(تعيد "الهدف" نشر نص كلمة القيادي والروائي الفلسطيني مروان عبد العال، والمعنونة: بالمناعتين الوطنية والقومية نقاوم ونسقط التطبيع، والتي ألقيت في الندوة الحوارية للجمعية البحرين ية لمقاومة التطبيع في الخليج العربي، والذي عقدت أمس السبت، حيث بعد الانتهاء منها، تم إلغاء الندوة، وقد برر مسؤول بحريني أنه يوجد "أوامر عليا" لإلغائها).
التحية إلى منظمي هذه الندوة الحوارية للجمعية البحرينية لمقاومة التطبيع مع الصهيوني في الخليج العربي وجمعية الشباب الديمقراطي البحريني، والمشاركين في هذه الأمسية .
المسألة قيد البحث هي المناعة الوطنية والقومية في درء خطر التطبيع، الذي يشكل اليوم عبر مفرداته الجديدة، البعد الثقافي لما يسمى "صفقة القرن، وذلك من خلال تعميم مبرمج لثقافة الهزيمة، عبر هجوم تطبيعي صهيوني، يمس الضمير الجمعي لشعوب المنطقة بأسرها، وخاصة أنه يصيب الأكثر حساسية في تاريخنا وتراثنا وقيمنا وهي الثقافة يعني روح الأمة؛ بعد احتلال الأرض يقوم بمحاولة احتلال الإرادة؛ وبعد تشتيت ونفي الشعب الفلسطيني، يسعى إلى نفي فلسطين، أي اغتيال فلسطين كفكرة ورواية وتاريخ وحق وقضية.
نحيي ضمائر وأحرار وقوى المجتمع الخليجي المناهض للتطبيع، ودلالات هذه المبادرة في البحرين العزيز، وما يحتوي من نبض ثقافي وطني أصيل، بشائر لمقاومة عربية لكل هذه الحالات الشاذة والمعيبة، وإن مهّدت لها أدوات رسمية جبانة ونفوس ضعيفة ارتضت أن تكون مطيّة لاختراق وتزييف الوعي الوطني، وتمييع وتطويع الهوية الثقافة وفرض التطبيع والهزيمة والاستسلام.
وما هذه البرامج الساقطة والمسلسلات التفزيونية والأفلام الدراميّة، ومصحوبة بتهريجات سياسية مقرفة وهابطة تتنكر لفلسطين كقضية وتسيء لكل عربي أصيل.
لن تمر كل محاولات تسويق الرواية الصهيونية المزيفة، حتى من قناة الدراما العربية وإدخالها إلى كل بيت وأسرة، كل ذلك خدمة للكيان المجرم الذي يدعي قادته أنه بات لدولتهم الغاصبة (عمق عربي!!). ومكافأة على اغتصاب فلسطين وتدنيس القدس وضم الجولان وصولاً إلى خطة غانيتس لضم الضفة وإقامة "إسرائيل الكبرى" في فلسطين، ومع ذلك يسعى ليكون دولة طبيعية مندمجة في المنطقة، دون اشتراط استباق عملية التطبيع بالتسوية أو بإحقاق الحق الفلسطيني كما كان يروّج لها سابقًا .
سيزول هذا الوهم وينكفئ أصحابه ومن علق في شباكه؛ من تخيل أن المشروع الإمبريالي الرجعي سيشق طريقه في المنطقة بسهولة؛ فالمقاومة لا زالت تعتمر فينا ولن تكون قاصرة على مواجهته وهزيمته.
المناعة الوطنية: إن لا مواجهة إلا بالوحدة الوطنية الفلسطينية، المبنية على استراتيجية وطنية شعبية تحررية شاملة، تستعيد عناصر القوة وتستثمر مجمل الطاقات والكفاءات والمرتكزات النضالية للمشروع الوطني الفلسطيني. الوحدة التي تحمي الوطنية الفلسطينية من ما علق بها من خطايا التسوية وقيود الاتفاقات المذلة، والتي شكلت مقدمة لتعميم نهج المساومة إلى مجتمعنا من خلال التنسيق الأمني المقيت أو التواصل المدني بين الضحية والجلاد! والذي من شأنه أن يطرح الدور الوظيفي للسلطة راهنًا ومستقبلاً، وتحويلها إلى مدحلة للعبور الصهيوني الممنهج نحو باقي أطراف وجسد الأمة، وخاصة في المناطق الرخوة منها، أو التي جرى تفكيكها تمهيدًا لهذا المشروع.
