الاتهامات التي وجهت للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين؛ عبر بيان صادر عن حركة فتح، يدل على جملة من المغالطات المقصودة ومحاولة تدوير الزوايا وترحيل أزمات بنيوية تعيشها "فتح"؛ نتيجة ارتهان قياداتها لوهم التسوية المزعومة مع العدو الصهيوني. والمؤسف ان هذه القيادات التي ما زالت تعيش حالة وهم، بأن العدو يمكن أن يقدم لهم بعض الفتات، بإقامة دولة فلسطينية على بقايا ما تبقى من الضفة الغربية وبما لا يتجاوز12٪ مما تبقى من الأراضي في الضفة الفلسطينية المحتلة .دولة في الخيال بدون القدس وبوجود المستوطنات وكنتونات مقطعة الأوصال. والمؤسف أيضًا أن العديد منهم ما زال مصرًا على أن "الحياة مفاوضات".
إن الكثير من علامات الاستفهام التي طرحت في بيان فتح باتجاه الجبهة وقيادتها وكوادرها، واتهامهم بأن "بعض مصطلحاتهم تشابه بعض إفرازات ألسنة مسؤولي الاحتلال السامة"، حسب قول البيان؛ يدلل على عمق الأزمة التي تعيشها سلطة أوسلو وحزبها، نتيجة سقوط رهانها على أن العدو الصهيوني والإدارة الامريكية يمكن أن تقدم لهم طوق نجاة لمشروعهم الأوسلوي، الذي أسقطه هذا العدو وتلك الإدارة الأمريكية؛ إلا التنسيق الأمني "المقدس" بتعبير رئيسهم من جهة، ومن جهة أسقطه شعبنا بصموده وبانحيازه لخيار المقاومة، الذي تؤكد عليه الجبهة الشعبية صباحًا ومساءً؛ لأن بوصلتها لم تتوه يومًا عن مسارها الصحيح حتى في ظل الظروف المعقدة التي تعيشها القضية الفلسطينية، والذي جاء نتيجة رهان الفريق الذي يشكك في المواقف الجذرية للجبهة، على النظام الرسمي العربي المنهار، وتزاحمه على أبواب نتنياهو لإرضاء السيد الأميركي، الذي يطلق عليه هؤلاء المطبعون بأنه المرجعية لعملية السلام؛ ولأنهم يعون بأن السيد الأمريكي هو حامي عروشهم المهتزة.. ألم يقولوا يومًا بأن 99٪ من اوراق اللعبة في يد الإدارة الأمريكية، كتغبير عن حالة هزيمة؟
إن الجبهة الشعبية متصالحة مع ذاتها وحددت مبكرًا معسكر أصدقائها ومعسكر أعدائها، لكن المشكلة الحقيقية تكمن فيمن تاهت بوصلتهم ورهنوا مستقبل قضيتنا لتكون في أيدي العدو الصهيوني؛ من أجل (سلطة بلا سلطة).
إن من تحمل وصبر وسعى للحفاظ على "شعرة معاوية" حفاظًا على الوحدة الوطنية، كانت الجبهة الشعبية وليس السلطة، وإن تلاميذ الحكيم وأبو علي واليماني وغسان حددوا مبكرًا بأن تناقضهم الرئيسي يكمن مع الاحتلال الصهيوني، لكن من الواضح أن هناك يريد خلط الأوراق، لمحاولة خلق بطولات وهمية، مع العلم بأن شعبنا كشف زيف ادعاءاتهم، وعرف بأن وظيفتهم باتت العمل على إدامة الواقع الحالي حفاظًا على مكاسبهم الشخصية. لقد عمل هذا الفريق على تغليب مصالحه الشخصية على حساب المصلحة الوطنية العليا للشعب للفلسطيني المناضل والمجرب، والذي شكل وما زال يشكل الخندق المتقدم في كبح جموح المشروع الصهيوني الساعي للتوسع.
