في إطار تسطيح النقاش وتسخيفه حول مُشاركة عرب الـ48 في الانتخابات للبرلمان الصهيونيّ (الكنيست) من عدمها، يقوم البعض الكثير من الفلسطينيين، الذي كُتِبَ عليهم حمل جواز السفر الإسرائيليّ للبقاء في وطنهم وموطنهم، بشنّ هجومٍ لاذعٍ وسافرٍ، يصل حدَّ التخوين أحيانًا، ضدّ الفئة التي لا يُستخّف بها، كمًّا وقيمةً من أبناء شعبنا التي تُقاطِع الانتخابات من مُنطلقاتٍ مبدئيّةٍ-عقائديّةٍ، لأنّها ترى في المُشاركة نوعًا خطيرًا من إضفاء الشرعيّة على الكيان الصهيونيّ، الذي أُقيم على أرض الشعب العربيّ-الفلسطينيّ في نكبة العام 1948 في أخطر جريمةٍ عرفتها البشريّة جمعاء، أوْ بكلماتٍ أخرى الانخراط في التسليم بالمشروع الإمبرياليّ-الرجعيّ- الصهيونيّ، الذي أقام كيان الاحتلال قبل 72 عامًا، وما زال هذا الثلاثي الدنِّس يعمل كلّ ما في وسعه من أجل حماية الأمن القوميّ لإسرائيل، بصفتها ذنب الأفعى، ورأس حربة الإمبرياليّة، وسيِّدة أسياد الرجعيّة العربيّة، علمًا أنّ أمريكا هي رأس الأفعى، كما علّمنا حكيم الثورة، الراحِل-الحاضِر، د. جورج حبش .
للأسف الشديد، فإنّ الحملة الشرِسة ضدّ مَنْ يُقاطِع انتخابات كنيست الكيان الأخيرة، كما في سابقاتها، كانت مُمولّةً من تنظيماتٍ يهوديّةٍ-أمريكيّةٍ وأخرى مُتغطيّةً بالوطنيّة، باعتبار الأخيرة الملاذ الأخير للأنذال، وهكذا من حيث ندري أوْ لا ندري، دخل الطابور السادس الثقافيّ، الذي يقوده عزمي بشارة، من إمارة قطر ، الواقِعة في قاعدة (العيديد) العسكريّة-الأمريكيّة، دخل على الخّط من أجل رفع نسبة التصويت بين فلسطينيي الداخل، ونجحت هذه الحملة بإخراج عرب الـ48 من بيوتهم بهدف الـ"مُشاركة في العملية الديمقراطيّة"، وتمكّنت القائمة المُشتركة (وهذا هو اسمها وليس القائمة العربيّة المُشتركة!) من الحصول على 15 مقعدًا في الانتخابات الأخيرة التي جرت في الثاني من آذار (مارس) 2020، والأنكى من ذلك، أنّ كُتّاب البلاط، أوْ أولئك الذين باعوا أقلامهم وضمائرهم من أجل المال المنهوب من الشعوب، باشروا بالترويج للإنجاز الـ"تاريخيّ" للمُشتركة، أيْ أنّ وصول 15 نائبًا عربيًا من الفلسطينيين للبرلمان الصهيونيّ بات "إنجازًا" تاريخيًا، علمًا أنّهم، أيْ المُنتخَيسن، وقبل أنْ يُصبحوا أعضاء كنيست يقومون بحلف يمين الولاء للكيان الذي شردّ شعبهم، وسرق الأرض، وفتت الحجر وانتهك العرض، وما زال يقترِف الجرائم التي يندى لها الجبين ضدّ الأمّة العربيّة على نحوٍ عامٍّ، وضدّ الشعب الفلسطينيّ على نحوٍ خاصٍّ، وعوضًا عن المُطالبة بمُحاكمة قادة إسرائيل على جرائمهم في محكمة العدل الدوليّة في لاهاي، نقوم نحن أبناء الشعب العربيّ الفلسطينيّ بمنحهم الشرعيّة، وهذا يتطابق إلى حدٍّ ما مع مقولة الشهيد البطل غسّان كنفاني، الذي أرسى مقولته المأثورة: "في الوقت الذي كان يُناضِل فيه بعض الناس، ويتفرج بعضٌ آخر، كان هنالك بعض أخير يقوم بدور الخائن".
