Menu

الكاظمى يواجه مبكراً معركة حسم الولاءات

د. محمد السعيد إدريس

نقلاً عن الخليج الاماراتية

على الرغم من أجواء التفاؤل التى أشاعها تخصيص رئيس الحكومة العراقية الجديد مصطفى الكاظمى أولى اجتماعاته، بعد موافقة مجلس النواب العراقى (البرلمان) يوم الخميس (7/5/2020) على منح الثقة لحكومته، بلقاء سفيرى إيران والولايات المتحدة، ثم تلقى هذا التفاؤل دعماً إضافياً بالاتصال الهاتفى الذى تلقاه الكاظمى من الرئيس الأمريكى دونالد ترامب (11/5/2020) فإن استمرار التنازع بين الكتل السياسية على الوزارات السبع التى مازالت خالية فى حكومة الكاظمى ومنها وزارتان سياديتان (الخارجية والنفط)، ثم عودة الحراك الشعبى مجدداً إلى التظاهر ضد الحكومة الجديدة، أو بالأحرى الحكومة الوليدة يؤكد على حقيقة مهمة هى أن أزمة العراق المتجذرة فى بنية النظام الذى تأسس كأحد أهم مخرجات الاحتلال الأمريكى للعراق بعد غزوه عام 2003 ستبقى أزمة مركبة بين ضغوط الخارج خاصة بين كل من إيران والولايات المتحدة المتصارعتان على نفوذهما فى العراق وبين التحديات الداخلية والأزمات المتولدة من هذه التحديات ابتداءً من نظام المحاصصة السياسية على أسس طائفية وعرقية وحزبية والخطر المتزايد لوجود الميليشيات المسلحة التى تمتلك ترسانات من الأسلحة تهدد بها هيبة الدولة واستقرارها وتستخدم باتجاهين الأول خدمة مصالح أطراف خارجية فى العراق، وتنفيذ أطماع كتل سياسية بالتمكن من السلطة، ما أدى من ناحية أخرى إلى تفشى الفساد ووجود مرتكزات قوية لحمايته.

لغة وعودة المتظاهرين إلى ساحات التظاهر رغم كل القيود التى فرضها انتشار فيروس كورونا ورغم تعجيل رئيس الحكومة بالتحرك فى الاتجاه الذى يريده الحراك الشعبى فى أكثر من مجال يضع الكاظمى أمام أهم تحدياته، بعد أن عول على كونه "مرشح الحراك الشعبى" وأنه لا يرتكز إلى "قاعدة" و"كتلة سياسية"، ومن ثم فإنه سيكون مطالباً بجدية الحصول على دعم هذا الحراك لأن البديل أمامه هو أن يعود كسابقيه من رؤساء الحكومات إلى التعويل على "استرضاء" الكتل السياسية، ومن ثم تأكيد فشله بنفسه فى حل مشاكل العراق وأزماته، خصوصاً وأنه قد وعد فى كلمته التى ألقاها بعد نيل ثقة البرلمان بأن تكون حكومته "حكومة حل لا حكومة أزمات".

يدرك الكاظمى، الذى جاء كرئيس للحكومة بما يمكن وصفه بأنه "توافق الضرورة" بين واشنطن وطهران، أن الكتل والقوى السياسية تتربص به، وخاصة الكتل الشيعية "الولائية" (أى التى توالى إيران) وميليشياتها، وأن التوجه إلى إجراء انتخابات عامة مبكرة سيكون فرصة لهذه الكتل والقوى السياسية لكسب إعادة انتخابها من خلال جعل نفسها "رأس حربة" موجهة ضد الكاظمى وحكومته لكسب الشارع الانتخابى، كما يدرك أن استكمال حكومته سيبقى رهناً بالرضاء الذى سيحصل عليه من هذه الأطراف، لكن الأهم أنه يدرك ما هو أصعب وهو أن الحراك الشعبى من ناحية والكتل والأحزاب السياسية يقفان الآن نقيضين لبعضهما حيث يطالب الحراك الشعبى بإسقاط "الطبقة السياسية الحاكمة" وإنهاء نظام حكم "المحاصصة السياسية" وتأسيس نظام حكم مدنى ديمقراطى قائم على أساس "مبدأ المواطنة" ومحاربة الفساد والفاسدين ومحاكمة المتورطين بقتل متظاهرى الحراك الشعبى فى كافة ساحات التظاهر وهى كلها مطالب تجعل من مصطفى الكاظمى وحكومته فى حال تبنى هذه المطالب والشروع فى تنفيذها طرفاً أساسياً فى "صراع وجودى" مع هذه الكتل والقوى السياسية التى هى، فى ذاتها، تشكل الطبقة الحاكمة فى العراق المطلوب إسقاطها.

