في مثل هذه الأيام قبل 72 عاما قامت العصابات الصهيونية، وبتغطية كاملة من بريطانيا والدول الكبرى، في تنفيذ أبشع جريمة يشهدها التاريخ، حيث قامت باغتصاب الأراضي الفلسطينية واقتلعت أهلها وشردتهم في مختلف بقاع العالم، وارتكبت المجازر الوحشية بحقهم في سابقة لم يشهد التاريخ لها مثيلاً، وسط تآمر وصمت عربي وعالمي.
تطل علينا هذه الذكرى وشعبنا الفلسطيني يتعرض لأبشع وأخطر مؤامرات التصفية بحق قضيته، ويجتاز مرحلة عصيبة من تاريخه، حيث يواجه صفقه القرن بكل ما تتضمنه من إسقاط لحق العودة، ورفض قيام الدولة الفلسطينية المستقلة ذات السيادة، والاعتراف ب القدس عاصمة لدولة الاحتلال، والاستيلاء وضم اراضي الضفة والأغوار وغيرها من الأراضي الفلسطينية، والاعتراف بيهودية دولة الكيان الغاصب، مع كل ما يترتب على ذلك من طرد الفلسطينيين من أراضيهم في المناطق المحتلة منذ عام 1948 وغيرها من الأراضي الفلسطينية، وشرعنة المستوطنات عكس ما تنص عليه القوانين الدولية.
تطل علينا هذه الذكرى والشعب الفلسطيني ومنظمة التحرير يشهد أسوأ انقسام في تاريخه، هذا الانقسام الذي تتحمل مسؤوليته بالدرجة الأولى حركتيّ فتح وحماس، وأدى إلى تراجع دور الثورة، وللأسف لم تنجح في معالجته كافة المحاولات والحوارات التي جرت طوال الأعوام الماضية. وكما تطل علينا هذه الذكرى المشؤومة والوضع العربي في تراجع مخيف من خلال الانهيار الحاصل في النظام الرسمي العربي ومجمل الأوضاع العربية، بالإضافة إلى المؤامرات التي تعرضت لها المنطقة تحت ما يسمى الربيع العربي، وإقدام العديد من الدول العربية للتطبيع مع دولة الاحتلال رسميًا، ومن قبل بعض الإعلاميين والمسؤولين العرب، حيث يحاولون أن تصبح عملية التطبيع مسألة عادية لدى الكثيرين، وبات البعض يُنظّر لها.
والأنكى من ذلك مقولات البعض أن الفلسطينيين باعوا اراضيهم ولم يدافعوا عنها، في عملية تشويه مقززة، واضح أنها بتنسيق وتخطيط من قبل العدو الصهيوأميركي. وهنا لابد من القول إن حقائق التاريخ تؤكد أن الفلسطينيون دافعوا عن كل شبر من أرضهم بإمكانياتهم المتواضعة، وسقط منهم الشهداء والجرحى ومن ضمنهم القادة الكبار وفي مقدمتهم الشهيد البطل عبد القادر الحسيني. كما وتصدوا لعمليات القتل والمذابح الجماعية والتطهير العرقى، وما مجزرة دير ياسين، والعشرات غيرها، إلا أمثلة على حجم الهجمة الصهيونية.
