Menu

العولمة كفكرة طارئة

موسى جرادات

نُشر هذا المقال في العدد 13 من مجلة الهدف الرقمية

منذ تسعينيات القرن الماضي انشغل العالم بالحديث عن "العولمة" باعتبارها مفهوم جامع للإخوة الإنسانية، والوجهة المركزية للبشرية جمعاء، هذا الحديث تزامن مع فورة التكنولوجيا الحديثة وخاصة الاتصالات التي قربت المسافات وفق مقولات العولمة. لربما كان هذا الانشغال مصحوبًا أيضًا بانهيار أيديولوجيات كبرى، كانت حتى وقت قريب حاجز صد أمام تغول الرأسمالية الليبرالية، مما وفر لها سرعة فائقة في تثبيت مقولاتها السياسية والاقتصادية بوسائل عسكرية، حيث شهدنا تدمير العراق بعد حصاره لسنوات واحتلال أفغانستان ونشر عشرات القواعد العسكرية الأمريكية في عشرات البلدان حول العالم.

هذا التثبيت كان له الدور الحاسم بإسقاط هذا المفهوم كواقع معاش لا يمكن التهرب منه، في المقابل عملت الحكومات في العالم الثالث على التأقلم مع متطلبات العولمة، على الصعيد الأمني والعسكري والاقتصادي بغلاف ثقافي، اشتغلت عليه النخبة الثقافية في بلادنا، عبر سلسلة من التأويلات التي تناسب السلطة في تلك البلاد.

ونحن اليوم على بعد ثلاثين عامًا من تلك المقولات نفتح أعيننا لنشاهد مدى الخراب الذي لحق بنا حكومات وشعوب، خراب طال كل مكوناتنا وأبنيتنا الثقافية والاقتصادية والاجتماعية، والأخطر سلب السيادة الوطنية لمعظم البلدان وتحولها إلى أداة طيّعة في خدمة السيد الأمريكي، وبذلك انتفت كل إمكانية للتحلل من أسر الغول الأمريكي؛ فكل المحاولات التي عبرت عنها قوى التغيير في العام العربي في السنوات العشر الأخيرة، انصبت في خدمة السيد الأمريكي وزادت من مدى الكارثة التي حلت بنا؛ فالحوكمة والتجارة الحرة والجندر، والتنمية المستدامة، حولت الحكومات والشعوب إلى مجرد أدوات اختبار على طاولة الغرب، ارتسمت نتائجها اليوم بانهيارات اقتصادية واضحة، تسببت في زيادة الإفقار والاستدانة والاستبداد، وبذلك خسرت الدولة الوطنية كل منجزاتها التي حققتها في سنوات الاستقلال الأولى، وبتنا أمام مشهد تاريخي استثنائي يشبه إلى حد بعيد ما جرى في نهاية الحرب العالمية الأولى.

وإذا كنا اليوم أمام المحطة الأخيرة من أفول العولمة وانكشافها الفعلي والحقيقي؛ إلا أن التسرع في الحكم على نهايتها، وبناء تصور فكري قادر على استيعاب مدرجاتها وتأثيراتها البنيوية على مختلف الأصعدة سيقود حتمًا إلى الوقوع في الفخ مرة أخرى، فيكفي معرفة المنتصر في هذه الجولة لندرك مدى السياسات الاستراتيجية التي يحضرها هذا المنتصر للجميع. فالولايات المتحدة اليوم ما تزال تتربع على عرش السيطرة العالمية دون منازع، وأغلب الظن إن الصين تسعى لتثبيت أقدامها فقط، ولا تطرح نفسها كبديل أممي، في المقابل فإن خيارات الشعوب المغلوبة تنحصر في أيديها، ولا يمكن لها التخلص من حالة الأسر بالبحث عن سيد جديد إمبريالي الوجهة والتوجه.

فلا يوجد مخلص ولا خلاص دون بناء تصورات محلية قادرة على صناعة أقدار تلك الشعوب، فلا حلول وسط مع النيوليبرالية وأدواتها دون مواجهتها، مواجهة فعلية. فالعولمة في المحصلة النهائية فكرة صنعتها أدوات السيطرة الغربية، وعممتها على الجميع برسائل متنوعة، لينة وقاسية، وليست مسارًا حتميًا للشعوب في بناء نهضتها والتخلص من أسر الاستتباع، بعيدًا عن المثقف الدّلال وضجيجه في سوق الأفكار، وبحثه عن خلاصه الفردي، ومتعته في جلد أمته، في مسار سادي لا يتوقف.

