في عرض مذهل من الأرشيف كشف أورن كيسلر عن التبادلات الدرامية التي شكلت اقتراح اللورد بيل لعام 1936 لتقسيم فلسطين الانتدابية، يدرس كيسلر شهادة اللجنة الملكية التي استقى بيل محتواها من؛ حاييم وايزمان، زئيف جابوتنسكي، المفتي أمين الحسيني، جورج أنطونيوس، ونستون تشرشل وغيرهم، وهو يقيّم سبب قرار اللجنة أنه لا يوجد سوى فرصة "قطع نظيف" في "دولتين لهذين الشعبين"، اليهود والعرب، لاحباط الانحدار إلى صراع شبه دائم.
تراجع هذه المادة مقدمات ووقائع تحقيق لجنة بيل ونتائجها وما أحاط بها من ظروف بالاعتماد بشكل أساسي على كتاب أرون كيسلر "النار قبل الفجر: الثورة الفلسطينية الأولى والنضال من أجل الأرض المقدسة"، وأيضا على تقرير لجنة بيل، وتقارير اللجان الأخرى، ومراجع وأرشيفات أخرى مختلفة، من بينها مقالة ليلي بارسونز حول الشهادات السرية (Journal of Palestine Studies Vol.49 No. 2-) وكذلك مقالة ماتي جولان حول شهادة وايزمن في كتابه "اللحم والعظام: إعادة تقييم أصول تقسيم فلسطين الانتدابية"، وغيرها.
المقدمة
في أواخر عام 1936، كان الإرل وليام روبرت بيل (1867-1937) في السبعين من عمره، تقريبًا، ويوصف بأنه رجل فخم طويل القامة مع شارب معقوف على الطريقة الإنكليزية، وكان جده أحد مؤسسي حزب المحافظين فيما كان والده أول رئيس لمجلس العموم وهو الذي فتح المجلس لغير المسيحيين وحتى للملحدين، أو بيل شخصيا فقد امتلك سيرة سياسية مؤثرة، فبدأ في عضوية مجلس مقاطعة لندن، ثم رئيس المجلس، وانتخب للبرلمان عن حزب الاتحاديين، وبعد الحرب الأولى أصبح وكيلا لوزارة الحرب، وفي عام 1922 أصبح وزير الدولة لشؤون الهند وقبلها كان سفيرا هناك لمرتين مع جملة مناصب أخرى (في تكرار بين الفقرة هذه والتي تسبقها). وحين عينه إدوارد الثامن رئيسًا للهيئة الملكية الفلسطينية، وكان جسده مصابًا بالنقرس، وجاء ذلك التعيين قبل أشهر من تنازل إدوارد هذا عن العرش، وكانت اللجنة مختصة في التحقيق في أسباب الثورة الفلسطينية الكبرى عام 1936-1939، والتي وصفتها الإدارة الاستعمارية بأنها موجة العنف والعصيان المدني، ورسميًا دعاها البريطانيون "الاضطرابات" ووصفها اليهود بـ(الأحداث).
تشكلت لجنة بيل، وتحت رئاسته من ستة أفراد، كان نائبه السر هوراس رومبولد؛ سفير سابق إلى العثمانيين في سنواتهم الأخيرة، والنازيين في أول سنواتهم، ومن بين أول دبلوماسيي وايتهول لفهم نطاق طموحات هتلر، وقد ضمت اللجنة السر موريس كارتر والسر هارولد موريس، المتخصصان في النزاعات على الأراضي والعمل على التوالي، وأخيرًا كان هناك السر لوري هاموند، حاكم مقاطعة سابق في الهند، وبروفيسور ريجينالد كوبلاند؛ مؤرخ أكسفورد المتخصص في إفريقيا، ولكن له اهتمامات واسعة وسمعة في الأفكار غير التقليدية، وكان سكرتير اللجنة ج.م مارتن، وكانت مهمة اللجنة حسب النص الرسمي البحث في:
- أسباب الاضطرابات الأساسية التي نشبت في فلسطين في أواسط شهر نيسان 1936.
- كيفية تنفيذ صك الانتداب على فلسطين* بالنسبة إلى التزامات بريطانيا نحو كل من العرب واليهود.
- تقديم توصيات لإزالة الظلامات المشروعة التي يقدمها اليهود أو العرب عن طريقة تنفيذ الانتداب.
وقبل الغوص في عمل اللجنة نلقي النظر على لجان سبقتها، فقد جاءت لجنة بيل للتحقيق في ثورة 1936 الفلسطينية، ويجدر الذكر أنه بموازاة هذه اللجنة؛ أرسلت لجنة أخرى مختصة بفحص فشل النظام الشرطي والقانوني في الرد على نتائج وآثار الثورة والتبعات القانونية لأحداثها.
تعيين لجنة كينغ – كرين
تشكلت اللجنة في 19آذار/مارس 1919 وجاء تشكيلها وفقًا لاقتراح الرئيس الأميركي وودرو ويلسن، بأنه "يقرّر مؤتمر باريس للسلام عام 1919، من حيث المبدأ، إرسال لجنة تحقيق دوليّة للتثبّت من تطلّعات شعوب الشرق الأدنى بعد هزيمة الإمبراطورية العثمانية"، وفي 27 آذار/ مارس، عين ويلسن الممثلين الأميركيين في اللجنة، وهما هنري كينغ وتشارلز كرين؛ غير أن فرنسا، ومن بعدها بريطانيا، تمنعتا عن تسمية ممثليهما، فاقتصرت اللجنة على الوفد الأمريكي، وعرفت باسم "لجنة كينغ – كرين" على الجانب الأميركي، ومارست اللجنة نشاطها ما بين 10 حزيران/يونيو و21 تموز/يوليو من العام 1919.
لجنة بالين
بعد أحداث موسم النبي موسى (انتفاضة 1920 الفلسطينية)، عينت بريطانيا لجنة تحقيق برئاسة اللواء فيليب بالين (لجنة بالين للتحقيق)، حيث سلمت تقريرها يوم الأول من تموز / يوليو عام 1920، ولكن التحقيق لم ينشر بسبب الضغوط الصهيونية، ومن بين استنتاجات اللجنة: "الشعور لدى سكان فلسطين بالخداع وخيبة الأمل نتيجة عدم الوفاء بالوعود البريطانية؛ العجز عن التوفيق بين تقرير المصير وبين وعد بلفور، الخوف من الهيمنة اليهودية، وهو خوف تبرره سيطرة الصهيونيين الظاهرة على الإدارة [يقصد الانتدابية]" وواقع أن "اللجنة الصهيونية والمسؤولين الصهيونيين يتحملون مسؤولية الأزمة الحالية إلى حد كبير، بسبب تسرعهم ومحاولاتهم للضغط على الإدارة".