وتؤكد حقائق التاريخ كيف تخلى القادة العرب عن دعم الفلسطينيين وتآمروا عليهم، ولا زال البعض ممن عاشوا تلك الفترة يذكرون شواهد كثيرة على ذلك منها، الرسالة التي وجهها الشهيد عبد القادر الحسيني محملاً فيها القادة العرب مسؤولية التخلي عنه وعن المقاتلين، ولقاءات أمير الأردن عبدالله (القائد الأعلى للقوات العربية المحاربة في فلسطين) مع القادة الصهاينة ومقولة (ماكو أوامر من العراق)، والأسلحة الفاسدة من مصر وغيرها، دون أن يلغي ذلك بسالة الجنود العرب الذين قاتلوا على مسؤوليتهم الخاصة، وبعيدًا عن أوامر قادتهم، ولا زالت الأراضي الفلسطينية تحتضن جثامين العشرات منهم، والذين امتزجت دماءهم مع الدم الفلسطيني وروت تراب فلسطين. وهنا لا بد من التذكير برسالة القائد الحسيني للزعماء العرب التي قال فيها: "جئتكم أطلب سلاحًا أدافع به عن فلسطين، وأما وقد خذلتموني فأبلغكم إننا لن نرمي السلاح حتى النصر أو الشهادة. أنا ذاهب إلى القسطل ولن أسال أحدًا منكم أن يرافقني، لأنني أعرف حقيقة مواقفكم، ولكني أحذركم أن التاريخ سيكتب عنكم أنكم بعتم فلسطين وخذلتم الأمة". وهذا السؤال برسم الخونة والمطبعين: هل هو الشعب الفلسطيني الذي باع أرضه أم الزعماء العرب الذين حمّلهم عبد القادر الحسيني وفي اجتماع معهم مسؤولية ذلك عندما رفضوا تزويده بالسلاح؟!
وأرى أنه من المفيد الإشارة إلى بعض الإحصائيات الجدير معرفتها:
- في عام 1918 كانت نسبة السكان اليهود الى السكان الأصليين تساوي 8%، وكانت ممتلكاتهم من الأراضي الفلسطينية لا تتجاوز ال 240000 دونم، وفي عام 1948 وصلت إلى 31% من عدد السكان.
- عشية اغتصاب فلسطين كانت ممتلكات الفلسطينيين من مجمل الأراضي الفلسطينية تفوق 93%، في حين أن مللكية اليهود كانت أقل من 7% منها، وذلك رغم كل محولات اليهود الصهاينة ابتياع أراضي لصالحهم.
- تم تهجير أكثر من 750000 وفي بعض الوثائق يصل الرقم إلى 800000 من سكان فلسطين الأصليين؛ من خلال اجبارهم على ذلك عبر ممارسة القوة والإرهاب وارتكاب المجازر بحقهم، حيث كان العدد الإجمالي للفلسطينيين فى ذاك الوقت 1400000.
- كان الفلسطينيون يقيمون في أكثر من 1300 مدينة وقرية في فلسطين التاريخية سيطر الاحتلال على 774 منها، وتم تدمير أكثر من 531 منها تدميرًا كاملاً.
- قامت العصابات الصهيونية بأكثر من 70 مجزرة.
ووفقا لإحصائيات نهاية عام 2018 الصادرة عن مركز الإحصاء الفلسطيني فإن:
- نسبة اليهود لعدد السكان في فلسطين التاريخية 51 % ويسيطرون على 85 % من مساحة الأرض.
- نسبة اللاجئين الفلسطينيين من العدد الإجمالي للفلسطينيين أكثر من 45% ما يقارب ال 6 مليون، أغلبيتهم تقيم في الأردن وسوريا ولبنان (عدد اللاجئين الآن أكثر من 6020000 ستة ملايين وعشرين ألفًا).
- يقدر عدد الفلسطينيين اللذين لم يغادروا الأراضي التي سيطر عليها الاحتلال وأقام دولته فيها بحدود ال 154000، أما الآن فيبلغ عددهم أكثر من 1600000.
- حتى نهاية عام 2018 عدد الشهداء يفوق ال 100000 شهيد فلسطيني.
- عدد الأسري حتى نهاية عام 2019 (5700) اسير منهم 250 طفل 47 امرأة، علمًا أنه دخل سجون الاحتلال منذ عام 1967 وحتى اليوم ما يزيد عن مليون فلسطيني، أي لا توجد عائلة لم يتم سجن أحد أفرادها.
