Menu

موقفنا

هيئة تحرير بوابة الهدف الإخبارية

أكدت نصوص صفقة القرن على مجموعة من الاستخلاصات التي يجب أن تُشكّل ركائز أساسية في إعادة بناء المشروع الوطني الفلسطيني، وأهم هذه الاستخلاصات هو أن هذه الخطة ليست مشروعًا للسلام، بل صفقةً ثنائيةً بين ترامب ونتنياهو؛ مشروعًا لاستمرار الحرب على شعبنا يستدعي استكمال أداة البرنامج الاستعماري الاستيطاني الصهيوني في فلسطين والمنطقة العربية بوجه عام، وفرض نتائجها على شعبنا وأمتنا والمجتمع الدولي كأمر واقع، هذا أولاً. وثانيًا أن هذه الرؤية هي النتيجة المنطقية لتداعيات منهج مدريد– أوسلو، بعد أن توفر لأمريكا والكيان الصهيوني الظروف المواتية المحلية والإقليمية والدولية لحصاد ثمار الحرب الهمجية على شعبنا. وثالثًا، هو أن الإدارات الأمريكية المتعاقبة لم تكن يومًا وسيطًا لتحقيق السلام، بل شريكًا تنفيذيًا للكيان الصهيوني؛ شراكة تحكمها أبعادٌ أيديولوجية وسياسية تُترجم تكامل المشروع الاستيطاني الأنجلوسكسوني والصهيوني لتحقيق أهداف ومصالح الإمبريالية في المنطقة العربية والإقليم بشكل عام. أما رابعًا والأهم، أن المشروع الاستعماري الاستيطاني العنصري شأنه شأن تجارب الاستعمار الاستيطاني التي عرفتها البشرية؛ لا يحمل إلا رؤية واحدة تنحصر في الاستيلاء على الأرض، وإقصاء السكان الأصليين وإبادتهم ماديًا ومعنويًا في أحسن الأحوال، أي تفكيك هويتهم الوطنية واستيعاب من تبقى منهم لخدمة المشروع الصهيوني.

وعليه، وبناءً على هذا الاستخلاص فإن فشل مسار مدريد– أوسلو لم يكن عفويًا أو نتيجة لاختلال موازين القوى في معادلة الصراع، أو التغيير في الخارطة السياسية الصهيونية لصالح غلاة المتطرفين وحسب، بل نتيجة منطقية مستمدة من طبيعة المشروع الصهيوني؛ الأمر الذي يؤكده سياسات كل الحكومات الصهيونية المتعاقبة، التي لم تخرج عن محددات مشروع إيغال ألون وزير خارجية الكيان الصهيوني في حكومة ليفي أشكول، المسؤولة عن عدوان حزيران 1967، وأقصى ما طرحه ألون من سقف للحقوق السياسية لشعبنا هو (الإدارة الذاتية لسكان المناطق وسحب سيطرة الاحتلال، وفي أحسن الأحوال السماح لهذا الكيان بإقامة علاقة مع الأردن في إطار "اتحاد كونفدرالي فلسطيني أردني إسرائيلي"، مع ضم كل المناطق الحيوية في المنطقة المحتلة تحت سيادة الكيان الصهيوني)، وهذا ما يجري لاستكمال حلقاته اليوم.

وبهذا تصبح المراهنة على أيّ مُمكَناتٍ لإنهاء الاحتلال وتحرير المناطق المحتلة عام 1967 عن طريق المفاوضات؛ فرضية عقيمة، تم تجريبها على مدار أكثر من ربع قرن. فالمطلوب اليوم استخلاص نتائج هذه التجربة وتجاوزها في إعادة بناء مشروعنا الوطني التحرري، وصياغة الاستراتيجية النضالية الموحدة لإدارة صراعنا مع الاحتلال، كأساسٍ لبناء وحدة شعبنا الوطنية وأدواته التنظيمية الجامعة لمكونات شعبنا وقواه السياسية والاجتماعية، والانتقال بالوحدة من درجة التجاور إلى مستوى الشراكة الوطنية الديمقراطية، التي تضمن وحدة البرنامج والمرجعية السياسية العليا؛ الشراكة التي توسع مساحة القواسم المشتركة وتُضيّق مساحة الخلاف، والبناء على ما تراكم من أوراق قوتنا عبر محطات النضال الوطني الفلسطيني المتعاقبة، والعمل على مضاعفتها وتعزيزها، وامتلاك الجرأة المطلوبة لإجراء الإدارة الضرورية لاستراتيجية وتكتيك إدارة الاشتباك التاريخي المفتوح مع الكيان الصهيوني، وعدم التردد في التقاط المهام التي يطرحها الواقع الراهن الذي يحكم معادلة الصراع.