لجنة هايكرافت
تم تشكيل هذه اللجنة بعد انتفاضة يافا عام 1921 وترأسها توماس هايكرافت كبير القضاة في فلسطين، للوقوف على أسباب الثورة، وضمت اللجنة كلا من هاري لوك مساعد حاكم القدس ، وجيمس ستابس مدير دائرة الأراضي، بالإضافة إلى ثلاثة مساعدين.
تم تشكيل اللجنة وعملها خلال تشرين أول/نوفمبر، حيث وجدت حسب تقريرها أن "الاضطرابات في يافا والمنطقة المحيطة بها كانت عفوية وغير مخطط لها"، وسجلت "إن الاعتقاد العام بأن أهداف الصهاينة والهجرة اليهودية تشكل خطراً على المصالح الوطنية والمادية للعرب في فلسطين، هو اعتقاد شبه شامل بين العرب، وهو ليس منحصرًا في أي طبقة معينة".
لجنة شو
عرفت رسميًا باسم تقرير لجنة اضطرابات فلسطين أغسطس 1929، واشتهرت باسم رئيسها السير والتر شو، وتشكلت للتحقيق في أسباب هبة البراق عام 1929 وصدر تقريرها في آذار/مارس 1930، وإلى جانب رئيسها القاضي السير والتر شو ضمت اللجنة ثلاثة أعضاء من مجلس العموم البريطاني، يمثلون الأحزاب الثلاثة فيه؛ وهم، هنري بترتون من حزب المحافظين، وريس هوبكين موريس من حزب الأحرار، وهنري سنيل من حزب العمال، وحُصرت صلاحيات لجنة شو في التحقيق حول الأسباب المباشرة للثورة، والتوصية بما يجب أن يُتخذ من تدابير لتجنب تكرارها، ووصلت اللجنة إلى فلسطين في 23 تشرين الأول/ أكتوبر عام 1929م، واستمر التحقيق مدة شهرين، قابلت خلاله ممثلين مسلمين ويهود.
لجنة هوب سمبسون
كانت لجنة "شو" قد أشارت في تقريرها إلى ضرورة قيام الحكومة البريطانية بدراسة الهجرة اليهودية وأثرها السلبي على السكان العرب في فلسطين، حتى لا يخسروا أراضيهم ومصادر رزقهم وكي لا يتحولوا إلى مشردين في أوطانهم.
ولتحقيق دراسة ميدانية وافية وموضوعية كُلّف سمبسون بهذه الغاية فقدم إلى فلسطين في أيار/مايو 1930، وكتب تقريره بعنوان (تقرير عن الهجرة وإسكان الأراضي وتنميتها)، نشرته اللجنة في خريف 1930، وأشار واضع التقرير إلى خطورة مواصلة الهجرة اليهودية وعدم تناسبها مع إمكانيات البلاد في توفير أماكن عمل للعرب، واستمرار الوكالة اليهودية بعدم قبول العمالة العربية في منشآتها ما أدى إلى تفاقم أزمة البطالة، مطالبصا بتحديد أعداد المهاجرين اليهود إلى فلسطين، وبينما قوبل التقرير بشيء من الارتياح من قبل الأوساط الفلسطينية، رفضه اليهود كلياً. وتبنت الحكومة البريطانية ما ورد في التقرير، فأصدر اللورد باسفيلد ما عرف بالكتاب الأبيض؛ تضمن التوصيات الرئيسية التي وردت في التقرير؛ إلا أن باسفيلد خضع للضغط الصهيوني فتراجع عن كتابه، وهكذا تحول تقرير سمبسون إلى الأرشيف.
لجنة بيل: جذر قرار التقسيم
ترتبط لجنة بيل في السجل التاريخي بفكرة تقسيم فلسطين، وما يزال الجدل جاريًا على وجه العموم، حول مصدر الفكرة التي رفضها الفلسطينيون قطعيًا بجميع نسخها، هل هو الصهاينة كما يجزم بعض النقاد، أم البريطانيين حسب رأي آخر. على العموم: في5 شباط/ نوفمبر 1936، انطلقت اللجنة إلى مرسيليا، حيث استقلت السفينة س.س كاثي، المتجهة إلى بورسعيد، وفي اليوم نفسه، أذن وزير المستعمرات ويليام أورمسبي جور بحصة جديدة لمدة ستة أشهر للمهاجرين اليهود إلى فلسطين، وكان الوزير مشاركًا متعاطفًا في المشروع الصهيوني على مدى عشرين عامًا: لقد ساعد في صياغة إعلان بلفور، واستضاف حاييم وايزمان، رئيس الاتحاد الصهيوني البريطاني، في منزله بينما كان مجلس الوزراء يناقش طلباته، كان التزامه القوي هو سبب الشائعات التي تقول أنه كان يهوديًا ممارسًا لعقود، وبعد قرار البريطانيين بصدد الهجرة، غضب المفتي الحاج أمين الحسيني، وأصر على وقف كامل للهجرة كشرط لتعاون العرب مع اللجنة، وبينما اجتاز رجال بيل البحر الأبيض المتوسط ، أعلن المفتي أن عرب فلسطين سيقاطعون التحقيق، فيما ناشده القادة العرب أن يعيد التفكير، حيث زعم الأمير عبد الله أمير شرق الأردن للبريطانيين من أن المفتي يتجنب أولئك الذين يبحثون عن حل حقيقي، واعتبر ملك العراق غازي - ابن شقيق عبد الله – وكذلك ابن سعود المقاطعة "حماقة"، وكذلك فعل رئيس تحرير صحيفة يافا فلسطين الذي اعتبر المقاطعة خطأً فادحًا، واتفقت عائلة النشاشيبي؛ خصوم الحسيني، مع هذا الرأي، كما فعل القادة "المتشددين" حتى من حزب الاستقلال.
