كثيرة هي الأقلام الفلسطينية التي تناولت مجريات الانتخابات الاسرائيلية على مدار ثلاث جولات انتخابية خلال سنة ونصف, وتابعت التفاصيل والجزئيات التي رافقت الحملات الانتخابية من جهة، وتقديرات الموقف من نتائج الانتخابات في كل جولة من جهة أخرى.
هذه الأقلام المجتهدة والمثابرة لم تعكس طبيعة الأزمة الإسرائيلية, بقدر ما عكست بشكل تفصيلي طبيعة الخلافات بين ما سمي باليمين المتطرف الذي يمثله بنيامين نتنياهو واليمين الأقل تطرفاً الذي يمثله غانتس "أزرق – أبيض"... وفي كل مرة كانت تناقش احتمالات الموقف, ونجاح أو خسارة فريق على آخر وفق المعطيات التي تتوفر تباعاً خلال الحملات الانتخابية وفرز الأصوات, وتجميع الكتل والنوّاب لصالح الفرقاء, ربما هذا هو المنطق المهني والصحفي الدارج في متابعة الأحداث, بيد أن المؤسف أن هذه الأقلام لم تناقش أو تعرض, أو تستنتج من هذا السيناريو الطويل للانتخابات الاسرائيلية طبيعة الأزمة السياسية العميقة التي يعاني منها مجمل الكيان الصهيوني, وتبيان مظاهرها واحتمالاتها في المدى القريب والبعيد, إنما انساقت وراء ذات النهج والأسلوب الذي تعالجه الصحافة الاسرائيلية يومياً في ملاحقتها للحدث الانتخابي والسياسي اليومي.
وفي سياق ملاحقتها للحدث الانتخابي؛ كانت الأقلام الفلسطينية والعربية ضمناً أو مباشرة تؤيد أو تتمنى خسارة السيد نتنياهو في الفوز برئاسة الحكومة..!! كما لو أن السيد غانتس وتحالف أزرق أبيض هو أفضل للفلسطينيين من غريمه نتنياهو, وكما لو أن السيد نتنياهو كان هو المشكلة والمعضلة في طريق الحق الفلسطيني أو التسوية السياسية, وليس الكيان كمؤسسة عنصرية استعمارية إحلالية, أي أن هناك مفاضلة قائمة على شخصنة الأزمة في شخص السيد نتنياهو الفاسد والمرتشي وخائن الأمانة والرافض لمطالب الشعب الفلسطيني والمخرّب للتسوية مع الفلسطينيين..!! وكما لو أن سقوط نتنياهو وفوز غانتس سيخلق انفراجة سياسية مع الكيان، وسيخرج الواقع من أزمته, وستعاد الأمور إلى نصابها في العملية السياسية القائمة على اتفاق أوسلو الذي لم يحترمه حتى اللحظة, الكيان بكل مكوناته السياسية.
هذا الانزلاق الفلسطيني الإعلامي والتماهي نحو السطحية في فهم مجرى الأحداث الإسرائيلية, ولا سيما الخلافات الحزبية, وهذه التلقائية في التفكير الذي يصل إلى ذات ومستوى التفكير الإعلامي الإسرائيلي في معالجة الأمور, كما يعكس واقعياً مقدار التأطير وتكيّف العقل الفلسطيني في نظرته للأحداث الإسرائيلية واقترابه وتماثله مع التفكير والهدف الإسرائيلي في حرف الوعي الفلسطيني عن مساراته وثوابته وغاياته الوطنية.
هل هذا يعني أن الإعلام الفلسطيني ليس معنياً بملاحقة الحدث الانتخابي أو السياسي الاسرائيلي وعليه الانكفاء... وأن يقف متفرجاً على مسرح السياسة الإسرائيلية؟
بالتأكيد أن الجواب لا بالمطلق... بل عليه أن يلاحق الأحداث بمهنية عالية وقادرة, ولكن بعقلية النقيض الوطني في مواجهة الاحتلال, وصاحب الحق والموقف والرؤية, لا بعقلية الحياد الإعلامي أو البحث عن أفضليات طرفي النزاع في الحدث الانتخابي؛ فالفلسطيني ليس معنياً بأحد الخيارين, وليس معنياً بالثأر من نتنياهو بغريمه غانتس, فالأخير ليس أفضل منه سياسياً وبرنامجياً وعنصرياً, ولعل نجاح الطرفين في الاتفاق على تولّي رئاسة الحكومة بالتناوب وفق شروط وضوابط كان أهمها الاتفاق على الإقرار بضم أجزاء من الضفة الغربية ومناطق غور الأردن, هو البرهان على أنهما متماثلان في رؤيتهما لسلب الحق الفلسطيني, وأن الخلاف بينهما شخصاني وليس برنامجي, ولم يكن اتفاق نتنياهو – غانتس الأخير بشأن تقاسم الحكومة زمنياً ووزارياً بالمفاجأة لمن تابع سيناريوهات الخلافات والصراعات, فحين يعجز تحالف "أزرق – أبيض" عن إسقاط غريمه نتنياهو, تصبح أولويته كيف ينفّذ برنامجه مع نتنياهو بضم أجزاء من الضفة وغور الأردن, عبر المزايدة ودخول السباق الماراتوني في التطرّف. وكذلك الحال حين يعجز نتنياهو عن إسقاط غريمه, تصبح أيضاُ أولويته أن يحظى بقبول "أزرق – أبيض" إلى جانبه على ضم أجزاء من الضفة وغور الأردن, وأما المنافع والامتيازات الشخصية فيمكن تقاسمها عبر المناصفة بالوزارات, وبهذا يكون نتنياهو أفلت من عقوبة السجن والسقوط السياسي وحقق حلمة بابتلاع الضفة عبر تقديمه لمشروع الضم إلى الكنيست في 1/7/2020 وفقاً لإعلان ترامب.
