Menu
حضارة

خمسةُ آلاف نيلسون مانديلا في سجون الاحتلال

هند شريدة

توقّفَ قلبُ نيلسون مانديلا عن النّبضِ، لعَطَبٍ ما في رئتيه، في إحدى ليالي ديسمبر عام 2013. أصيبَ الأسمرُ، صاحبُ الشّعرِ الأشيب، والوجنتين المُمتلئتين والمَشدودتين إلى الأعلى، بمرض السّلّ في العام 1988، وهو في زنزانته الرّطبة في جزيرة روبن على مشارف الأطلسي، والتي لا تتجاوز مساحتها “ثلاث خطوات” كما وصفها في سيرته الذاتية “طريق طويل إلى الحرية”. رغم شفائه من السّلّ حينها، إلا أنه عانى من تداعياته التي أضعفت رئتيه بعدها، واختنق شهيداً، جرّاء موتٍ مؤجل، نال منه بعد خمسة وعشرين عاماً، سَبَبهُ سوء الرعاية الصحيّة في الأسْر، على يد المستعمِرِين البيض، إبّان نظام التمييز والفصل العنصري-الأبارتايد، وسبعة وعشرين عاماً، أنهكت جسده حتى تهالكت شعبه الهوائية.

في الحالة الفلسطينية، يعيش خمسة آلاف أسير وأسيرة في سجون الاحتلال المتناثرة على امتداد فلسطين التاريخية، موزّعين على سبعة عشر سجناً ومركز اعتقال إسرائيلي، معزولين في منفى قسْري، يعيشون فيه حجراً إلزامياً على طريقتهم. هكذا هم، مُكدّسون في ظروف معيشية مُزْرية، لكنهم لا ينفكّون عن انتزاع الحياة. فعلاوة على فظاعة السّجن، وفَجَاجَةِ السجّان؛ يحومُ حولهم فيروس فتاك على هيئة وباء، يلعب معهم “الغمّيضة” في كلّ اتجاه: بارد، بارد، دافئ، سخن، سخن، سخن، سخن. يناورونه قدر المستطاع، لئلا يطبق أهدابَهُ “التاجية”، ويقبِضَ على رئتي كل منهم، تماماً، كما قبض السلّ على رئتي مانديلا.

في مطلع آذار الماضي، وبدعوى اللعينة كورونا؛ أُلغِيَت الزيارات العائلية للأسرى، وأُجّلت المحاكم، إذ وُضِعَ العديدُ من القضاةِ والسجّانينَ الصهاينة في الحجر المنزلي. راوغت ماكينة الاحتلال الإعلامية بشأن وصول الفايروس للأسرى، وظلّت تنفي الأمر، رغم رداءةِ الظروف المعيشية لديهم، وتفشّي الفايروس في صفوفهم، حتى أعلنَ الناطق باسم الحكومة الفلسطينية، في الأول من نيسان 2020، إصابةَ الأسير المحرر نور الدين صرصور، بعد يوم من الإفراج عنه في معتقل “عوفر”، على مرمى تلة من بيتونيا، في رام الله المحتلة؛ ما يعني أن الفايروس اللعين قد وصل المُعتقل، وأن العدوى قد نُقِلَت إلى آخرين كانوا مع نور الدين في القسم ذاته، أو على أقل تقدير في الزنزانة ذاتها.

بِلُغَةِ الأرقامِ القارصةَ والقارسةَ أيضاً، والتي تجرّد الكائن من إنسانيته؛ يقبعُ في سجن “عوفر” ألف أسير، وبمعنى آخر هناك ألف عائلة من عوائل الأسرى، تشاطرهم أربعة آلاف عائلة أخرى، لأسرى آخرين في سجون مختلفة، تعيش حالة الخوفَ المتفاقِمَ كلّ دقيقة، والمحفوف باحتمالية مرضِ أبٍ، أو أمٍ، أو أخٍ، أو أختٍ، أو زوج، أو زوجة، لهم. ولا تتوقف العائلات عن التساؤل، وحدها، عن احتمالية مخالطة أحبائهم في الأسر للسجّان، جلّاب الفايروس، وشبيهه!