وللأسف الشديد فإنّ حملة الترهيب والتخويف التي قادتها القائمة (المُشتركة) وجيشها الإعلاميّ، بما في ذلك فضائيّة (الميادين)، التي اعتقدنا أنّها تتمترس في محور المُقاومة والمُمانعة فقط، حملة الترهيب شدّدّت على أنّ عدم التصويت، أيْ المُقاطعة، هو عمليًا منح الصوت لنتنياهو، ونحن، قال لسان حالهم وما زال، نُريد أنْ نُقصي هذا العنصريّ ومنعه من العودة إلى سُدّة الحكم مرّةً أخرى، بكلماتٍ أخرى، فإنّ هذه الدعاية الخبيثة منحت غريم رئيس الوزراء الإسرائيليّ، الجنرال في الاحتياط بجيش الاحتلال، بيني غانتس، صكّ البراءة والغفران، وبات هذا العسكريّ الصهيونيّ بمثابة حامي حُماة الأمّة والشعب، وهو الذي قاد حملة (الجرف الصامِد) ضدّ قطاع غزّة في صيف العام 2014 وبـ"فضله" ارتقى الآلاف من الفلسطينيين، من أطفالٍ ونساءٍ ومدنيين عُزّلٍ في إحدى الجرائم الصهيونيّة البشِعة ضدّ شعبنا، ولم تتوقّف (المُشتركة) عند هذا الحدّ من التنازل في سبيل الانخراط بالحياة السياسيّة بالكيان والتأثير على مجريات الأمور، بل قام جميع أعضاء (المُشتركة)، خلال لقاء وفدها مع رئيس الكيان، روؤفين ريفلين، بالتوصية على المُجرِم غانتس لتشكيل الحكومة، أيْ أنّ الضحيّة تمنح الجلّاد هديةً على جرائمه التي اقترفها، ولكي نضع النقاط على الحروف: بدلاً من أنْ نعمل على محاكمته كما يجِب، نُعطيه فرصةً لتشكيل حكومةً في كيانٍ قام على أنقاض شعبنا، وهذا الموقف، لا يختلِف البتّة، عن موقف سلطة أوسلو-ستان، التي تقوم أيضًا بالتنسيق أمنيًا مع الاحتلال.
وفي هذا السياق لا نُبرّئ حركة المُقاومة الإسلاميّة (حماس) بالمرّة، فهي الأخرى تتعاون بشكلٍ أوْ بآخر مع الاحتلال، هنا يجب أنْ نُبقي الجناح العسكريّ للحركة بعيدًا عن المُستوى السياسيّ، ذلك أنّ قادة حماس السياسيين كانوا وما زالوا ووفق كلّ المؤشِّرات والدلائل والقرائن سيبقون في فلك حركة (الإخوان المُسلِمون)، التي لم تنفَّك يومًا عن التآمر على وحدة الأمّة العربيّة، وهي عمليًا بأفكارها وعلاقاتها الدوليّة، مع قطر، تركيًا والولايات المُتحدّة الأمريكيّة، تُعتبر وبصدقٍ كبيرٍ خنجرًا في خاصرة الأمّتين العربيّة والإسلاميّة. نعم أهلنا في قطاع غزّة يذوقون الأمرّين من الحصار الذي تفرضه الدولة العبريّة، بمُساعدة مصر السيسي وقبله مرسي، على قطاع غزّة، ولكن الدور القطريّ والتركيّ على حدٍّ سواء يُثير الكثير من الأسئلة والتشكيك في إستراتيجيّة (حماس)، وبالتالي علينا أنْ نسأل عن البدائل: لماذا لا توجد دولاً أخرى في الوطن العربيّ على استعدادٍ لتقديم المُساعدات للفلسطينيين المُحاصرين في قطاع غزّة؟ وهل دور قطر كان ليتِّم دون الضوء الأخضر الأمريكيّ-الإسرائيليّ والذي يهدِف أولاً وأخيرًا إلى ترسيخ الخلاف الداخليّ، الذي بعد مرور أكثر من عقدٍ من الزمن أصبح مُبتذلاً، لارتباط أكبر فصليْن اثنيْن، فتح وحماس، بأجنداتٍ خارجيّةٍ مصلحتها تكمن في تقسيم العرب إلى عربيْن للمُحافظة على الدولة العبريّة؟!