وتأسيسًا على ما سبق، فإن المهام الملحة التي يطرحها الواقع الراهن على شعبنا وقواه السياسية والاجتماعية هي:

  1. تطبيق قرارات المجلسين الوطني والمركزي التي تحدد العلاقة مع الاحتلال، باعتبارها مساحة القواسم المشتركة الراهنة بين قوى شعبنا كافة، والعمل على تطويرها باتجاه فك الارتباط مع الاحتلال، والتحلل من التزامات اتفاق أوسلو السياسية والأمنية والاقتصادية، مع ضرورة رفع سقف القرار الوطني الفلسطيني بعد أن شرع الكيان الصهيوني بالتسريع في تطبيق عطايا صفقة القرن؛ بسحب الاعتراف بالدولة الصهيونية، والإعلان عن إنهاء كل الاتفاقيات الموقعة معها، وتحميل المجتمع الدولي مسؤولياته ومطالبته، بوضع دولة الاحتلال تحت طائلة القانون الدولي، وإلزامها بتطبيق قرارات الشرعية الدولية التي تستجيب لحقوق شعبنا الوطنية، وتوسيع مساحة الاشتباك السياسي في كل مؤسسات المجتمع الدولي الرسمية والشعبية، كمحاصرة مشاريع الاحتلال والإمبريالية الأمريكية لمواجهة صفقة القرن وقطع الطريق لاستنهاض النضال الوطني، وتحقيق أهدافه الوطنية والسياسية.
  2. إعادة الاعتبار لمكانة المقاومة وتنوع أشكالها وأساليبها كحجر الزاوية الرئيسي في البرنامج الوطني الموحد لإدارة الصراع مع الاحتلال، والتوافق الوطني على الأسلوب الرئيسي الراهن للمقاومة الذي ندير من خلاله منظومة أشكال وأساليب المقاومة.
  3. إطلاق طاقات شعبنا الكفاحية في جميع محاور الاشتباك في الداخل والخارج على أساس برنامج وطني ناظم للمقاومة، وبناء أدواته الوطنية الميدانية الموحدة، وامتداداتها وتفرعاتها في كل مناطق الوطن لقيادة وتوجيه نضال شعبنا.
  4. الشروع في حوار وطني شامل يضع على جدول أعماله استكمال عملية المصالحة من النقطة التي توقفت عندها، وتغليب المصلحة الوطنية العليا على أيّة مصالح فئوية ضيقة، والتي تعكس أعلى درجات الإدارة السياسية لجميع مكونات شعبنا لتحقيق الوحدة، وصولاً إلى إعادة بناء مؤسسات شعبنا ودولته الكفاحية بطريقة ديمقراطية ووطنية؛ عبر آلية الانتخابات المباشرة من تجمعات شعبنا كافة، وفي مقدمتها م.ت.ف الإطار الجامع لوحدة شعبنا وقواه السياسية والاجتماعية، الممثل الشرعي والوحيد لشعبنا في كل أماكن تواجده، وبشكل خاص انتخاب أعضاء المجلس الوطني الفلسطيني على قاعدة التمثيل النسبي الكامل، وفي حال تعذّر إجراء الانتخابات لأسباب موضوعية؛ التوافق على صيغة انتقالية إلى حين توفر ممكنات إجراء هذا الاستحقاق الوطني، وتوفير مرجعية وطنية جامعة لمتابعة تنفيذ اتفاق المصالحة، وتذليل العقبات التي تعترض عملية التقدم.
  5. تعزيز العلاقات بكل القوى والتجمعات الشعبية العربية التي تؤسس لاستعادة وتفعيل البعد القومي المشارك في نضالنا ضد الاحتلال، ومقاومة التطبيع معه، ووقف هرولة العديد من الأنظمة العربية في هذا الاتجاه، وكبح كل محاولاتها للضغط على شعبنا للقبول بكل المشاريع التي تتعاطى مع صفقة القرن، وتوفير مقومات الحماية العربية لشعبنا ومقاومته المشروعة العادلة.
  6. تعزيز دور الحركة الشعبية الدولية المساندة لنضال شعبنا في إطار تعزيز عملية المقاطعة وسحب الاستثمارات عن الاحتلال على طريق نزع الشرعية عن كيانه البغيض.
  7. بناء سياسة تنموية فلسطينية تعزز صمود شعبنا ومقاومته، وترشد عملية الإنفاق واستئصال الفساد وتوطد التكافل الاجتماعي الشعبي، وتستجيب لمصلحة الشرائح الطبقية الفقيرة، وحماية المشاريع الصناعية الوطنية، وتوفير مقومات الحد الأدنى من الاكتفاء الذاتي الذي يحرر شعبنا وقيادته من الضغوط السياسية الخارجية العربية والدولية، لخفض سقف القرار الوطني السياسي ومقاومة شعبنا بشكل خاص.