لكن الحاج أمين كان راضيًا، حيث يرى أن جهود سنوات من عمره لجعل فلسطين مركز اهتمام العرب والمسلمين تؤتي ثمارها، وداخل فلسطين، كان منصبه القيادي لا جدال فيه، وأشار محققو الشرطة إلى أنه بفضل مواقفه الراسخة خلق مناخًا لا يسمح لبيل باتخاذ مواقف لا تنصف العرب؛ إلا أن هذا الادعاء قد تم دحضه بوضوح، حيث أكدت ليلي بارسونز في مراجعتها للشهادات السرية أن تلك الشهادات تعكس في الواقع عملية الاستبعاد الهيكلي للفلسطينيين من دولة الانتداب، ورغم قوة الشهادات اليهودية، بسبب كثرتها وحسن تنظيمها والميل البريطاني العام لها؛ إلا أن قرار لجنة بيل في نهاية المطاف التوصية بالتقسيم، أوضح أن القادة الصهاينة كانوا أقل مركزية في هذا القرار، مما افترضه المؤرخون من قبل، وأن المسؤولين الاستعماريين البريطانيين من الطبقة الثانية لعبوا دورًا رئيسيًا في توصية تقسيم المفوضين. إن عملية صنع القرار البريطاني بشأن تقسيم فلسطين، لم تتشكل فقط؛ من خلال الطموح الواسع لتطبيق النظريات الإمبريالية العالمية حول الحكومة التمثيلية وحماية الأقليات.
في 10 تشرين ثاني/ نوفمبر نزلت اللجنة بر مصر، وفي صباح اليوم التالي استقلوا قطارًا يتبع مسارات الحرب البريطانية الكبرى عبر سيناء و غزة إلى القدس، حيث استقروا في فندق الملك داود الفخم، الذي بناه ممولون يهود من القاهرة، ولكن كانت ستُعقد جلسات الاستماع في مبنى حكومي قريب؛ كان حتى قبل عام المنافس للفندق المذكور وهو فندق بالاس، وكان القصر مكان الإقامة الرئيسي في القدس، وهو جوهرة أرابيسك رفيعة، بني بتمويل من المجلس الإسلامي الأعلى، وقد بناه فريق بناء يهودي عربي مشترك، قام أيضًا ببناء جمعية الشبان المسيحية الشاهقة في المدينة، وكان من ضمن المهندسين المعماريين صهر وايزمان، الذي كان أيضًا قائد الهاغانا الذي حفر مخابئ الأسلحة سرًا في الجدران، قبل وصول اللجنة، وقام أيضًا بتزويد الفندق بالكهرباء وتركيب ميكروفونات فوق منصة الشهود. ورغم مقاطعته أرسل الحاج أمين رسالة ترحيب قصيرة للجنة إلى "هذه الأرض العربية المقدسة"، وأعرب عن أسفه لعدم قدرته على توسيع الضيافة العربية التقليدية، ولكن بالنظر إلى وعود لندن المخيفة للعرب وجهودها "لتهويد... هذه الدولة العربية البحتة" لم يكن لديه خيار، وطالب مرة أخرى بوقف كامل للهجرة اليهودية "القاتلة والضارة"، كما كانت للمصالح العربية، عندها فقط سيظهر أمام "مكاتبهم الموقرة".
عقدت اللجنة ستة وأربعين اجتماعًا منها واحد وثلاثون اجتماعًا علنيًا، واستمعت إلى أربعين شاهدًا يهوديًا بينهم حاييم وايزمان، فيما قاطع العرب اللجنة في بداية الأمر، ثم حضر للشهادة أمامها في 22/1/1937 الحاج محمد أمين الحسيني* مفتي فلسطين مع سكرتير اللجنة العربية العليا لفلسطين، وتسعة من أعضائها وأربعة عشر عربيًا آخرين، وكان شهادة جورج أنطونيوس؛ من أبرز وأقوى الشهادات العربية، وقد طالب الجانب العربي بالتخلي عن فكرة إقامة الوطن اليهودي في فلسطين.
الشهود اليهود
في حدث كبير في 12 نوفمبر، افتتح بيل والمفوض السامي آرثر وايكهوب الإجراءات رسميًا، وكان الشاهد الأول حاييم وايزمان، رئيس المنظمة الصهيونية العالمية، واليهودي المفضل للطبقة الحاكمة البريطانية، من بينهم حصل على العديد من الأصدقاء الحميمين، مثل أول حاكم عسكري لفلسطين، وعلى مدى شهرين من عمل لجنة بيل في فلسطين، ظهر وايزمان على المنصة خمس مرات - على ما يبدو، أكثر بكثير من أي شاهد آخر، وبدأ وايزمان شهادته بإلقاء نظرة عامة صارخة على مشكلة أوروبا اليهودية، وقد عمل الشهود، مثل المفوضين، على أساس أن الجلسات السرية ستبقى على هذا النحو، بحيث لم يتم الإفراج عن أي قائمة لشهود الجلسات الخاصة على الإطلاق، ويبدو أن دفاتر الأدلة الموجودة والمقدمة لكل مفوض قد تم تدميرها، وشهادات وايزمان الخاصة تبقى على قيد الحياة مدفونة فقط في أوراقه الشخصية، وقد زعم في شهادته أن العرب كانوا جشعين،" لقد حصلوا على ثلاث ممالك كبيرة من الحرب العظمى - العراق والمملكة العربية السعودية وشرق الأردن - وما زالوا يريدون فلسطين الصغيرة، ما هو أكثر من ذلك.
كانت قوميتهم "تقليدًا فظًا" للنموذج الأوروبي، حيث أخذوا أسلحته وخطابه، ولكن لم يقتصر على المحتوى الروحي والثقافي" كما قال، وقد أقره بيل، وقال: "لا شك في أن العرب شعب يصعب التعامل معه، وليس من نفس عيار اليهود، نفس المستوى"، ولم يندهش من أن صبر وايزمان قد نفد، ولكن ربما كانوا يتحركون بسرعة كبيرة جدًا: "علينا أن نسير ببطء إلى حد ما معهم، أليس كذلك؟"، "نعم"، اعترف وايزمان، 'اليهودي جدلي، لم يأخذ "لا" كإجابة، إذا طرد من الباب فإنه يحاول الدخول من النافذة، لا يستطيع تحمل الإجابة بـ "لا"، هذه هي مشكلته، واتهم البريطانيين أنه تم الاستحواذ عليهم بسلاسة اللغة العربية، وقام هاموند، الحاكم السابق في الهند، بالتدخل: يجب على اليهود أن يأخذوا "منتجات الحضارة العالية" و "يركبونها على السكان العرب الجاهلين المتحيزين؛ إنه أمر صعب للغاية القيام به"، ووافق وايزمان على ذلك: إن تأثير "الحضارة العليا" على الحضارة الدنيا ينتج دائمًا احتكاكًا.
