Menu

شيء من الفكر هذا اليوم...حول عالم ما بعد الكورونا بين "ثروة الأمم"... وثورة الأمم

محمد صالح التومي - المعروفي

خاص بوابة الهدف

هناك أوضاع... استجدّت مع تفشي جائحة الكورونا عالميًا؛ لأنها جائحة مست أسس الحياة المادية والمعنوية والروحية للبشر على اختلاف ثقافاتهم... فوحّدهم الخوف الذي انزرع في أرجاء الأرض... وماذا هذا الخوف...المستجدّ من كائن مجهري لا يعرف أحد إلى الآن يقينًا أمصدره الطبيعة أم تلاعبُ أشرار الناس بمكوناتها...؟  

هذا الكائن الذي لا يرى حتى بالعين المجردة أجبر البشر على الانعزال أفرادًا وصيّر مدنهم الزاهرة والمبهرة مدن أشباح ودفعهم هنا أو هناك إلى نزع قشور التمدن وإلى التزاحم -تلبية لغريزة حب البقاء و ببدائية أحيانا - على مواد الغذاء بمساحات التجارة بنيّة الاستئثار بها وتخزينها بالجحور التي لا يمكن رؤيتها؛ إلّا هكذا في مثل هذه الحالة حتى لو كانت من طراز القصور.

وأمام فشل منوال الحياة الاقتصادي والاجتماعي الذي فرضته "اليد الخفية" للسوق، كما أسماها آدم سميث في كتابه "ثروة الأمم"، حيث إن هذا المنوال الذي أوغل في تمجيد الفردانية والربح وحطم بمنهجية لئيمة كل تآزر وتعاون بين البشر، وقف عاجزًا تمامًا وبصورة بيّنة عن احتواء آثار الجائحة بعد أن خصخص كل شيء وقضى على كل ما هو عمومي وشرّع أبواب الثراء الفاحش لكمشة ضئيلة من الأفراد أصبحت تسمى الأوليغارشيا أو الطغمة المالية العالمية تجمعت بين أيديها - في عملية عبثية وسريالية - ثروات الكون بكل أصنافها...

قلنا إنه أمام هذا الفشل هناك سؤال أصبح مطروحًا بجدية وهذا السؤال... ما هو البديل؟ وما العمل لتحقيقه؟ وإنه لسؤال مطروح بإلحاح... فعلاً، ولكن لعله من المفهوم بداهة أن الجواب عليه ليس سهلاً، وأن الواجب يقتضي فقط على كل معني بالأمر - وفي هذه الظروف - أن يقدم ملامح اجتهاده، عسى أن تتكوّن من ال قطر ات الجداول.

عندما نقول إن الجواب ليس سهلاً؛ فذلك لوعينا ضرورةً بأن القوى المناهضة للعولمة النيوليبرالية ما زالت تتخبط في اكتشاف طريقها الجديد منذ فشل التجربة الاشتراكية والاجتماعية للقرن العشرين التي كان يمثلها الاتحاد السوفييتي سليل ثورة أكتوبر 1917 وامتداداته في الأرض؛ وهي التجربة التي لم يبقَ من روحها غير النموذج الكوبي وإشعاعاته في المنطقة البوليفارية، أو بعض الاجتهادات في الدول الاسكندنافية أو في آيسلندا أو في البرتغال... كما في بعض الترسبات ذات الطابع الثقافي فقط بالصين أو بروسيا الاتحادية، والتي شهدناها كلها وهي تحاول معالجة آثار الجائحة على مستوى بلدانها أو على مستوى دولي بأساليب أخرى غير الأساليب المتبعة أمريكيا وبالمراكز النيوليبرالية الحليفة لأمريكا.