ولا بد من تعيين أرضية هذه المثقف الذي يسكن كل مؤسسات المجتمع المدني ويتعايش من خيراتها ويرتبط ارتباطًا عضويًا بالممول الغربي ويسوق لروايته وقيمه وسياساته، فهذا النوع من المثقفين التي امتلأت الساحات بهم اليوم هو امتداد أصلي وفعلي للغازي الأجنبي، ومؤسساته هي قواعد احتلال حتى لو غلف عمله بنفحات إنسانية، فهو امتداد لهذه الحملة وسر قوته تأتي من خلالها، ولا شرعية له إلا من السيد الغربي. فحملات التبشير المعولم بمفاهيم إنسانية كبرى، والتي تأتي بعد كل هزيمة نتلقاها، هي جزء أساسي من مسار الغزو الغربي لبلادنا منذ قرون.

فلسطين في العولمة

إن التقاء هذا المسار المعولم في لحظته المعتمة، قد فتح الباب أمام انكشاف كل الأقنعة، فالغرب اليوم بقيادة الوﻻيات المتحدة الأمريكية، يتخلى عن لغته الدبلوماسية المعهودة، منذ عقود طويلة؛ فالرئيس الأمريكي وعبر خطابه السياسي المعلن، يضع النقاط على الحروف، دون تزييف أو تسويف أو مهادنة، وكل مقوﻻته ليست زلة لسان، أو رئيس عديم المعرفة، بل على العكس من ذلك، حيث نرى أن منطوق هذا الخطاب منسجم مع الأيديولوجيا الغربية، في فهمها للسلطة وممارساتها العملية؛ إنها رؤية متكاملة تضع العالم ضمن فسطاطين، منهم داخل الأسوار وهم من يستحقون الحياة، ومنهم خارجها وهم البرابرة، الذين يستوجب إخضاعهم بكل السبل.  ففلسطين ضمن الرؤية الغربية والتي هي خارج اأسوار، ﻻ تحتمل الحلول الوسط، خاصة إذا كان المحتل جزء أصيل من الثقافة الغربية، وعليه ﻻ بد من الانحياز المطلق له، وكل أشكال اليمين الشعبوي في الغرب عمومًا يميل إلى بناء سياسات تصادمية مع الآخر، باعتباره منقوص الإنسانية، وﻻ يستحق الحياة، في المقابل ينهض الفلسطيني كل صباح على وقع هذا الخطاب الذي أصابه في مقتل، محاوﻻً فهم ما يجري حوله، مستندًا إلى تراثه النضالي الذي امتد لعقود، معوﻻً على الشعوب المغلوبة وبقاياه الحية؛ فالمغلوب ما زال حيًا ﻻ يموت وقادرًا على اﻻستمرار والتأقلم مع كل الظروف. فمسار العولمة وصداها اليوم وتأثيرها على القضية الفلسطينية باعتبارها أم القضايا للشعوب المغلوبة، وهي نقطة اﻻرتكاز في بناء رؤية جامعة تقوم على مبدأ عولمة المواجهة، فنضاﻻت الشعوب تصب جميعها في بوتقة واحدة، وأي خسارة للغرب هو مكسب للقضية وأهلها. 

إننا أمام تعدد أزمنة وتداخلها في بعضها البعض، فعولمة القضية يعني عولمة القيم الإنسانية، وعولمة الغرب تقوم أساسًا على نفي القيم وإخضاعها لرغبة السوق الجامحة، والتي ﻻ ترى بالكائن البشري سوى مادة الاستملاك، وعلينا اﻻختيار بينهما.

منذ ثلاثة عقود دشنت العولمة عبر بوابة مدريد، وها هيي اليوم تريد أن تفترسنا على الثغور بعد دمرت الحواضر، وأشعلت نارها في كل مكان، مستندة إلى وعي تلمودي يعتاش على الموت،  فيما نحن نعتاش على الحياة والأمل.