستدعاء الشيوعيين إلى ميادين القتال برعاية من "الصاغ الأحمر" خالد محيي الدين، تبعته فترة شقاق أسفرت، في واحدة من أشد تجلياتها، عن اعتقال أكثر من ألفي كادر ماركسي في ليلة رأس السنة من العام  1959 (أحدهم قبض عليه من حفل عرسه، كان يجلس بجوار عروسه). في أوائل الستينيات ستعود الأمور إلى نصابها الصحيح بالتحالف مجددًا بين النظام الناصري والقوى الشيوعية المصرية على أساس الميثاق الوطني والتحول إلى ما أسماه "الزعيم" الاشتراكية العربية، وبدأت عملية بناء وجدان شعبي طبقية بالتوازي مع تشييد المصانع وتسارع عملية الإنتاج، حتى أن الراحل صلاح جاهين ترك العنان لمخيلته وتمنى أن "نبني أوبرا على الترعة!"، بوراثة السادات منصب عبد الناصر انهار كل شيء، لا استطعنا استكمال تحديث الريف كما نتمنى ولا حافظنا على انسياب المياه في الترع والمصارف، وبعد نصر أكتوبر 1973 تحققت نبوءة سيد حجاب عن الرئيس المؤمن "يا خوفي يوم النصر.. ترجع سينا وتضيع مصر".

واجه مشروع السادات في خيانة قضايا الشعب المصري والأمة العربية ردة فعل شعبية شرسة عمادها الأساسي قوى اليسار بجناحيه القومي الناصري والشيوعي الماركسي، وعلى إثر موجات احتجاج اتخذت نمط تصاعدي وصولًا إلى انتفاضة الخبز في العام 1977 لجأ السادات إلى سياسة خبيثة أحيا من خلالها "الوحش الإسلاموي" الذي سرعان ما انقلب على راعيه في حادث المنصة الشهير، دفع السادات ثمن انحيازاته وكان القربان دمه في مشهد أعاد ذكرى إعدام أمين عثمان في الأربعينيات على يد تنظيم من ضمن أعضائه السادات ومحمد إبراهيم كامل وزير الخارجية الأسبق المستقيل احتجاجًا على توقيع اتفاقية كامب ديفيد (على الهامش: في ظل التحالف الطبقي الجديد الذي أسسه السادات نفسه تعيد كاتبة عجوز ومغمورة التذكير والتفخيم بأمين عثمان الذي عدّ الاحتلال البريطاني لمصر "زواج كاثوليكي").

نهب وتجويع وتبعية

في رواية الصحافي صلاح عيسى والمفكر ميلاد حنا لوقائع القتل البطئ بحق وزير الري المصري الأسبق عبد العظيم أبو العطا أثناء الهجمة الأمنية التي نظمها السادات في نهايات عصره المعروفة إعلاميًا بـ"اعتقالات سبتمبر" بسبب ما أدعى أنه "الحفاظ على الوحدة الوطنية من الفتنة الطائفية"، لكن السبب الرئيس كان ترسيخ قيم التحالف الطبقي الجديد وأهمها الاستسلام لإسرائيل، تبدو النية السلطوية جلية في "تأديب المعارضين" حتى لو وصل الأمر إلى الموت داخل الزنزانة، كان السادات وصل إلى مرحلة متقدمة من تضخم الذات حد اعتقال كل من يعارضه وضمنهم رموز من كل التيارات السياسية، محمد حسنين هيكل وفؤاد سراج الدين ومحمد عبد السلام الزيات، إسماعيل صبري عبدالله، نوال السعداوي، حمدين صباحي، علي نويجي. كل الطيف السياسي شيوخًا وشبابًا جمعتهم زنازين الرئيس المؤمن.

مبارك بدأ عصره بالإفراج عن كل هؤلاء، ولم يكتفِ بذلك بل استقبلهم في القصر الرئاسي، وفي خطابه الأول تعهد بالاستمرار فترتين رئاسيتين فقط "لأن الكفن مالوش جيوب" حسب وصفه (ما العلاقة بين الكفن والرئاسة؟ الفساد والثراء غير المشروع وهو ما حدث في حالة مبارك وبرعايته)، يمكن فهم توجهات مبارك التي ستظل حاضرة في كل عصره بتأمل حادثة اغتيال سليمان خاطر داخل زنزانته (سليمان جندي مصري أطلق النار على إسرائليين انتهكوا الحدود المصرية أثناء نوبة حراسته في سيناء في منتصف الثمانينيات)، لقد نفذ مبارك التعليمات الصهيونية كاملة، ليس بحكم قضائي يقضي بإعدام الشاب المصري المقاوم خوفًا من ردة فعل الشعب الذي خرجت طلائعه في الجامعات تهتف بحرية سليمان والموت لإسرائيل، بل بإعدامه غيلة داخل زنزانته وتصوير الأمر على أنه انتحار. استمر مبارك طوال فترة حكمه في انتهاج السياسة نفسها، الانبطاح أمام القوى الإمبريالية وخدمتها بشكل كامل، التدخل في حرب الخليج، القضاء على القطاع العام، فتح الأبواب المصرية أمام التوغل الصهيوني السياسي والاقتصادي (فشل ثقافيًا آنذاك، لكنه يكتسب أرضًا جديدة في الوقت الراهن برعاية السيسي)، محاربة الأفكار التحررية عبر صحف ومثقفين خضعوا لذهب المعز، لأنه في الواقع لم يكن مبارك في حاجة إلى استخدام السيف سوى في حالات قليلة ضد جماعة الإخوان في قضية "سلسبيل" منتصف التسعينيات أو ضد اليسار في اعتصام "الحديد والصلب" في نهايات الثمانينيات.