رغم جميع سنواته في فلسطين، تحسر وايزمان أمام اللجنة بأنه لا يزال لا يستطيع فهم عقلية العرب لقد حاولت، لكنني دائمًا أخطئ "من غير الواضح مدى صعوبة محاولته.
ديفيد بن جوريون، رئيس الوكالة اليهودية، قام ببعض المحاولات الضعيفة باللغة العربية على مر السنين، لكن وايزمان - الذي تحدث ست لغات على الأقل بطلاقة - لم يتقن العربية أبدًا، واعترف قائلاً: "لا يمكنني أن أحسب الكثير من الأصدقاء بين العرب"، بينما أكد، بشكل غير مقنع، على أن المفتي السابق - شقيق الحاج أمين - كان "أحد أفضل أصدقائي"، وبحسب المحضر، أشار إلى المجاهد الشهيد عز الدين القسام، الذي اغتالته الشرطة البريطانية في العام السابق، بـ "الشيخ قصر عابدين"!.
ومع ذلك، أصر وايزمان على أن اليهود لم يكن لديهم رغبة في السيطرة على فلسطين، أو تحويل العرب إلى "حطابين وسقاة ماء". وسئل ثلاث مرات عما إذا كان الصهاينة يهدفون إلى دولة يهودية، فأجاب في كل مرة أنهم لا يريدون ذلك، وبدلاً من ذلك، اقترح نظامًا للمساواة، مع تمثيل متساوٍ للعرب واليهود بغض النظر عن الأغلبية الآن أو لاحقًا، وفي شهادته الرابعة، قبل يومين من عيد الميلاد، اقترح المفوضون لأول مرة تقسيم الأرض: كانتونان، يهودي وعربي، تحت الإدارة البريطانية المستمرة مع مناطق مختلطة لا تنتمي إلى أي منهما، ولم يقدم وايزمان أي رد محدد، مشيرًا فقط إلى عيوب الخطة: فهذا يعني تقطيع البلاد إلى قسمين أو حتى ثلاثة؛ سيترك ربع اليهود خارج الجيب اليهودي، والذي سيكون على أي حال "غيتو صغير" ومع ذلك، كان حريصًا على أن يبدو اليهود منطقيين: إذا كانت مثل هذه الخطة تشمل الهجرة المستمرة، على حد قوله، فسوف ينظر إليها، واستمرت الجلسة لساعات، وكرر وايزمن خطابه عن أن يهود أوروبا بحاجة إلى الإغاثة، ستة ملايين بحاجة إلى وطن، وأن "أعمال الشغب" تستهزئ بالإمبراطورية البريطانية؛ مشيرًا إلى الثورة الفلسطينية الكبرى، وكانت النكتة العربية في الصيف هي أنه "مقابل كل متمرد يموت برصاصة، يموت اثنان من الضحك على العدو البريطاني"، رغم أن ماتي جولان يكشف في كتابه (اللحم والعظم)؛ أن وايزمان في الواقع هو من اخترع الخطة، ثم جعل البريطانيين يبتلعونها.
بعد أسبوع من عام 1937، التقى وايزمان باللجنة في المرة الأخيرة، في نهلال، وطرح البروفيسور كوبلاند الآن فكرة "أكثر صرامة" من ذي قبل، المخطط الذي أثاره فقط "من أجل الجدل... يستحق أن يسمى أكثر من "كانتونات"، "إنه حقًا تقسيم"؛ ستقسم فلسطين إلى نصفين، دولة يهودية مستقلة، مثل بلجيكا... وبقية فلسطين، بالإضافة إلى شرق الأردن، كدولة عربية مستقلة، مثل شبه الجزيرة العربية، وكان هذا أول اقتراح بريطاني مسجل لتقسيم فلسطين وحل الدولتين لمشكلة فلسطين.
مرة أخرى كان وايزمان غير متحمس، وحذر مرة أخرى من عواقب "قطع الطفل إلى قسمين" في إشارة إلى أمثولة سليمان الحكيم حول المرأتين المتنازعتين على الغلام، وما تتطلبه من "صعوبات إدارية" عميقة و "جدران عالية"، لكنه تأكد مرة أخرى من أن اليهود أظهروا تلك الصفات التي يعتقد أن البريطانيين يقدرونها: "المعقولية، والحساسية، والتسوية،" وقال إنه إذا اتفقت جميع الأطراف على مثل هذا العرض وكان السلام على وشك الانتهاء، فقد اعتبر أن حركته ستوافق، وقال إن الوطن هو "ماي فلاور" الخاص بهم [في إشارة إلى رحلة السفينة التي تحمل الاسم ذاته والتي استخدمها مستوطنون عام 1620 متجهين من إنكلترا إلى الأرض الجديدة "أميركا" لتأسيس حياة جديدة] ، وسوف يفعلون أي شيء تقريبًا لإبقائه واقفًا على قدميه، وقال: "اسمح لي أن لا أجيب الآن"، "دعني أفكر في ذلك". وبعد مغادرة الجلسة، دعا وايزمان سكرتيره إلى المشي في جبل سكوبس، وأخبره وايزمان أن الكدح الطويل في حياته توج بالنجاح، وكانت "الدولة اليهودية في متناول اليد".