هذه المهام ليست جديدة وبعضها تضمنته قرارات المجلسين الوطني والمركزي؛ فقرار تحديد العلاقة مع الاحتلال ووقف التنسيق الأمني اتُّخذ في دورة المجلس المركزي في نيسان 2015، تبعها صِيَغ أكثر وضوحًا في قرارات المجلس المركزي في مطلع 2018، وفي دورة المجلس الوطني في نيسان من نفس العام، لكن للأسف ظلت عملية تنفيذها تراوح في مكانها، فيما تصاعدت وتوسعت حرب الاحتلال المفتوحة على شعبنا، والتي لا زالت مستمرة وبشكل خاص في القدس ومنطقة الأغوار، والاكتفاء بالتلويح العلني ليس كافيًا.

وعليه، فإن تطبيق مجمل قرارات المجلسين الوطني والمركزي مهمة لا تقبل التأجيل أو التسويف، ويجب أن تتصدى لتنفيذ حكومة نتنياهو– غانتس لقرار ضم الأغوار، ومطالبة العالم باتخاذ الإجراءات العقابية ضد حكومة الاحتلال، يجب أن يسبقها الإجراءات الوطنية الفلسطينية حتى تكون مطالبنا مقبولة وتحظى باحترام المجتمع الدولي. كما أن مواجهة صفقة القرن تُملي على الكل الوطني تجاوز كل العقبات التي تحول دون استكمال عملية المصالحة، وتنفيذ اتفاقاتها وإنهاء الانقسام، كما يتوجب أن يبادر الأخ الرئيس أبو مازن من موقعه ومكانته متعددة الأبعاد بالدعوة إلى عقد دورة للحوار الوطني الشامل لوضع روزنامة وطنية لتنفيذ اتفاقات المصالحة، وتفويت الفرصة على الاحتلال من توظيف الانقسام كورقة تضاف إلى أوراق القوة التي يملكها؛ بفعل الصمت الدولي الذي يصل إلى حدود التواطؤ والكيل بمكيالين في التعاطي مع المشكلات الدولية.

وعلى المستوى المباشر، ينبغي وقف المناكفات الإعلامية والتجاوزات التي لا تنسجم مع أصول واستحقاقات العلاقات الوطنية، خاصة في هذه الظروف، وإشاعة مناخات الثقة بديلاً للهواجس المتبادلة بين حركتي فتح وحماس، والعمل على بناء المقدمات الضرورية لاستئناف عملية المصالحة من النقطة التي توقفت عندها، لإعادة الأمل إلى شعبنا الذي لم يخذل شهداءه وأسراه في أحلك الظروف التي مرت بها قضيتنا الوطنية، وقدّم- ولا يزال يُقدّم- فواتير الدماء التي تنزف من آلاف الشهداء والجرحى، فالوقت من دم والتاريخ لن يرحم مَن تقاعسَ عن تنفيذ استحقاقات إنجاز وحدتنا الوطنية.