بعد ذلك لا بد من تناول الدروس المستخلصة من التجربة منذ النكبة وحتى الآن:
الدرس الأول
لا تعايش مع الكيان الصهيوني الغاصب. لقد أثبتت الوقائع طوال السنوات الماضية أن هذا الكيان يمارس الاحتلال والتمييز العنصري، إلى جانب سياسة الطرد والقتل وزج المواطنين في السجون، ويتمرد على قرارات الشرعية الدولية، ويقوم بالتوسع وبناء المستوطنات، ويصادر كافة حقوق الشعب الفلسطيني. ان الحديث عن إمكانية التعايش مع هذا العدو يعد ضربًا من الخيال وسيرًا وراء الأوهام، ومقال سريع كهذا، لا يتسع لسرد مئات الوقائع والأحداث التي تثبت ذلك.
الدرس الثاني
ضرورة تحديد معسكر الأصدقاء والأعداء بكل وضوح، ودون ضبابية، لأن الوقوع في خطأ عدم القيام بذلك له نتائجه الوخيمة، وهذا ما حصل في كيفية التعامل مع الولايات المتحدة الأمريكية والأنظمة الرجعية العربية واعتبارها من قبل البعض الفلسطيني صديقة، وقد ثبت خطأ وفشل هذا الرهان.
الدرس الثالث
أهمية وضوح الفكر السياسي الناظم لنضالنا، هذا الفكر والنهج الذي يتمسك بالثوابت ولا ينتهكها تحت شعار ممارسة التكتيك. إن الخطر الأكبر هو أن تنتهك الاستراتيجية باسم التكتيك، والتنازل عن الثوابت الوطنية باسم المرونة، مما أدى ويؤدي للتراجع وحصد الفشل.
الدرس الرابع
ضرورة المزج بين أشكال النضال العنفية وغير العنفية وفي مقدمتها الكفاح المسلح، وعدم وضع إحداها في مواجه الأخرى، فهل بقي لنهج المفاوضات ثم المفاوضات ثم المفاوضات ما يسنده في الواقع؟ هنا نؤكد إنه لم تنتصر أية ثورة في العالم دون اتباع كافة أشكال النضال، ولنا في الثورتين الجزائرية والفيتنامية خير دليل على ذلك، حيث عقدت أهم جلسات المفاوضات في ظل وقوع أعنف وأشرس المعارك مع الأعداء.
الدرس الخامس
ضرورة العمل الدائم على تغيير موازين القوى للوصول إلى الانتصار، فما يفرض الانتصار هو منطق القوة وليس قوة المنطق، وما أخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة. وها هي تجربة المقاومة اللبنانية تثبت ذلك بعد أن حررت الأرض بقوة السلاح ودون مساومة أو تنازلات، وبعد الرفض المستمر من قبل العدو تطبيق قرارات الشرعية الدولية.
الدرس السادس
ثبت بالملموس أن اعتماد خيار المقاومة له ثمن كبير، لكن هذا الثمن أقل بكثير من الثمن الذي ندفعه من خلال اعتماد خيار المساومة، وتجربة الثورة الفلسطينية بعد اتفاقيات أوسلو خير دليل على ذلك.
الدرس السابع
أهمية التزاوج بين ال قطر ي والقومي، فلو اجتمع العرب جميعا لا يمكنهم تحرير فلسطين دون الدور الفلسطيني الذي يجب أن يشكل القاطرة التي تقود الأمة نحو التحرير. وفي نفس الوقت لو تم حشد كافة الفلسطينيين ووضعهم في جبهات القتال دون عمق ودعم عربي لا يمكن أن تتم عملية التحرير.
إن محاولات فك الارتباط بين القضية الفلسطينية وبعدها العربي، عن وعي أو بدونه، يقود للتراجع والإحباط وصولاً للهزيمة وهنا تكمن الأهمية القصوى في وضع القضية في مسارها الصحيح؛ من خلال تلاحمها مع بعدها العربي. فلا يجوز تحت ما يسمي بالقرار الفلسطيني المستقل إخراج القضية من بعدها العربي، كما إنه لا يجوز وتحت نفس الشعار ابتعاد البعض العربي عن قضية فلسطين وتخليهم عن واجبهم نحوها.