فبينما يختبئ السجّان بالحجر المنزلي، محاولاً تعقيم جسده ورماد روحه من الفايروسات العالقة؛ يغدو الحجر المنزلي ذاته لدى الأسير وعائلته محضُ أُمنية. قد لا يستطيع الأسير حجْر نفسه أكثر وسط العزلة التي يعيشها أصلاً، ولا حتى ممارسة “التباعد الاجتماعي” الذي تروّج له المنشورات الاحترازية والوقائية العالمية، ليظلّ قابعاً مع سبعة أسرى آخرين، مكدّسين معه في غرفة واحدة، يتشاركون فيها كل شيء. ومع ذلك، يُحافظ الأسير، كعادته، وكعادة الحركة الأسيرة جمعاء، على أعلى مستويات النظافة الشخصية، بالحدّ الأدنى من الموجود، من صوابين ومعقّمات.

لا يكفُّ الاحتلال عن استغلال كورونا اللعينة لتضييق الخناق على الأسرى، أكثر من أي وقت مضى. فقد بدأت الإجراءات بحرمانهم من رؤية أهاليهم، وتعليق الزيارات، ومن ثمّ تأجيل المحاكم لأجل غير مسمّى، ومنعهم حتى من اقتناء المنظّفات والمعقّمات، ومثلها بعض أصناف الطعام التي لها أن تمدّهم ببعض المناعة للصمود، بدلاً من تعقيم الأقسام، ومدّهم بالكمّامات والقفّازات الواقية على أقل تقدير.

وفي الوقت الذي أَطلقت فيه العديد من دول العالم سجناءها، بدون تراتبية ما، واضعة الجميع في بوتقة واحدة، المجرمين، والقتلة، وسجناء الرأي، والسياسيين الأبطال، جميعهم سواسية أمام فظاعة كورونا؛ سارعت بعض المؤسسات الحقوقية والأرواح الحرة بإطلاق صيحات استغاثة هي الأخرى، مطالبة الإفراج الفوري عن أسرانا القابعين في سجون الاحتلال، خاصة المُسنّين والنساء والأشبال، وعلى رأسهم المرضى ممن يعانون من أمراض مزمنة، إلا أن جميع هذه الاستغاثات قوبلت بالرّفض القاطع والمَرَضِيّ من مُحتلّ يخشى الفكرة وأصحابها.

تقول شمس ابنة الأسير جمال زيد، المعتقل “إدارياً”، في سجن “عوفر” حالياً: “يغدو جسد أبي حقل ألغام جاهز للانفجار في أية دقيقة، إذا ما انقضّت عليه كورونا تلك. فجسد أبي، ذو الـ 62 عاماً، لن يتحمّل من كثرة ما يعتريه من أمراض كالقلب، والكلى ونوبات النقرس التي تجتاحه بين الحين والآخر”. وأكملت: لقد تعرّض أبي للإغماء مرتين، تم نقله على إثرهما لمستشفى الرملة، لمداواته بمسكنات”. ضحكت بألم وقالت: “كورونا وجمال دونت ميكس”!

فيما تقول لميس فراج، زوجة الأسير عبد الرازق فراج: كل اعتقال كأنه المرة الأولى. لكن هذه المرة، كانت الأصعب عليّ. لا أستطيع تصور كورونا، مع تداعيات ما عاناه أبو باسل في آخر تحقيق طاله. الأمر أشبه بكابوس، لم تشفع له سنواته الـ 57، ولا معاناته من الضغط. حتى الآن، لا يوجد ممرض في سجن “ريمون” ليأخذ له قياسات الضغط بانتظام، أو حتى مداومة إعطائه حبة الدواء، فطاقم العيادة البائس في الحجر أيضاً، ولا مُجيب لصرخات الأسرى. وقد مكث أبو باسل في مركز تحقيق المسكوبية ثلاثة شهور متتالية، وكان أكبر أسير عمراً يُمارس عليه التحقيق العسكري بطقوسه الوحشية، من حرمان من النوم، وصفعه وشبحه لأيام، مع ضرب على الرقبة، ونتف لشعر اللحية، وإجباره على الوقوف مع ثني الركبتين لساعات طويلة، ومن ثم تثبيته على الأرض مقيّد اليدين، ليجلس المحقق على صدره، ويبدأ بلكمه. ولم يأبه المحققون عندما أضرب عبد الرازق عن الطعام، فاستمروا بالتحقيق معه، بل وجلبوا ابنه الأصغر (وديع) للضغط عليه”. تتساءل لميس: “كيف لجسد عبد وأمعائه “التعبانة” أن تتحمّل بطش كورونا؟”