إن الإعلام الفلسطيني والعربي مطلوباً منه أن يكون طرفاً في الصراع المحتدم مع الاحتلال عبر تعميق الأزمة السياسية الإسرائيلية, وتبيان مظاهرها ومرجعياتها العنصرية والفكرية الاستعمارية وهي ليست أزمة انتخابات, إنما هي أزمة "مجتمع استيطاني" منقسم مع نفسه, ولكنه متفق على عدوّه الفلسطيني, ومتفق على استمرار الاستيلاء على ا لأراضي الفلسطينية, وبما أنه مجتمع استيطاني وإحلالي؛ فإن لحظة وذروة الصراع الداخلي سوف تتجلّى في إدارته للسرقة وإدارة الاستيطان ومجتمع الامتيازات...إلخ...
فالانتخابات بصرف النظر عن الفائز والخاسر, فإنها تمثّل مرآة على الانقسام المجتمعي الاستيطاني؛ الانقسام السياسي, والديني, والعرقي. انقسام داخل النخبة والطبقة السياسية، وانقسام آخر داخل "المجتمع الاستيطاني"... أوليس فشل أي حزب من الأحزاب الكبيرة أو الصغيرة أو الدينية في الحصول على الأغلبية يمثّل انقساماً مجتمعياً وانقساماً في النظرة إلى هذه الأحزاب.؟
فمنذ سنوات والحكومات الإسرائيلية تتشكّل بالنصف + صوت واحد أو صوتين, الأمر الذي يجعلها دائماً عرضة لابتزاز الأحزاب الصغيرة التي في أحيان كثيرة تمثّل بيضة القبّان في ميزان القوى المتصارعة, ومن نافل القول أن النسبية الكاملة كمبدأ معمول به في العملية الانتخابية يمثّل مظهراً من مظاهر الديمقراطية, غير أنه في الواقع الاسرائيلي مثّل عبئاً على النظام السياسي الصهيوني, وشكّل أزمة سياسية مستمرة داخل الكيان, وأزمة مجتمعية وسياسية في آن واحد, حيث تعمقت الخلافات السياسية والهوياتية العرقية والدينية, وأظهرت أن هذا الكيان الاستيطاني هو مجتمعات غير متجانسة, ولا تشكّل شعباً يملك هوية واحدة, إنما يملك هدفاً واحداً هو الاستيطان والنهب والقرصنة, ويواجه عدوّاً واحداً هو الفلسطيني.
وفي هذا السياق قد تبدو الأزمة على أنها تعبير عن الديمقراطية والشفافية الفائقة, وقد يبدو أنها تدار بأساليب وأدوات ديمقراطية, لكنها في الحقيقة تدار بأدوات سياسية وبعقلية براغماتية عالية من قبل النخب السياسية, كما تدار بمرجعية شعاراتية وشعبوية لدى كل الفرقاء المتصارعين على الحكم, وهي شعارات ومرجعيات فكرية متطرفة لمواجهة العدو الغير مختلف عليه وهو الفلسطيني صاحب الحق التاريخي, وهذا ما يفسّر وحدة "المجتمع الاسرائيلي" في التطرّف والعنصرية والعدوان على الفلسطيني, وانقسامه في السياسة الداخلية وإدارة الحكم في المجتمع الاستيطاني.
إن فشل ثلاث جولات انتخابية في عام ونصف لم تفسح المجال لطرف أن يرأس ويقود حكومة جديدة...!! لا يمكن إدراجها في السياق الطبيعي لممارسة الديمقراطية, وعملياً فإن نتنياهو ضرب "ديمقراطية المجتمع الاستيطاني" التي تتباهى بها "إسرائيل" ويهلل لها الغرب المنافق، باعتبارها واحة الديمقراطية والحرية في الشرق الأوسط...!! وذلك حين تشبث وتمسّك بموقفه بأن يظل على رأس الحكومة حتى لو جرت جولات انتخابية جديدة, وحين جوّف القضاء وسيّس قراراته وفرض مواليه, وحين طلب من رئيس الكنيست الليكودي إدلشتاين بعدم تنفيذ قرار محكمة العدل العليا, وحين فرض بالاتفاق على تعيين رئيس للكنيست من الليكود...
وهل يمكن فهم معاني الديمقراطية الحقيقية في ظل انحراف دورها وحمايتها الفساد السياسي والمالي والمؤسساتي؛ فالديمقراطية الحقّه لا تسمح بحماية الفساد, ورغم ذلك فإن نتنياهو الفاسد والمرتشي والخائن للأمانة كما في اتهام النائب العام, والمتربّع على عرش الكيان قرابة عقدين من الزمن, لا زال يناور للفوز بالحكومة, عبر شعبوية متطرفة متساوقة مع شعبوية ترامبية وغربية, ترى فيه توأمة سياسية وشخصانية تؤدّي ذات المواقف والمنهج الاستعماري.
ثمّة استحقاق وطني بأن يعي الإعلام الفلسطيني والعربي بأنه ليس حيادياً, وأنه معني بتعميق الأزمة للإسرائيليين, وفق رؤية ممنهجة ووطنية, ووفق معطيات كامنة في المجتمع الاستيطاني يجب لحظها، لا أن يكون راكضاً وراء الحدث السياسي وسياقاته الإعلامية الإسرائيلية, ولا أن يكون طرفاً في خيارات من صنع الإعلام الصهيوني, فقد سقطت منذ زمن كل المراهنات على كسب ولو جزء من الرأي العام الاستيطاني.