الوحدة المجسدة فعليًا وليس قولاً بالمؤسسة الوطنية الفلسطينية وبمنظومتها الداخلية الجامعة؛ لذلك المطلوب استعادة دور منظمة التحرير الفلسطينية الناظم الموحد والمُعبّر عن كفاح الشعب الفلسطيني، وعلى أساس نظامها وآليات بنائها الديمقراطي والتشاركي ومشروعها التحرري الوطني. وهي في ذات الوقت استعادة الرموز البطولية لكفاح الشعب الفلسطيني ومقاومته وحقوقه الوطنية المشروعة، وقضيته العادلة، وقيم الفداء العطاء والتضحية والثبات والحرية وصمود الاسرى والشهادة. `
المناعة القومية: حسب رؤية الجبهة، لا مجال لمشروع عربي أصيل دون عمق حضاري تاريخي، ومن خلالها ترى أن فلسطين تتقدم أو تتأخر، تهزم أو تنتصر في عملية تاريخية شاملة، لا يقوم بها شعب فلسطين وحده، وليس باستطاعته وحده أن يقوم بذلك، خاصة أمام عدو إمبريالي صهيوني مدجج بأدوات الفتك الرجعية والعنصرية وتكنولوجيا الموت؛ لذلك لا بد من المقاومة العربية الشاملة التي تفرضها العلاقة العضوية والجدلية بين الوطني والقومي ودلالاته الثقافية والتاريخية في بناء الذات العربية، والخروج من دائرة الهويات المبعثرة والمتصارعة، وهدر الطاقات ونزف الإمكانيات ، نحو انعاش الهوية الوطنية بالفكرة العربية الجامعة، والتي يجسدها المشروع النهضوي العربي والتي تدفعنا في هذه الندوة للتأكيد على :
١- زيادة المناعة الوطنية وإطلاق المبادرات الشعبية والذاتية التي تقف سدًا منيعًا في وجه الاختراق الصهيوني.
٢- إعطاء مقاومة التطبيع مع الكيان الصهيوني العنصري بعدًا شعبيًا حقيقيًا ومنظمًا، وليس الاكتفاء بمواقف حزبية سياسية وفوقية على أهميتها.
٣- التوعية الوطنية المستمرة على خطورة اختراق العدو لثقافتنا واقتصادنا وقيمنا وسياساتنا؛ واليوم باتت مساحة الصراع تتطلب أن تتخطى الموضوع الوطني إلى القومي والإنساني.
٤- اعتبار أن التصدي لسياسة التطبيع الراهنة هي دفاع عن الذات أولاً والهوية والقضية الفلسطينية ونصون تاريخنا وحاضرنا ومستقبلنا، باعتبار أنه يطال الوجود ذاته.
اليوم، أن تكون عربيًا حقيقيًا يعني أن تكون فلسطينيًا حقيقيًا، وأن تكون فلسطين قضيتك؛ فلسطين قضية العرب ومفتاح الحرية لشعوبها، وعليه فإن واجب الأمة المقاومة العضوية مع الشعب الفلسطيني، وليس مجرد التضامن معه.
وأن تكون فلسطينيًا حقيقيًا يعني أن تكون عربيًا حقيقيًا، وأن تكون فلسطين قضيتك؛ فأنت تؤمن بإنسانية الوطن وكرامة المواطن والديمقراطية كمشاركة في المصير والشرط اللازم لتفعيل الطاقات الكامنة وتنحاز إلى ضميرك دائمًا.
فلسطين قضية سياسية، وقضية أخلاقية أيضًا، ولا هي مسألة وطنية وقومية، فحسب بل إنسانية أممية كذلك، كونها فلسطين القضية العادلة والشريفة، ومن يكون معها لا يمرر المسلسل التطبيعي الانهزامي والمخزي القائم؛ فلا يمكن أن تكون في جبهة واحدة مع الحقيقة والخديعة أو مع الحق والباطل أو مع فلسطين و"إسرائيل" في وقت واحد.