عائلات بأسرها تعيش الخوف ذاته: أيسلم من كورونا اللعين فؤاد الشوبكي، أو كريم يونس، أو البراغثة العِظام أمثال مروان، ونائل وعبد الله البرغوثي، أو أحمد سعدات، أو بدران جابر، أو عاهد أبو غلمة، أو علي جرادات، أو عباس السيد، أو حسن فطافطة، أو وليد دقة أو الأسيرة الجريحة الجسد والقلب إسراء الجعابيص، أو أمل طقاطقة، أو مرح باكير أو خالدة جرار؟ هي إرادتهم الراسخة، كما عبّر عنها مانديلا، التي تُبْقيهم أقوياءَ ومتماسكين. فجسد الإنسان يتكيّف مع الظروف القاسية التي تحيطه، أما معتقداته الراسخة، فهي سبيله للبقاء في ظروف الحرمان.

قواعد منكوثة العهد

“في عالم ليس لنا” كما سطّر غسان كنفاني ، تدّعي الأمم المتحدة احترامها إرث أيقونة الحُريّة نيلسون مانديلا، من خلال اعتماد الجمعية العامة قبل خمس سنوات فقط، قواعد نموذجية دنيا لمعاملة السجناء أطلقت عليها اسم “نيلسون مانديلا”، احتفاءً بما قدّم الثائر الأسمر للإنسانية وللقارة السمراء بالتحديد من خلال مكافحته عنصرية الرجل الأبيض تجاه أبناء جلدته. من المفترض أن تعكس القواعد، والتي يصل عددها 122 قاعدة، مبادئ توجيهية مفصلة لحماية حقوق الأشخاص مسلوبي الحرية، مع الالتزام الكامل باحترام كرامتهم، وحظر التعذيب وغيره من ضروب سوء المعاملة.      

تشدد قواعد نيلسون مانديلا على توفير الرعاية الصحية وتقديم الخدمات الطبية والعلاجية للسجناء، مشيرة أنها مهمة تقع مسؤوليتها الكاملة على الدولة، وفي واقعنا، على دولة الاحتلال. بعيدا عن شروحات هذه الخدمات، فقد نصّت قواعد نيلسون مانديلا على حصول السجناء على نفس مستوى الرعاية الصحية المتاحة في المجتمع، مجَّاناً، وبدون أي تمييز طوال فترة احتجازهم. لكن هذه القاعدة، بمُجملها، لا تقدم ولا تُأخّر شيئاً بالنسبة للاحتلال. كل هذه التلاوة الفقهية من قواعد الأمم المتحدة، تجعلك تضحك من فرط الحبر المستخدم في كتابتها الذي لم يجدِ شيئاً في الحالة الفلسطينية مع عدو لا يرحم.

خمسة آلاف عائلة فلسطينية، لا تعرف طعم النوم، بقلوب تغلي لوعة وشوقاً وخوفاً على خمسة آلاف أسير في المعتقل. ولا تزال العائلات تنتظر دقيقة زيارة، أو مهاتفة تطمئن فيها على آبائهم وأمهاتهم، وأزواجهن وزوجاتهم، وأبنائهم وبناتهم داخل القبور الحجرية المنزوعة من فلسطين، المزروعة في قلوب أبنائها حتى الحرية والتحرير.