Menu

صفقة القرن ومستقبل ترامب السياسي في ظل تداعيات أزمة الكورونا

محمّد جبر الريفي

خاص بوابة الهدف

شكل تفشي فيروس كورونا السريع في دول العالم بعد ظهوره في بلد المنشأ مدينة ووهان في الصين، مجموعة متجانسة من المظاهر حول كيفية مواجهة هذا الخطر، كوباء قاتل مدمر للجنس البشري وللنشاط الاقتصادي؛ ومن هذه المظاهر التي اتضحت أمام الرأي العام الدولي الذي بدأ يتابع أحوال الدول في الدفاع عن نفسها هي ضعف دول النظام الرأسمالي العالمي الكبرى على التصدي لخطر تفشي الأوبئة الفيروسية، على الرغم من تقدمها العلمي والتكنولوجي الذي أحرزته في مجالات صناعية عديدة أخرى، خاصة في مجال عسكرة الإنتاج للدفاع ضد الأخطار الخارجية.

لقد كشفت أزمة الكورونا في مجال البحث عن أكثر دول العالم تضررًا؛ أن الولايات المتحدة الأمريكية تأتي في الطليعة، وهو ما يجعلها محل إلصاق تهمة الضعف والعجز، كونها تحتل في الخريطة السياسية العالمية موقع القطب الأعظم، الذي يقود النظام الرأسمالي العالمي، حيث اتضح عدم مقدرتها على محاصرة الفيروس، والحد من تفشيه؛ الأمر الذي ما زال يوقع خسائر فادحة بشريًا واقتصاديًا بها، حيث تعد في صدارة الدول الغربية في تسجيل عدد الإصابات والوفيات، وكذلك ما حصل فيها من شل في النشاط الاقتصادي ومن انهيار غير مألوف في أسعار النفط الأمريكي، إضافة إلى ذلك ما سببته الأزمة من إلحاق الضرر الكبير في مستوى أداء الرئيس الأمريكي ترامب؛ باتهامه بالاستخفاف والفشل في إدارة الأزمة، مما سينعكس ذلك مستقبلاً على فرصة إعادة نجاحه في الانتخابات الأمريكية القادمة كرئيس لفترة قادمة. وحال حصل ذلك، ستكون أزمة كورونا قد حققت واحدًا من المتغيرات النوعية التي ستكون لصالح السلم والأمن العالميين، وهو تراجع الدور السياسي والدبلوماسي الأمريكي في قدرته على القيام بمسؤولية حل الصراعات الإقليمية والدولية؛ كالقضية الفلسطينية، وكذلك اتضاح شخصية الرئيس ترامب القيادية وعدم جدارته في تبوأ هذا الموقع الرئاسي، في دولة عظمى كالولايات المتحدة الأمريكية.

أما تأثير ذلك على القضية الفلسطينية، فسيكون هذا المتغير لصالحها، باعتبارها قضية تحرر وطني بالدرجة الأولى، وليست مجرد قضية سياسية أو إنسانية، محصورة فقط في مسألة مشاريع التسوية المطروحة، حيث مع فشل إعادة ترامب المتوقع في الانتخابات القادمة، ومع تراجع النفوذ الأمريكي حتى على حلفاء واشنطن؛ كالاتحاد الاوروبي في قضايا الشرق الأوسط، الذي يعتبرها هذا القطب الدولي الأقرب جغرافيًا إلى دوله.. ومع حدوث ذلك ستتلاشى فرص تطبيق صفقة القرن التصفوية الأمريكية التي صاغ بنودها كل من كوشنر اليهودي صهر الرئيس الأمريكي ترامب، ومستشاره لشؤون المفاوضات غرينبلات، والتي تحقق للكيان الصهيوني كل مطالبه حسب الرواية اليهودية، مما قد يعمل ذلك إلى عودة الاهتمام مرة أخرى بالقضية الفلسطينية، وإعادة الاعتبار للقرارات الأممية التي أنصفت الشعب الفلسطيني بجزء من حقوقه وأهدافه الوطنية، لكن الطريق لتحقيق ذلك أو الوصول إليه ليس ممهدًا، بل يحتاج إلى جهد وعناء وتضحيات ونضال دؤوب ومستمر؛ نضال وطني وشعبي ودبلوماسي متعدد الأشكال والأوجه والاتجاهات، خاصة في وقت يشهد فيه الكيان الصهيوني العنصري محاولة تشكيل أوسع جبهة يمينية في تاريخه السياسي بعد حرب حزيران 67 باسم حكومة الوحدة الوطنية (الطوارئ)، بالتبادل في رئاستها بين نتنياهو عن الليكود، وجانتس عن حزب أزرق أبيض، والتي ستشرع فور إعلانها رسميًا بممارسة سياسة التوسع والضم للأراضي الفلسطينية المخصصة لما يعرف ب"الدولة الفلسطينية حسب ما يسمى بحل الدولتين"، وبذلك على ما يبدو، سيحتدم الجدل من جديد في الساحة الفلسطينية والعربية، بين رافعي شعار الحل المرحلي تمشيًا مع تيار الواقعية السياسية، وبين الحل الاستراتيجي الذي أكد عليه الميثاق القومي بعروبة فلسطين وحق أهلها العرب في استعادتها، والتأكيد على أن حق السيادة على فلسطين مقتصر على العرب وحدهم، وهو الموقف الوطني والقومي الصحيح، الذي يجب إعادة الاعتبار ل، ضد أصحاب الميل الجارف من بعض أطراف النظام السياسي العربي الرسمي التي تقوم بممارسة إجراءات التطبيع المجانية، ومن بعض شرائح البرجوازية الفلسطينية إلى التوصل إلى أي تسوية سياسية للقضية الفلسطينية، وذلك للتخلص أولاً: من أعبائها التي طالت بالنظر إليها كقضية مزمنة معقدة؛ وثانيًا: شعورًا منهم بعدم القدرة على مواجهة سياسة التعنت الإسرائيلي التي تعتمد على نصوص من الميثولوجيا الدينية الخرافية مشكوك في صحتها، لكنها تعتبر من أهم معطيات الفكر السياسي الصهيوني المغرق بالرجعية والتخلف.