إن ما يزيد في عدم سهولة الجواب هو الوعي أيضًا بأن الطبقة العاملة كطبقة كانت منظمة في المصانع والمعامل، ما أتاح لها إتقان تحركاتها النقابية والحزبية، وجعل التعويل عليها في القضاء على النظام الفرداني ضرورة تاريخية، قد تناقص دورها في هذا السبيل- دون الاضمحلال- بفعل ما أدخلته الرأسمالية على تطور القوى المنتجة من تغييرات توسلاً بالثورة التكنولوجية الجبارة التي بدّلت المعطيات وكانت أنتجتها الثورة الصناعية، فذلك ما تجسم بالخصوص في إدخال الروبوتية مكان الجهد العضلي للعامل، كما تجسم في الاعتماد المتزايد على الذكاء الاصطناعي، وبالتالي على الكفاءات في سيرورات الإنتاج، وهو ما أدى إلى أن تبرز إلى جانب الطبقة العاملة قوي اجتماعية جديدة تشترك معها في الغضب على ما هو قائم، ولكنها تفتقر إلى المؤسسات التنظيمية التي تمتلكها تلك الطبقة العاملة، وهذه القوى هي قوى المهمشين والمحرومين، وأولئك الذين تم التخلص منهم أو يُراد لهم بصفاقة رأسمالية أن يكونوا زائدين عن الحاجة (وهذا مفهوم يتجاوز جيش البطالة الاحتياطي)... كالمطرودين تعسفيًا والمتقاعدين في الأوان أو قبل الأوان؛ فهؤلاء هم الذين رأيناهم يتحركون في مظاهرات "السترات الصفراء" مثلاً بباريس، وهي إحدى مراكز رأس المال، ولكن بدون بوصلة قيادية حقيقية؛ أو رأيناهم في كافة التحركات الاجتماعية العفوية بالهوامش والأطراف الرأسمالية، أكان ذلك بالأقطار العربية أو بأمريكا الجنوبية... تلك التحركات الناتجة عن وطأة الخصخصة والإصلاحات الهيكلية التي تفرضها الأوليغارشيا المالية العالمية وأذنابها، وهي تحركات يسهل اختراقها بالتمويل المشبوه وبالشعارات المغشوشة والمدسوسة؛ كونها لا تملك عدا غضبها رؤية متكاملة وموحدة وبرنامجًا نافذًا.

وهكذا فإنه يمكن القول إن البشرية ما زالت تتلمس الطريق نحو إيجاد أنجع السبل لمقاومة فظاعات رأس المال التي يسلطها على الإنسان وعلى الطبيعة وعلى توازنات الحياة بخبث منقطع النظير وبأشكال متحوّلة ومدروسة ومتجددة طبقا لحاجياته ...فهذا ما يدفع إلى التفكير بجدية في نوعية التحالفات الطبقية الجديدة في المدن والأرياف، مع فهم كامل للدور الذي يجب أن يلعبه العالم الزراعي في هذا النطاق؛ لأنه عالم وقع تهميشه قصدًا وتغييب دوره وتوظيفه توظيفًا مبتذلاً في ماكينة الربح الرأسمالي الذي تمجّده الطبقة الحضرية أو البورجوازية التي شكّلها بالمدن التجار والصناعيون والصيارفة، والتي تزدري عالم الإنتاج الزراعي ولا تتعامل معه إلا بقدر ما يدر عليها من أرباح؛ عبر التهجين وتغيير الموازنات الجينية الحيوانية والنباتية لإدخالها في المسالك التجارية والمصرفية.

إن هذه التحالفات الاجتماعية الجديدة يجب أن تقع بكل البلدان حسب متطلبات أوضاعها؛ لأنه لا نجاح لها بدون ذلك، ولكنها ستدعو أيضًا إلى ضرورة قيام تنسيق أممي جدي، فرأس المال قوة عالمية ولا يمكن قهره بدون تنسيق أممي، مثلما قيل هذا من قَبلُ من طرف بعض المفكرين.