من نوافل القول، إنّ النقاش حول المُشاركة بالانتخابات الإسرائيليّة أوْ مُقاطعتها، يجب أنْ يكون عقائديًا وليس ديماغوغيًا ورخيصًا، يجب أنْ يتركّز حول مشروعية التصويت لجزءٍ من شعبٍ في مرحلة تحررٍ وطنيٍّ، ولذا فإنّ التُرّهات والخُزعبلات بأنّ مُقاطعة الانتخابات تُعيد اليمين إلى السلطة هي بمثابة ذر للرماد في العيون ومُحاولة بائسة ويائسة للطعن في وطنيّة كلّ مَنْ يُقاطِع الانتخابات.
لا نُنكِر بأنّ نتنياهو هو من أشّد غلاة المتطرِّفين والعنصريين، ولكن مُنافسه غانتس لا يقِّل خطورةً وعنصريّةً عنه، ووظيفتنا في الداخل الفلسطينيّ العمل على إقامة برلمانٍ عربيٍّ والتوجّه نحو المجتمع العصاميّ، وليس التأسرل، وربمّا الكلمة الصحيحة هي الصهينة، وتأكيد المؤكَّد: لا يوجد في الكيان ما يُسّمى بالـ"يسار الصهيونيّ"، ذلك أنّ اليسار لا يُمكِن أنْ يتعايش مع حركةٍ عنصريّةٍ وفاشيّةٍ، قامت على إقصاء الآخر وما زالت.
وختامًا، لا بُدّ من تعقيبٍ على موقف حزب "التجمع الوطنيّ الديمقراطيّ"، الذي رفض في انتخابات أيلول (سبتمبر) الماضي التوصية على قاتِل شعبنا غانتس بتشكيل الحكومة، والآن "لبس قبعه ولحق ربعه" كما يقول مثلنا العربيّ الشعبيّ: ولكي أكون صادِقًا مع نفسي ومع الآخرين أجِد من المُناسِب أنْ أُقِّر بأنني قبل فترةٍ طويلةٍ كنت عضوًا في هذا الحزب، لذا أستعين بالرفيق محمد زيدان، الرئيس السابق لجمعية حقوق الإنسان والتي كان مقرّها في الناصرة لتفسير المُفسِّر وتوضيح المُوضَّح فيما يتعلّق بحزب "التجمع"، وهذا ما نشره الرفيق زيدان على صفحته في (الفيسبوك) والاقتباس يتِّم بمُوافقته: "التجمع، بالتوصية للمحتفِل بقتل شعبنا، يسقط أكثر وأكثر، يغوص عميقًا في وحل المشروع السياسيّ المرسوم للفلسطينيين في الداخل: مشروع الاندماج من نافذة وهم التأثير، ووهم الإنجازات الباهظة الثمن، مُضيفًا في الوقت عينه إنّ المشروع المدعوم ماليًا وسياسيًا من يهود أمريكا، لحماية الدولة اليهوديّة وترسيخها، عبر البوابة الليبراليّة و"مساواة الأقليّات ودمجهم"، لافِتًا إلى أنّه إذا كانت المشاركة باللعبة خطأً، فالتوصية عارٌ وجريمة بحقّ مَنْ اعتقدوا بالتجمع "تمثيلاً للحركة الوطنية". وتابع زيدان قائلاً: رباعية القيادة (قيادة المُشتركة) صارت ترقص على نفس المعزوفة، وتكاد تنعدم الفروقات في سقفها المشترك، وتنتج توصية بالإجماع لمجرم الحرب، بل لحزب يقوده ثلاثة من مجرمي الحرب ضد شعبنا. وخلُص زيدان إلى القول: للواقعية، التي تدّعون لها بسقوطكم لنا أنْ نسأل: كيف يمكن لهبة يزبك، أنْ تُصوِّت وتُوصي هي وحزبها، لمن دعا لشطبها وشطب حزبها، قبل أسابيع قليلة، يومها قالت للعنصرين: "نلتقي بعد الانتخابات"، للأسف يومها صدَّق الناس تهديدها وصوتوا، خاطِبوا قواعدكم، وابحثوا عن حجّةٍ أقوى من مجرد الاحتفال المبكر "بالتخلص من الفاسد العنصريّ"، خاطِبوا عقولهم بما هو أكثر من مجرد الحديث عن "قبول رأي الأغلبية"، لأنّ وعودكم قبل الانتخابات، ما زالت بالذاكرة.