الشعب الفلسطيني الذي لم يدافع يومًا عن عروبة فلسطين فقط، وإنما دافع وما زال يدافع عن عروبة المنطقة بشكل عام. وبالتأكيد ليست هذه القيادات "المُدعية" بأنها تمثل هذا الشعب العظيم القائمة والباقية لغاية اللحظة بفضل الاحتلال، الذي يوصف بأنه أرخص كلفة احتلال عبر التاريخ الاستعماري الكولونيالي؛ نتيجة خدمات تقدمونها بفضل التنسيق الأمني، واعتزاز القيادة بأنها لم تطلق يومًا رصاصة واحدة باتجاه العدو. أليست هذه خيانه لإرث الشهداء أبو جهاد وأبو إياد وأبو الهول وأبو على إياد، وآلاف من الشهداء الذين قضوا على درب الحرية، وآلاف الأسرى الذين يعيشون ظروف اعتقال غير موصوفة في باستيلات العدو الصهيوني، وغيرهم الكثيرين من أبناء؛ ممن ىمنوا بحتمية كنس المشروع الصهيوني بالمقاومة، وبالمقاومة وحدها، وليس بالتزلف للصهاينة، والجلوس معهم وشرب الأنخاب على ما تبقى من أرضنا المحتلة؛ بسب هذه القيادة المراهقة التي ما زالت تراهن على أخلاق العدو.
الأغرب والمضحك والمؤسف هذه الديموغوجيا الفتحاوية لما جاء في البيان، من أن الجبهة الشعبية تقيم علاقات تحالف مع دول في الإقليم؛ من اجل إقامة كيان بديل ل. منظمة التحرير الفلسطينية.. لو أرادت الجبهة الشعبية مغادرة م. ت. ف والعمل على إنشاء بديل ما كانت لتنتظر حتى هذا الوقت، وكانت الفرصة متاحة أمامها لأخذ المبادرة دون مبالاة بأحد من هؤلاء الذين يكيلون الاتهامات جزافًا .
لقد تعاملت الجبهة تاريخيًا مع م. ت. ف رغم تفرد القيادة اليمينية، واللعب على والاستفراد بالقرار الفلسطيني، هذا اليمين الفلسطيني الذي سعى منذ البداية ومنذ الحديث عن أن "لا تسقطوا غصن الزيتون من يدي"، ومن ثم النقاط العشرة وبناء تحالفات مع الرجعيات العربية، لبناء جسر للالتقاء بالعدو الصهيوني وصولاً إلى اتفاقيات أوسلو وما تلاها حتى اليوم.
ليس عيبًا في الجبهة الشعبية أن تقيم تحالفات مع محور المقاومة والممانعة في المنطقة، فلو أرادت الجبهة بيع مواقفها واللعب على الحبال كما فعل البعض، لما كانت بحاجة لأموال م. ت. ف، وهي حق من حقوقها التي كفلها ميثاقها الجبهوي.
إن الجبهة الشعبية في اسوأ ظروفها، وتحديدًا بعد تقديم قائدها أحمد سعدات، كقربان من قبل هذه السلطة، لتحسين مواقعها، لم تعمل على هدم المعبد وأبقت خلافها مع الكاهن؛ لأن الجبهة تعرف بأن م. ت. ف إطار وطني يضم الكل الفلسطيني وأداة رافعة لنضال شعبنا الفلسطيني حال أعيد لها ولبرنامجها الوطني اعتباره، لكن قبل اتهام الآخرين كان الأصل الإجابة على سؤال مطروح في الساحة الفلسطينية: من الذي تعامل مع م. ت. ف. كحالة استخدامية وعمل على تهميش دورها لإبراز دور السلطة؟ ثم من الذي تنكر لدماء الشهداء وأدار ظهره لقرارات المجلس الوطني والمجلس المركزي؟
الجبهة الشعبية عصية على الكسر والتدجين، ومن أراد أن يلقي حجارة على بيوت الآخرين؛ فليتذكر أن بيته من زجاج.