إن الحركات الطامحة بالفكر وبالممارسة إلى تغيير جدي وجذري للأوضاع القائمة التي انبني عليها العالم منذ قيام النظام الفرداني، وخاصة منذ نجاح الثورة المسماة بورجوازية سنة 1789 بفرنسا، لا يمكن لها بلوغ أهدافها وتعديل بوصلة الحياة الإنسانية اعترافًا بضرورة البعد الاجتماعي في الحياة الإنسانية؛ إلا بعملية خلق فكرية وتنظيمية جديدة تواكب - بهدف نقضها -  كل الأنساق المتسارعة التي يفرضها التنظيم الليبرالي عبر تحولاته وتواؤماته بخبث، وفي كل مرة مع متطلبات الواقع ومستجداته التي له باع في خلقها؛ إما بفعل مباشر منه أو في نطاق رد فعله على الجهود الساعية إلى نقضه وتغييره. وحتى لا نطيل الكلام، فإنه يمكننا القول إن المساعي الجدية لتغيير هذا المنوال الفرداني المهيمن حاليًا، والذي ابتذل إنسانية الإنسان من خلال بناء نمط حياته على استغلال أخيه الإنسان، كما من خلال الهيمنة على مقدرات الشعوب والإضرار بالطبيعة لا يمكن لها ( أي هذه المساعي) أن تحقق ذاتها إلا بشرطين متلازمين :

أولهما: إمكانية قراءة الواقع قراءة علمية صحيحة تستفيد من تجارب التغيير السابقة عبر تاريخ الإنسان، ولكنها لا تحنطها في قوالب جامدة ودوغمائية، وهنا لا بد من الاعتراف بوضوح بأن هذا بالضبط، ما تفتقر إليه الحركات البديلة على أيامنا هذه... وهو ما يوجب عليها مضاعفة الجهود في ميدان التحقيق ودراسة الواقع واستيعاب مستجداته المتسارعة دفاعًا عن إنسانية الإنسان، كما دفاعًا عن تناسق قوانين الطبيعة، وعن تواصل الحياة فوق كوكب الأرض، فذاك ما يطرح بإلحاح إنجاز ثورة قيمية تستند إلى الرصيد البشري السابق في هذا المجال... ولكنها تُحيّنه وتبنيه على أسس علمية كي تدفع بمغامرة الإنسان في الوجود إلى الأمام وتقطع لديه نوازع كراهية الآخر فردًا كان أو شعبًا والتعالي عليه وممارسة الاحتقار أو العنصرية تجاهه، أي ما يوجب تمجيد المحبة والتآخي والتعاون بين الإنسان وأخيه الإنسان، وبين مختلف الشعوب والأمم وبناء الحياة البشرية على هذا الأساس، الذي طالما انبعثت من قبل بوادره فوأدتها في كل مرة ترسبات التوحش التي جسّمها التنظيم الطبقي للاجتماع الإنساني.

وثانيهما: إمكانية إيجاد الأشكال التنظيمية التي تطور الرصيد السابق في المقاومات ضد المظالم الطبقية والهيمنات، ولكنها تعطيه أرقى أسباب الفاعلية والنجاعة، وذلك بجعله يتجاوز تشتت أشكاله الحالية، حيث نراه اليوم يحارب هذا الشكل من المظالم أو الآخر في عالم الشغل أو في قضايا المرأة أو في قضايا البيئة أو في الهيمنة على مقدرات الشعوب... في حين أن المطلوب هو صهر المقاومات في بوتقة شاملة وجامعة، وهذا الشرط الثاني لا يتم؛ إلا في تناغم مع الشرط الأول، ألا وهو شرط الثورة القيمية المرتجاة، والتي من الواجب أن تفضي إلى بناء منوال اقتصادي واجتماعي جديد.

ومن رأيي أن البشرية في مراكز رأس المال وفي الهوامش والأطراف، والأمر لا يتعلق بهذا البلد أو الآخر، ما زالت تتلمس طريقها نحو هذا الطريق الجديد، ولا ندري بدقة أين ستكون نقطة الاختراق التاريخية في جدار العولمة النيوليبرالية، ولكنها ستكون حتمًا في مكان ما ترتسم وتتجمع فيه كل مظالمها؛ فتخرجنا عندئذ... ثورة الأمم... من رواسب التوحش المزروع زرعًا في البنيان الناتج عن "ثروة الأمم" ... وعن تدخل "اليد الخفية" للسوق كما تخليها... آدم سميث... وإننا على أيامنا هذه لشهود على المخاضات العنيفة، وعلى التخبطات في هذا السبيل...

فمن واجب كل الصادقين أن يدلوا بدلوهم فكرًا وممارسة في هذا النطاق.      

فلنقم جميعًا بواجبنا... وإنه لفرض عين.