طبع الاستقرار -كما تروج طبقة الرئيس المخلوع- حكم مبارك، استقرار عني في الواقع تجويع المصريين وتركيع أحلامهم، واستسلام مطلق لإسرائيل، وزير خارجية مبارك (الأمين العام الحالى للشيء الهزلي المسمى بالجامعة العربية) أحمد أبو الغيط صرح بأن قوات الأمن "ستكسر قدم" من يدخل الحدود المصرية من الفلسطينيين، وكان ذلك في وقت يحاصر نظام مبارك قطاع غزة دون رحمة، ربما لهذا السبب ينعيه رئيس وزراء العدو الصهيوني بوصفه "صديقه". لم يرفض مبارك الإملاءات الامريكية إلا لما تعلق الأمر بمطالبات الديمقراطية وزيادة هامش الحرية المتاح في الفضاء الرسمي المصري، امتنع عن "حجته" السنوية إلى رعاته في البيت الأبيض، وبدا أن الأمور تسير على غير ما يتمنى، أيقن الأمريكيون أن الأيام المقبلة لن يكون مبارك عنوانها.

حافظ مبارك على التحالف الطبقى الذي أسسه السادات، القائم على معاداة الفقراء والتنكر لقوى التحرر العربي والعالمي، واستخدم مثقفون في تسويق قيم الانبطاح والذل وضرب الوجدان المقاوم للمصريين، بالتوازي جرت عملية إفقار منظمة للشعب حمل رايتها رئيس الوزراء الأسبق عاطف عبيد منذ أن كان وزيرًا لقطاع الأعمال واتخذ قرار تصفية القطاع العام الموروث من النظام الناصري، وجد المواطن المصري نفسه أمام وضع شبيه بما كتبه أمل دنقل "صدرنا يلمسه السيف وفي الظهر الجدار"، فكانت سنوات التسعينيات وبالًا على المصريين الذين هربوا إلى محاولات عيش كريم عبر العمل في الخليج والتخلي عن القضايا العامة لصالح الهموم الخاصة.

استحكمت الأزمة المعيشية في بدايات الألفية الثالثة، مع تصاعد مساعي توريث الحكم لنجل الرئيس الأصغر جمال، وتلك كانت القشة التي قصمت ظهر حكمه وأدت في النهاية إلى الإجهاز على ثلاثين عامًا من التبعية والإفقار، وصلت فيها نسبة الأمية الإبجدية إلى نحو ربع الشعب (25%) وتحول "فيروس سي" إلى مرض مستوطن في البلاد، وغير ذلك من ارتفاع مروع في نسب البطالة والعنوسة والفقر والعوز.

"بقرة ضاحكة" في قصر الرئاسة

لا شيء مهم في التقارير المتاحة عن طباع مبارك، سوى أنه كان "خفيف الظل" و"لا يحب الثقافة ولا المثقفين" وتنكر لعائلته الريفية البسيطة، ومثل السادات تزوج من امرأة نصف مصرية نصف إنجليزية، ولعبت السيدتان أدوارًا مهمة على مستوى السياسة الرسمية عكس المتعارف عليه داخل الدولة المصرية، وكانت لهما "كوتة" من الوزراء وصحفيون يتحدثون باسميهما في الإعلام الرسمي للدولة، وعلى نسق السادات مضى مبارك بسياسات تخدم التحالف الطبقى الجديد، لكن بصورة أقل صدامية بسبب طبيعة مبارك في الواقع، كان كله أمله أن يصير سفيرًا في انجلترا "بلد الإكسلانسات" حسب تعبيره، وتمحور كل همه في محاولة تدجين الإسلاميين وتصديرهم للغرب كفزاعة تحول دون أمن إسرائيل ومصالح أميركا في المنطقة. وصار له "جيتو" من المثقفين المستفدين أو المغفلين يهتف باِسمه ويغني مع الجوقة "اخترناه"، ويجهر بمحبة الصهيوينة والرأسمالية بوجهها الأمريكي البشع، وصارت كل الرؤى وجهات نظر، حتى الخيانة صارت تقدم كتحليل أو موقف مغاير أو تفكير خارج الصندوق! ولو وصفت أحدهم بأن ما يردده خيانة للمواقف العربية ستواجه فورًا بسيل من البذاءات والاتهامات بأنك "ماضوي" وتعيش "خارج التاريخ" أو حتى قد توصم بـ"متخلف عن العصر"، عصر سيادة أموال النفط الإقليمي و"الكمبرادور المحلي" والعولمة الكونية، ولن تكون "عصري" و"متطور"، في رأيهم البائس، إلا بالاستسلام ورفع الراية البيضاء والهتاف مع جوقة عملاء الإمبريالية في بلاد العرب، لكن بعد كل ذلك: هل ماتت المقاومة في مصر؟ الإجابة بالفم الملآن: هيهات، مقاومة مصر العربية لن تموت أبدًا.