لقد احتارت الرأسمالية، ماذا تفعل لتعيد الثقة بنظامها بعد أزمة 2008، بعد انهيار العقارات والبورصة والقطاعات الانتاجية، وتفاقم الأوضاع الاجتماعية والصحية في مقابل تصاعد وتيرة الاحتجاجات والرفض العمالي ضد سياساتها الاقتصادية والمالية، وبشكل غير مسبوق منذ انهيار الاتحاد السوفياتي والمنظومة الاشتراكية؟ ومع تعمق الأزمة الاقتصادية أكثر، وتأثيراتها الاجتماعية المباشرة على الطبقة العاملة، بدأت تتجدد نبرة الحديث عن الاشتراكية، كحل جذري للأزمة، دون مواربة أو خوف. وبلحمة بصر، تحولت أجزاء من أدبيات "رأس المال" عند "ماركس" إلى مراجع اقتصادية صالحة لخروج النظام الرأسمالي من أزمته، بأفكار شيوعية وبعقلية رأسمالية، وليتم توظيفها واستخدامها جملة قرارات بصورة مجزئة ومشوهه، كمحاولة منها، لإنعاش اقتصاد السوق.
لكن الرأسمالية تبقى رأسمالية مرعبة؛ تفكر، تخطط وتلجأ إلى كل الأساليب الاقتصادية الملتوية لتسويق أفكارها وبيع بضاعتها سعياً وراء الربح. ولو كانت سلعها وهمية، على شاكلتها، حتى لو اقتضى الأمر إلى تسويقها على جثث مئات ملايين العمال ومليارات الفقراء، بما فيها بيع فكرة "تقليص حدة الفقر". هي فكرة مرعية جداً، تمثل وجهاً من وجوه الاستغلال الرأسمالي، وتحفة من تحف الأفكار النيوليبرالية التي قامت دوائرها ومراكز أبحاثها برفع سعر "خط الفقر" من دولار أميركي واحد قبل 2008، إلى سعر 1.25 دولار أميركي عام 2008، ثم سعّرت خط الفقر عام 2015 بحوالي 1,90 دولار أميركي (أقل من دولارين) في اليوم؛ يعني كل من ينتج دولارين في اليوم يمكن أن يتنفس عند حافة الخط، ومن ينتج أقل من ذلك يختنق تحت الخط.
يعني أيضًا، بعد حروب 2008، والبطالة، وفوضى السوق، وانهيار العملات الوطنية، وفوقهم مؤخراً وباء كورونا، وإغلاق أسواق العمل، وفيالق العاطلين عن العمل.. عن أي سعر نتحدث اليوم لخط الفقر؟.
الرأسمالية، هي التي تسعّر خط مصير الفقراء" متى تريد، ومتى تشاء، وبأسعار تناسب نظام هيمنتها، لكن المشكلة الحقيقية، هي الوعي على أن فكرة وجود فقر مطلق وثابت لجميع الأماكن والأزمان، ولو موثقة بدراسات وأبحاث وإحصاءات ونتائج تنشرها الدوائر الإمبريالية، هي الهرقطة الرأسمالية بذاتها؛ فالرأسمالية تشًيع عبر وسائل تعبئتها أنها "خالقة للثروة" من خلال "المشاريع الاستثمارية والمخاطرة والإبداع والابتكار.."، والتي تعود على البشرية بالازدهار والإنماء والتقدم.. وتوفير فرص العمل للناس.. هذه الاشاعات هي الهرطقة الأيديولوجية، حيث لا أرضية واقعية لها في التفاوت الطبقي الفظيع القائم. أما الحقيقة الراسخة فتشير بعد التجارب العملية والواقعية إلى أن مصدر ثروة الرأسماليين، طوال تاريخ الرأسمالية، ناتج عن سرقة تعب الطبقة العاملة وإفقار الشعوب.
ما يشهده التاريخ المعاصر من نهب الثروات وتراكم الأرباح الفاحشة، هي (كمثال واقعي اليوم) التي حولت حوالي مئة ملياردير في العالم يتحكمون بمصير الدول والشعوب في العالم، وتنبع في نهاية المطاف من العمل غير مدفوع الأجر الذي تقدمه الطبقة العاملة، "أي الفرق بين قيمة منتجات عمل العمال، سواء السلع أو الخدمات وبين الأجر الذي يتلقونه". وكلما كانت الفروقات أكبر كلما زادت الأرباح، مما يخلق ضغطاً هائلاً من أجل زيادة ساعات العمل وتخفيض الأجور وتغيير ظروف العمل نحو الأسوأ.