وعلى مدى ستة أسابيع، استمعت اللجنة إلى أكثر من 50 شاهدًا - حوالي أربعين منهم من اليهود، والبقية من المسؤولين البريطانيين في فلسطين، ولكن ولا عربي واحد حضرها، وضغط ملوك السعودية والعراق والأردن على المفتي لتغيير المسار، والتراجع عن المقاطعة، وكذلك فعل منافسه النشاشيبي في فلسطين، وخشي الجميع من أن اللجنة التي تستمع إلى حجج يهودية بشكل رئيسي، ستضع مسودة تقرير مائل للصهيونية، مع إشارة ضعيفة إلى المطالب العربية، ولكن قبل أيام من مغادرة اللجنة لفلسطين، ألغى الحاج أمين المقاطعة، ووافق بيل على البقاء لمدة أسبوع آخر، ووصف التحول الفلسطيني بأنه "حكيم".
الشهود العرب
أول شاهد عربي كان الأمير عبد الله من عمان، وقال أن وعد بلفور "شهادة ميلاد صدرت قبل ولادة الطفل"، وهي شهادة سلحت اليهود بـ "رماح إنجلترا... لطعن العرب وإقامة مملكتهم المزعومة"، وفي سنوات الانتداب الأربعة عشر، هدد اليهود بالوصول إلى أعداد استغرقت العرب 14 قرنًا لتتراكم، ما هو الحق الذي كان لإنجلترا أن تتخلى عن وطن لأمة أخرى؟"، لكنه قال إن اليهود الذين استقروا بالفعل في فلسطين يمكنهم البقاء، ولكن يجب ألا يتجاوزوا ثلث السكان، ومثل شقيقه الأصغر فيصل، بدا أن عبد الله يقبل تعهد بريطانيا لليهود طالما تم الوفاء بوعدها، باستقلال عربي أوسع - تحت حكمه-، ولكن أكثر من أي شيء كانت البراغماتية الواضحة للأمير تنبع من رغبات ذاتية: أراد فلسطين، أو جزء منها، لمملكته، وساعدت "نصيحة" متواضعة من الوكالة اليهودية - ليست الأولى أو الأخيرة التي سيحملها - على ضمان شهادة "معتدلة نسبيًا".
في منتصف كانون ثاني/ يناير التقى أعضاء اللجنة بالحج أمين، وكان ظهوره أمامهم قصيرًا ولكنه حاد، و قال إن الانتداب كان غير شرعي، متحدثًا من خلال مترجم، وأنه في تكريس وعد بلفور، تناقض الانتداب مع ضمانات عصبة الأمم لتقرير المصير للشعوب الخاضعة سابقًا، ونص هذا العهد نفسه على أن أي اتفاقات سابقة أُبرمت في انتهاك لمبدأ تقرير المصير - مثل الإعلان المعني مثلاً - كانت لاغية وباطلة، وأضاف "كل هذا تم بالتشاور والاتفاق مع اليهود بشروطهم الخاصة، بينما لم يُستشر العرب أبدًا"، ونقلت صحيفة الدفاع بتاريخ 16 تشرين ثاني/نوفمبر بأن الحاج الحسيني طالب في شهادته بـ"إلغاء إنشاء الوطن القومي والاستقلال للعرب في فلسطين". وأصر على أن ما هو أكثر من ذلك، هو أن القومية اليهودية عرَّضت الأماكن الإسلامية المقدسة للخطر "كان جدار البراق - الجدار الغربي - "مكانًا إسلاميًا بحتًا"، ولم يكن لليهود أو أي قوة أجنبية "أي صلة أو حق أو ادعاء"، والأسوأ، كما قال، أن اليهود قصدوا إعادة بناء الهيكل على أنقاض قبة الصخرة والمسجد الأقصى، وبالنظر إلى نفوذ اليهود غير المبرر في لندن، فإن بريطانيا ستسمح لهم بذلك: "تجربتي حتى الآن تظهر أنه يمكن لليهود أن يفعلوا أي شيء فيما يتعلق بفلسطين... الناس الذين أقنعوا حكومة عظيمة، مثل بريطانية العظمى إن قيام بريطانيا بتدمير سلامة الشعب العربي؛ من أجل استبداله بأنفسهم يمكن أن يفعلوا ذلك بسهولة، خاصة عندما يصبحون الأغلبية في البلاد". كما حذر من أن إنشاء وطن يهودي في "محيط عربي" ليس له سابقة تاريخية، وسيجعل الأرض المقدسة خلفية دائمة للدم "من المستحيل وضع شعبين متميزين، يختلفان عن بعضهما البعض في كل مجال من مجالات حياتهما، في نفس البلد"، وكرر مطالبه الأساسية: إنهاء الانتداب، والتخلي عن الوطن الوطني، ووقف الهجرة وحظر بيع الأراضي، وعندما سألته اللجنة عن مصير 400 ألف يهودي موجود بالفعل في فلسطين، غامر بالقول "يجب أن نترك كل هذا للمستقبل"، وعند الضغط على ما إذا كانت البلاد قادرة على استيعابهم، كان رده قصيرًا "لا".
وفي الأيام اللاحقة، أدلى عرب أكثر بروزًا بشهادة مماثلة للحسيني، الذي انتقد بريطانيا على عدم التكافؤ الأساسي في الانتداب، وقال عوني عبد الهادي رئيس حزب الاستقلال: إن العرب لا يمكنهم التخلي عن "متر واحد"، ولا يمكن للدولة أن تتعامل مع مهاجر آخر، ورفض أن يجلس على نفس الطاولة مع الصهاينة، أو لمس طوابع الانتداب؛ لأنها جنبًا إلى جنب مع فلسطين كانت تحمل الحروف العبرية. وشهادة محمد عزة دروزة كانت مماثلة وكان جمال الحسيني، ابن أخ المفتي ورئيس منظمته السياسي، أحبط اللجنة من خلال تكرار المظالم الطويلة التي سمعتها بالفعل، وأثارها بإصراره على أن "الجوع بشرف كان أنبل من قبول نصف رغيف".
اعتقد قنصل العراق في فلسطين أن الأدلة العربية تفتقر إلى التفاصيل، وعلق وزير الخارجية إيدن قائلاً إنه حتى لو كانت الادعاءات العربية معقولة، فإن نبرتهم "المهتزة والتهديدية" جعلت أعضاء اللجنة يشعرون بالبرد، وأعرب المفوض السامي وايكهوب عن أسفه لأنه حتى عامين قبل ذلك، كان العديد من العرب معتدلين، بينما يسود "التطرف الآن" تحت قيادة المفتي، وزعم أن "الشهادة العربية كانت متذمرة وفجة".