إن الترابط بين البعدين الفلسطيني والعربي والتماسك والتلاحم بينهما يعتبر من أهم دروس المرحلة السابقة، ولم يعد مسموحًا أن تبقى العلاقات الفلسطينية العربية أسيرة أي مفاهيم خاطئة. وهنا نشير إلى أهمية تعزيز التلاحم والتعاون مع كافة القوى والأحزاب والمنظمات والجمعيات والشخصيات الوطنية العربية.
الدرس الثامن
أهمية مراجعة نهج السلطة بعد أوسلو، وبشكل خاص نهج المفاوضات وعملية التطبيع مع العدو؛ الأمر الذي أضعف الموقف الفلسطيني وفتح الباب أمام الكثيرين من الدول العربية والإسلامية ودول العالم لإقامة العلاقات والتطبيع مع الكيان الصهيوني؛ متخذين من هذا الموقف ذريعة لهم، تحت عنوان لماذا لا يجوز لنا ما يجوز لكم، ولن نكون ملكيين أكثر من الملك، وفلسطينيين أكثر من الفلسطينيين أنفسهم.
الدرس التاسع
ضرورة الوحدة الوطنية. إن الانقسام الحاصل في الساحة الفلسطينية يُسجل كونه من أكبر المصائب التي حلت على الشعب الفلسطيني ودفعت قضيته للتراجع فلسطينيًا وعربيًا ودوليًا، وآن الأوان، لكي نغادر مربع الانقسام والعودة للوحدة على قاعدة التمسك بالثوابت الوطنية وبرنامج الاجماع الوطني والخروج فورُا من اتفاقيات أوسلو وما نتج عنها من كوارث. وهنا نؤكد أنه لا مجال لحماية القضية والتقدم وتحقيق الانتصار دون برنامج سياسي واضح وقيادة تلتزم بالثوابت الوطنية، بالأعمال وليس بالأقوال، ومن خلال إعادة ترتيب البيت الفلسطيني وإعادة الاعتبار لمنظمة التحرير الفلسطينية وبرنامجها الوطني وإقامة وحدة وطنية تضم الجميع دون استثناء؛ فالوحدة هي طريق الانتصار.
الدرس العاشر
إعادة نسج العلاقات مع القوي التقدمية والمحبة للسلام والمدافعة عن حرية الشعوب واستقلالها، ومع الدول التقدمية والصديقة، والخروج من الارتهان للعلاقة مع امريكا وأتباعها، وتطوير العلاقات مع منظمات حركة المقاطعة BDS لما تلعبه من دور كبير في مواجهة دولة الاحتلال الصهيوني.
الدرس الحادي عشر
ضرورة أن تكون القيادة الفلسطينية متمسكة بالثوابت الوطنية ونهج المقاومة؛ قيادة تغّلب المصلحة العامة على المصلحة الذاتية؛ قيادة تلتصق بالجماهير وتقدم لها نموذجًا في وضوح الرؤية والتضحية والممارسة؛ قيادة تتميز بصلابة المبادئ ولا تقدم التنازلات؛ قيادة يسبق فعلها قولها؛ قيادة تعيش وسط الجماهير تعالج مشاكلها ولا تبتعد عنها؛ قيادة تتقدم الشعب في تقديم التضحيات ولا تعيش حياة الترف والرفاه.
لا شك أن هناك الكثير من الدروس الأخرى التي تستفاد من طول وعمق التجربة، ويبقى المطلوب اليوم وقبل الغد من القيادة الفلسطينية وقيادة الفصائل والشخصيات الوطنية الفلسطينية أن تلتقي وتصوغ استراتيجية جديدة، وتخرج من أوسلو وملحقاتها، وتعيد الاعتبار لخيار المقاومة، وتجسد البعد العربي للقضية، وتعيد تنظيم علاقاتها مع الدول والأحزاب والمنظمات المجتمعية عربيًا وأمميًا بشكل جديد وبما يخدم قضيتنا العادلة.
بعدما فكرت طويلاً بماذا أختتم ما كتبت في هذه المناسبة مناسبة 15 أيار " يوم النكبة"، لم أجد أفضل من إعادة التأكيد على: فلسطين لنا من نهرها لبحرها وستعود حرة عربية.