طبعاً، هذه ليست سيرورة أحادية الجانب بالطبع، إذ أن الطبقة العاملة تمكنت خلال صراعها الطبقي ضد الطبقة الرأسمالية وأدواتها في الماضي من انتزاع بعض حقوقها، وكرست تاريخ الأول من أيار/مايو يوماً لنضالها، وقدمت الكثير من الشهداء لتحقيق مكاسب اجتماعية وحياتية؛ من أجور أعلى وساعات عمل أقل وظروف عمل ومعيشة أفضل. لكن أينما نجح العمال في فرض هذا المكاسب، نجد الرأسمالية تعمل بكل الوسائل المتاحة لها على استعادة ما فقدته ضد الطبقة العاملة وحركاتها النقابية وأحزابها الاشتراكية.
وفي السياق، فإن الرأسمالية التي فرضت نظام عالمها الجديد، تلجأ إلى إجبار العمال على التنافس لتأمين فرص العمل، وتوفير لقمة الخبز، مما يؤدي إلى توسيع قاعدة البطالة والفقر، بحيث يُمكن المؤسسات والشركات الكبرى من القدرة على استغلال العمال واستعبادهم لخلق ثرواتهم، على حساب سرقة تعبهم وتخفيض أجورهم وضرب مكتسباتهم، وكلما تحقق ذلك، تبدأ الرأسمالية ودوائرها بإطلاق الاحتفالات، وتقديم التهاني لنفسها، وتعظيم إنجازاتها، والمبادرة إلى تقديم المكرمات الخيرية للفقراء.. بحجة الحد من الفقر، هذه الاحتفالات، ليست بغرض زيادة قيمة مضافة للإنسانية، بقدر ما هي فرض حالة من العبودية على العمال والأجراء والفقراء.
صحيح، أن أزمة الرأسمالية تتفاقم، وفوقها أزمة وباء الكورونا.. لكن هناك حاجة لدى شعوب العالم المفقرة، أن تحدد خارطة طريقها نحو مشروع خلاصها من العبودية والجوع والموت؛ هذا المشروع لا يبنى على وعود الرأسمالية وحلولها المرعبة، بل، على الكفاح الثوري والعمل النضالي للسيطرة على الثروات المذهلة التي تنتجها، ووضعها في استثمار بناء المستقبل الإنساني الآمن. فالرأسمالية وشركاتها العابرة تجلس فوق قمم جبال ثروات نقدية تقدر بتريليونات الدولارات غير المستثمرة التي يمكن استخدامها في إحداث ثورة في الإنتاج، توفر ظروفاً معيشية أفضل للجميع؛ لأن لا شيء من الوضع الراهن الذي نعيشه حقيقي، إنما هو مفتعل بفضل النظام الرأسمالي الفوضوي الأسود الذي يعيش من لحوم البشر، وجثث مليارات الفقراء التي تعيش تحت خط فقر النظام الرأسمالي العالمي.
الوقت لا ينتظر؛ فالبشرية أمام خطر مصيري، وما زالت فرق الإنقاذ متأخرة ومربكة ومحتارة بين الدفاع والهجوم.. لم يعد ينفع مع الوقت خط الدفاع، فخط الفقر أشمل.. وأفضل لحظة تاريخية مناسبة هي خطة الهجوم بقوة، وتنظيم الصفوف، والنضال الميداني، ومراجعة أدبيات "ماركس" وتحلياته العلمية في اقتصاد "رأس المال"، وحلول" لينين " في "ما العمل؟" و"أطروحات الثورة" لإنقاذ البشرية، مع التقييم الجدي والاستفادة من التجارب وإجراء التنقيحات اللازمة، وتحليل التغيرات الاجتماعية والتطورات المستجدة، لتجديد وتطوير الفكرة المنهج، المشروع الاشتراكي، ولتعزيز الثقة بالطبقة العاملة، وبقدرات نضالها واتحادها وتضامنها الأممي لخلق عالم جديد خالٍ من الظلم والقهر والجوع و الفقر والتمييز الطبقي بجميع أشكاله؛ هذا العالم الذي يشكل السبيل الوحيد لإنهاء عصر الهمجية الرأسمالية، وبناء عصر إحياء الاشتراكية الإنسانية من جديد.
إن لم تنجح هذه البدائل اليوم، فإنها بالتأكيد تكون قد صوبت بوصلة الصراع الطبقي الحقيقي، ولن تخسر من رصيدها أكثر مما خسرته.