كان شاهد العرب الأخير جورج أنطونيوس الذي ولد في لبنان، وترعرع في مصر وتلقى تعليمًا في كامبريدج، وأمضى عقدًا في قسم التربية والتعليم في فلسطين قبل أن يبدأ العمل في "الصحوة العربية"، وهو مؤرخ للحركة الوطنية العربية، وكان بليغًا وصلبًا، وشهادته حاسمة، ولكن اللورد بيل كان حريصًا على المغادرة وأعطاه ساعتين فقط، وقد هاجم أنطونيوس موقف الحكومة من اليهود والعرب؛ بأنها تصف الصهيونية والقومية العربية بعيدًا عن المساواة وبتحيز لليهود "الصهيوني هو رجل يتمتع تمامًا بالحق ويحق لكل نوع من الاحترام، القومي العربي هو الشيطان المتجسد، الثوري، الذي يتم التجسس عليه، ويراقبه الشك"، وزعم بيل في رده إنه سمع الشكوى العكسية من اليهود، وشدد أنطونيوس على أن المعارضة العربية للصهيونية لم تكن تمثل كراهية لليهود، بل هم يطمحون للاستقلال، واعتقد أنه لا يوجد حل وسط ممكن، وقال: "لقد كان العقل العربي طيلة تاريخه خاليًا بشكل منفرد من أي شيء مثل معاداة السامية، الذي هو كما نعلم جميعًا، اختراع أوروبي وليس عربيًا"، وأضاف إنه لا يمكن لأي شخص محترم أن ينظر إلى معاملة يهود أوروبا دون إهانة واحتقار، وقال إن من حق اليهود أن يبحثوا عن محرج، ولكن "ما يقوله العرب وأقوله معهم هو هذا: إذا كان هذا الانتصاف لا يمكن الحصول عليه إلا على حساب إحداث ضغوط مماثلة على شعب آخر، شعب هذا البلد، فلا، فلا يمكن القيام بذلك"، مع مرور الوقت، سارع أنطونيوس إلى استنتاجه بأنه تم ارتكاب ظلم عميق ضد الأشخاص الذين "كانت جريمتهم الوحيدة أنهم وطنيون يريدون أن يروا بلادهم تتطور وتتقدم، والذين يريدون رؤية تقاليدهم مثبتة ومزدهرة والذين يريدون أن يكونوا قادرين على حكم أنفسهم والعيش في حياة على أساس احترام الذات والكرامة في بلادهم"، مضيفًا "أعتقد أن أمام لجنتكم فرصة كبيرة أمامها، هذه الفرصة تحل نفسها في بذل الجهود لإزالة الظلم الكبير، وأعتقد أن هذا وحده يستحق القيام به؛ ربما تكون أنبل مهمة يمكن لأي إنسان أن يكرس لها نفسه"، ورد اللورد بيل: "شكراً لك سيد أنطونيوس، على البيان الشيق الذي أدليت به لنا"، و كانت آخر جلسة علنية للجنة في فلسطين، وخلال الأيام التالية غادر أعضاءها.
في القاهرة، التقت اللجنة لتبادل الانطباعات، وقال بيل؛ إن هدف الوطن القومي قد تغير منذ تأسيس الانتداب: بدلاً من مركز ثقافي، أصبح الآن ملجأ للملايين، ووافق نائبه، رومبولد: حدود الهجرة الأمريكية، صعود هتلر، والأزمات الاقتصادية في أوروبا الشرقية غيرت كل شيء، والمطالبات العربية بالحكومة التمثيلية كانت "قوية جدًا حقًا"، قرر المفوضون أن تقريرهم سيحدد بصراحة حدة المشكلة واستحالة حلها ضمن الانتداب الحالي، ولذلك قد يوصون بتدابير جذرية لفصل الشعبين؛ أطلقوا عليه "قطع نظيف".
العودة إلى إنجلترا والشهود النهائيين: جابوتنسكي وتشرشل
بالعودة إلى إنجلترا، اتصل المفوضون ببعض الشهود، ومنهم وايزمان وجابوتنسكي، وقد ردد وايزمان خطابه نفسه "جذر محنة اليهود هو كونهم في كل مكان أقلية، ولا توجد أغلبية، كما حذر من كارثتهم الوشيكة"، و "علينا إنقاذ الملايين "، حيث اختلفت وصفته: "دولة يهودية ذات سيادة".
وكانت الشهادة العامة الأخيرة هي شهادة جابوتنسكي، الزعيم التصحيحي الصهيوني الذي منعه البريطانيون من دخول فلسطين قبل سبع سنوات وقد اختلف موقفه من القومية العربية بشكل صارخ عن موقف وايزمان: فقد أصبح أكثر تعاطفًا وأقل مرونة، وقال "لدي شعور عميق بالقضية العربية"، مشيرًا إلى أن المحاكم نادرًا ما تنظر في القضايا التي تكون فيها العدالة كليًا من جانب أو آخر، لقد فهم أن أي شعب يفضل أن يكون أغلبية وليس أقلية، و"يجب أن تضم فلسطين على كلا ضفتي نهر الأردن عدة ملايين من اليهود، ما لا أنكره هو أن عرب فلسطين في تلك العملية سيصبحون أقلية بالضرورة... ما أنكره هو تلك المشقة، هذه ليست مشقة على أي عرق، أي أمة، تمتلك الكثير من الدول الوطنية الآن والعديد من الدول الوطنية في المستقبل، جزء واحد، فرع واحد من هذا العرق، وليس فرعًا كبيرًا، يجب أن يعيش في دولة شخص آخر". ونفى جابوتنسكي أن تحقيق وعد بلفور يعني حربًا لا نهاية لها: "قل للعرب الحقيقة، ومن ثم سترى العرب معقولين، العربي ذكي، وعادل"، كان مدحه مختصرًا، وعندما سئل عما إذا كان ينبغي للحكومة مواصلة التشاور مع العرب بشأن مستقبل فلسطين، أجاب جابوتنسكي ببساطة: "لا شيء"، "لا شيء؟" وكرر "لا شيء"، وجادل بأن وعد بلفور أُعطي لليهود، وتمت صياغة الانتداب بشكل مستقل عن موقف العرب وإذا لم تعد بريطانيا ترغب في متابعة هذا الانتداب، فيجب أن تمنحها لقوة أخرى، ولكن يجب ألا تتظاهر بأنها كانت تفي بالتزاماتها، وقال "لا، لا يمكن القيام بذلك "و "هذه ليست لعبة الكريكيت".