هذا يعنى أن على الكاظمى أن يحدد ولاءاته وأن يعلن هو مع من: مع "الحراك الشعبى"الذى بات يمثل الشارع السياسي فى العراق بل أضحى يمثل المستقبل العراقى، أم مع الحفاظ على "الدولة العميقة" والطبقة السياسية الحاكمة والدفاع عن مصالحها.

حتى الآن يمكن القول أن الكاظمى كرئيس سابق للاستخبارات العراقية يبدو حريصاً على الإمساك بمنتصف العصا لأنه، وإن كان لا يستطيع إرضاء الطرفين المتصارعين فإنه لا يستطيع الصراع ضدهما، ولكن الواضح أكثر ، ومن خلال أولى مؤشرات أدائه، يبدو حريصاً على نيل ثقة الشارع السياسى والحراك الشعبى، وقد ظهر ذلك واضحاً من خلال العديد من المؤشرات أبرزها؛ إتخاذ خطوات أولية فى الطريق الوعر لمحاربة الفساد، واستعادة هيبة الدولة من خلال التصدى لتجاوزات الميليشيات، وإطلاق سراح السجناء من المتظاهرين والتصدى بجدية للأزمة الاقتصادية والاستجابة لمطالب الحراك الشعبى بتحسين الأوضاع المعيشية جنباً إلى جنب مع التحرك الجاد باتجاه الإعداد لإجراء الانتخابات العراقية.

فقد اختار الكاظمى "دائرة التقاعد العامة" ليصدر منها تحذيراته بمحاربة الفساد وبدأ بشقيقه الذى حذره فى مكالمة من هاتفه الجوال بمكتب رئيس دائرة التقاعد العامة، من استغلال اسم شقيقه كرئيس للحكومة فى مصالح خاصة، كخطوة مهمة لمحاربة "الوساطات" باسم كبار المسؤولين، كما أصدر قراراً من داخل هذه الدائرة بصرف الرواتب التقاعدية (رواتب المتقاعدين) لنحو أكثر من 3 ملايين عراقى كانت قد حجبتها حكومة عادل عبد المهدى المقالة. وتلا هذه الخطوة قرار إطلاق سراح السجناء من المتظاهرين وبادر بتشكيل لجنة حقائق بشأن المظاهرات وهو أحد أهم مطالب المتظاهرين، وبالتحديد التحقيق فى جرائم قتل المتظاهرين ومحاسبة المتورطين، ثم إقالة اللواء عبد الكريم خلف المتحدة العسكرى باسم القائد العام للقوات المسلحة (رئيس الحكومة)وعين مكانه العميد يحيى رسول المتحدث السابق باسم "خلية الإعلام الأمنى" بدلاً منه، وكانت إقالة اللواء خلف هى الأخرى من أبرز مطالب الحراك الشعبى لأنه كان دائماً ينفى سقوط ضحايا وجرحى فى الاحتجاجات الشعبية وجاءت خطوة إقتحام قوات الأمن لأحد مبانى منظمة "ثأر الله" واعتقال كل من فيه بعد إطلاقهم النار على متظاهرين يوم الأحد الفائت.

رغم هذا كله تجددت التظاهرات فى الميادين والأرجح أنها سوف تتصاعد وهذا سيضع الكاظمى أمام أصعب تحدياته بأن يحدد ولاءه لمن: هل للشارع السياسى ومطالبه التى يعبر عنها "الحراك الشعبى" فى ميادين التظاهر، أم للطبقة السياسية الحاكمة، خصوصاً وأن كل منهما يطرح مطالب جذرية لا تقبل المساومة. فالحراك يطالب باستعادة هيبة الدولة. ونزع أسلحة الميليشيات، ومحاربة جادة للفساد وإسقاط الطبقة الحاكمة، والطبقة الحاكمة متشبثة بمكاسبها ولن تتخلى بسهولة عن أدواتها التى تمارس بها سطوتها سواء كانت الميليشيات أم جماعات الفساد. المشكلة أن حسم الولاء لأى من الطرفين لا تؤمن النجاح الكامل للكاظمى إذا لم يكن قد أمن حسم معركة الصراع الدائر بين طهران وواشنطن على أرض العراق.