وبعد شهر استدعت اللجنة ونستون تشرشل لشهادة سرية، كان بطل الصهيونية الذي لا يتزعزع في وستمنستر، من المعجبين باليهود مدى الحياة، وقد كتب قبل عقود "بعض الناس يحبون اليهود والبعض الآخر لا، ولكن لا يمكن لأي رجل يدرسهم أن يشك في أنهم يتجاوزون كل شيء؛ الشك في أنهم العرق الأشد والأكثر روعة الذي ظهر على الإطلاق في العالم"، لكن الصهيونية في تشرشل عكست أيضًا مقدار ازدرائه للإسلام والمخلصين له، وكتب في العشرينيات من عمره بعد أول غزوة له في الأراضي الإسلامية: "لا توجد قوة رجعية أقوى في العالم"، قال: "قد يُظهر الأفراد المسلمون صفات رائعة"، لكن "حقيقة أنه في القانون المحمدي يجب أن تنتمي كل امرأة إلى رجل ما كممتلكاته المطلقة - إما كطفل أو زوجة أو محظية - يجب أن تؤخر الانقراض النهائي لـ العبودية حتى يتوقف الإسلام عن كونه قوة عظمى".
وكان وايزمان قد سجل بلغة تقريبية هنا أن تشرشل كان لديه "رأي مهين عن العرب عمومًا"، وفي 12 آذار/مارس، التقى تشرشل بالمفوضين لشهادة سرية، قدمها بعبارات قتالية مميزة، وبقيت نسخة منسية إلى حد كبير في أوراقه الغزيرة، وزعم "كان اليهود هم السكان الأصليون لفلسطين"، وقال إن إبقاء اليهود أقلية سيكون مخالفًا لإعلان بلفور، وفي يوم ما، على مدى أجيال أو ربما قرون، "قد تكون هناك دولة فلسطينية كبيرة، تكون فيها أغلبية كبيرة من السكان يهودًا... قد تكون هناك دولة يهودية كبيرة هناك، يصل عدد سكانها إلى ملايين، تفوق بكثير السكان الحاليين للبلد، وحرمانهم من ذلك سيكون خطأ"، وأصر على الولاء وعلى حسن نية إنجلترا تجاه اليهود.. وسأله رومبولد عما إذا كان يعلم أن العرب بنوا حضارة رائعة مزدهرة في الأندلس فقال: "أنا سعيد لأنهم طردوا"، وقال إن فلسطين هي "سؤال حول أي حضارة تفضل"، ولكنه قال: إن الصهاينة لاينجون من اللوم؛ بسبب إصرارهم "الأحمق" على العمل العبري حصريًا، ولكن كان من الجيد للعالم أن يتم تطوير فلسطين، وكان اليهود وحدهم من يفعل ذلك.
وحول رد فعل العرب على الهجرة قال: "يجب ألا تستسلم لتفشي الغضب؛ يجب عليك قمعهم"، ويجب عدم تحويل بريطانيا عن هدفها الأساسي: توطين أكبر عدد ممكن من اليهود في البلاد دون إزعاج حياتها الاقتصادية، إذا لم تستطع، فعليها التخلي عن الانتداب، وأضاف "أنا لا أعترف بأن الكلب في المذود له الحق النهائي في المذود، على الرغم من أنه قد ظل هناك لفترة طويلة جدًا، أنا لا أعترف بهذا الحق، أنا لا أعترف، على سبيل المثال، بأنه قد تم ارتكاب خطأ كبير ضد الهنود الحمر في أمريكا، أو السود في أستراليا، أنا لا أعترف بأنه قد تم ارتكاب خطأ ضد هؤلاء الأشخاص من خلال حقيقة أن المتسابق الأقوى، أو من الدرجة الأعلى، أو على أي حال، الأكثر حكمة على مستوى العالم، قد جاء وأخذ مكانه، أنا لا أعترف بذلك، لا أعتقد أن الهنود الحمر لهم الحق في أن يقولوا "القارة الأمريكية ملك لنا ولن يكون هناك أي من هؤلاء المستوطنين الأوروبيين يأتون إلى هنا،" لم يكن لديهم الحق ولا السلطة"، وبعد أربعة أيام كتب إلى بيل طالبًا تأكيدات بأن شهادته لن تظهر في التقرير، ولا حتى في الأدلة السرية المقدمة إلى المفوضين: "لقد أكدت لي أن حديثنا كان سريًا وخاصًا ... كانت هناك بعض الإشارات إلى الجنسيات التي لن تكون مناسبة للظهور في سجل دائم".
يوم 11أيار/ مايو توج جورج السادس منهيًا الأزمة التي أحدثها عزل أخيه قبل نصف عام، وتدفقت رسائل من فلسطين إلى صاحب العهد الجديد، وعبرت اللجنة الوطنية الفلسطينية عن رغبتها في أن يدشن عهد الملك عصر "الحرية والخلاص" العربي في أرضهم! وبعد التتويج استقال ستانلي بالدوين من منصبه كرئيس للوزراء، وهو نفسه كان ضحية التنازل عن العرش، ونصح الملك الجديد باستبداله بوزير الخزانة، نيفيل تشامبرلين.
في حزيران/ يونيو، استضاف الزعيم الليبرالي أرشيبالد سينكلير وايزمان وحفنة من السياسيين الموالين للصهيونية، لتناول العشاء، وكان تقرير بيل جاهزًا تقريبًا، وانتشرت شائعات بأنه سيوصي بإنهاء الانتداب وتقسيم فلسطين، وحذر زعيم حزب العمال كليمنت أتلي من أن إنهاء الانتداب؛ سيكون ضربة لبريطانيا وانتصارًا للفاشية ونهاية "التجربة الصهيونية العظيمة"، سيكون تنازلاً للعنف، ولم يكن يريد أي جزء من التقرير، ووافق سنكلير، وترافع تشرشل لمدة ثلاث ساعات لصالح الصهيونية وضد حكومة تشامبرلين، وكان يرى بأنه "كانت الدولة اليهودية المقترحة سرابًا - بمجرد أن بدأ العرب في المشاكل مرة أخرى، سيتراجع وايتهول، كان لليهود خيار واحد: "المثابرة، المثابرة، المثابرة!"
قال تشرشل لـ وايزمان "إذا طلبت منا أن نقاتل، سنحارب مثل النمور" و نقل وايزمان الأحداث إلى ابنة أخت بلفور بافي: كان تشرشل "بأسلوبه الأكثر ذكاءً، ولكنه في حالة سكر للغاية".
صراع لا يمكن كبحه
استمرت اللجنة خمسة أشهر كاملة في صياغة تقريرها، بسرية تامة، حتى أنه لم يتم عرضه على الرئيس فرانكلين روزفلت سوى قبل يوم واحد من نشره ، وهذا أغضب روزفلت، ولكنه أغضب وايزمن لسبب آخر هو أنه لم يرغب بأن تقدم نسخة مسبقة للأمريكيين حتى لو كانت قبل النشر بيوم واحد، وما سيسجله التاريخ هو أن تقرير بيل، المكون من 400 صفحة كان في الواقع أكثر من أي شيء عمل كوبلاند، الأكاديمي الوحيد للجنة، وفي 7 تموز عشر 1937 طرح للعامة، ونشأ صراع لا يمكن كبحه في فلسطين.
وقد مال تأطير تقرير اللجنة نحو الصهاينة، كنتيجة مباشرة لاستثمارهم الأكبر في التحضير والشهادة والضغط، وقال التقرير "بلا شك" كان الغرض الأساسي من الانتداب هو تأسيس الوطن القومي اليهودي، لكن هذا المشروع استند إلى الأمل في أن تضعف العداء العربي للصهيونية مع التطور اليهودي لبلد "متخلف"، كان ينبغي أن يكون واضحًا أن "وضعًا محرجًا جدًا" سيظهر إذا ثبت أن هذا الافتراض الأساسي خاطئ. وألقت اللجنة باللوم على نطاق واسع، لمنح الحكومة الكثير من السلطة للحج أمين، مع دوره التوأم في المفتي الأكبر ورئيس المجلس الإسلامي الأعلى، وتشجيعه على الإضراب والفشل في دحض "الإرهاب"، يعني أنه يجب أن يتحمل "حصة كاملة من المسؤولية" عن المذبحة، حسب الزعم.
ولم يفلت الصهاينة من اللوم، حيث حسب اللجنة كان لليهود الحق الكامل في دخول الباب الذي أُجبروا على فتحه في فلسطين، لقد فعلوا ذلك بموافقة وتشجيع عصبة الأمم والولايات المتحدة الأمريكية، ولكن بفعلهم ذلك أغلقوا أبواب العالم العربي الأخرى ضدهم، وزعم أن الصهيونية هي "مثال يهودي بحت، بالكاد يدخل العرب إلى الصورة؛ إلا عندما يفرضون الدخول بالعنف، وعندما يجف الدم، ينسى اليهود العرب مرة أخرى" ورأى أيضا أن بعض اليهود تصرفوا كما لو كانوا "أعضاء من عرق متفوق، مُقَدَّر قبل فترة طويلة ليكونوا أسياد البلاد"، ولكن وإذا كان المفوضون يعتقدون خلاف ذلك، فإنهم بالكاد أظهروا ذلك: زاعمين أن العرب يعيشون في الماضي، متأخرين "بقرون عن اليهود المتعلمين والواسعين وذوي العقلية الغربية"، وبزعمهم كان اليهود "عرقًا شديد الذكاء والمغامرة" ولكن كان "العرب على مستوى ثقافي مختلف"، حسب التقرير الذي قال إن أي محاولة للجمع بين "حضارتين عمليًا" في نظام واحد، كان من المحتم أن تواجه عقبات، ولكن "عندما اندلعت اضطرابات العام الماضي (1936)، كانت على نطاق غير مسبوق: أطول أمدًا وأكثر انتشارًا وأفضل تنظيمًا - ليس أعمال شغب ولكن "تمرد مفتوح"، وللمرة الأولى، لم تجذب فلسطين الاهتمام فحسب، بل المشاركة العسكرية والسياسية للشرق الأوسط العربي".
وقد رفض المفوضون المطالب العربية بإغلاق بوابات فلسطين، وظل تسهيل الهجرة اليهودية التزامًا دوليًا ملزمًا، لكنهم أوصوا بتحديد الرقم بـ 12000 سنويًا لمدة خمس سنوات، وكان هذا الانخفاض الكبير - سدس مستوى 1935 - الإنجاز الرئيسي للثورة العربية حتى تلك اللحظة، ومع ذلك، حدد التقرير أن تخفيف الهجرة لن يعالج المرض من مصدره. وزعمت اللجنة أن "الأمل الوحيد في العلاج يكمن في العملية الجراحية... يبدو أن التقسيم يوفر فرصة على الأقل لسلام نهائي، لا يمكننا رؤية أي شيء في أي خطة أخرى، وكان المبدأ التوجيهي هو أن تركزات الأراضي المملوكة للصهيونية يجب أن تذهب لليهود، والباقي للعرب، بينما سيحتفظ التاج أيضًا بأقدس أراضٍ في فلسطين - القدس و بيت لحم - مع ممر إلى البحر شمال يافا مباشرة (ستنضم المدينة نفسها إلى الدولة العربية، وستدفع الدولة اليهودية وبريطانيا إعانات منتظمة للدولة العربية للتعويض عن الضرائب المخفضة الآن، بعد أن يقع الجزء الأكبر من الاقتصاد الفلسطيني خارج النظام السياسي العربي.
في اليوم التالي أقرت حكومة صاحب الجلالة المبادئ الرئيسية للتقرير: سيحصل العرب على استقلالهم الوطني، وبالتالي سيتم تمكينهم من التعاون على قدم المساواة مع عرب الدول المجاورة في قضية الوحدة العربية والتقدم... سيحول البيت القومي اليهودي إلى دولة يهودية مع سيطرة كاملة على الهجرة... سيتوقف اليهود أخيرًا عن العيش "حياة أقلية"، وبالتالي سيتحقق الهدف الأساسي للصهيونية... سيحصل الشعبان، على حد تعبير اللجنة، على "نعمة السلام التي لا تقدر بثمن"!

