Menu

القضية 72 .. فلسطينية الاسم

سمير دياب

خاص بوابة الهدف

يحمل مفتاح الديار ويحلم بالعودة، ينتظر حيناً ويقتحم حيناً آخر، لكنه لم يصل بعد، يسلم الراية إلى الأبناء بعد نضال السنين ولا يستسلم، يخاف أن يغفو، لكنه لا يخشى الاعتقال والشهادة وتحقيق الحلم؛ ليفتح منازل العائدين ويزرع أراضي اللاجئين ويتنشق هواء حرية فلسطين.

يتكأ طفل الأرض على وسادة حجارته ويفتح على فصل "ما بعد النكبة" من كتاب فلسطين... ودبت النخوة العربية، وهبت روح الثورة في العروق، وحملت لواء القضية وحلم اللاجئين في العودة وتقرير المصير وإقامة الدولة الوطنية المستقلة وعاصمتها القدس . رقصت فلسطين فرحاً، وزغردت الثورة رشقاً، وانطلقت شرارة الكفاح لتضيء سماء القارات، لكن سهام الحرية لم توفق باجتياز حدود الـ67 لإصابتها بنكسة عربية قادتها نخية غير ثورية، أسفرت عن تتويج النكبة بنكسة، والتهاب مشاعر أنظمة الذل والبؤس العربية التي احتجبت عن القيام بمهامها، وحجبت مهام الثورة وحجمتها، واعتقلت ألسنة العمال والفلاحين والمثقفين الثوريين وسلبت خبز الفقراء وكرامتهم وأحلامهم، وأقامت أبراجاً عالية باسم ثورة تحرير فلسطين.. وانتفضت الثورة الفلسطينية على نفسها وتجذرت. اختلفت فصائلها مع بعضها في الايدولوجيا والأبعاد الاستراتيجية.. واتفقت على الثوابت الاساسية وطريق الكفاح المسلح تحت مظلة منظمة التحرير، وعندما اقتربت الثورة من فلسطين المحتلة، كانت الرجعية العربية تخضعها لامتحان عسير وتلقنها فنون التحجيم؛ فمجازر أيلول الأسود في السبعين كانت برقية أردنية عاجلة ممهورة بالنار والدم لتقليم أظافر الثورة الفلسطينية والخضوع للقرار الدولي 242/67 بديلاً عن القرار الدولي 194/48.

كان لبنان– سويسرا الشرق يلتزم النأي السياسي عن الصراع العربي – الصهيوني، وكان مخزناً ومربعاً لرؤوس الأموال النفطية والمبيًضة في بنوك الاقتصاد الحر المتنعمة بنظام برجوازي سياسي ضليع في تبعيته ومنتجاته الطائفية، لكن ساحاته الوطنية كانت تعج بالنضال السياسي والعمالي والطلابي، وتضج بالثقافة الثورية؛ من خلال طليعة شيوعية ويسارية وقومية وناصرية.. تتقدم صفوفها قوات الأنصار الشيوعية في الجنوب بعد تنظيم الحرس الشعبي التزاماً بالقضية الوطنية والفلسطينية والقومية العربية في النضال من أجل التحرير، وبالقضية الطبقية في النضال من أجل التغيير.

المشروع الوطني التحرري هذا، أزعج نظام المنافع والخدمات اليميني الذي أعلن الحرب الأهلية لوقف زحف تقدم المشروع الوطني الديمقراطي.. قاتلت بيروت من أجل وحدة لبنان وعروبته وديمقراطيته، ومن أجل فلسطين، ولم تستسلم للانعزال والتقسيم والتطييف، وكلما اشتد عودها الوطني اجتمعت ضد قواتها المشتركة اللبنانية – الفلسطينية ذئاب المؤامرة، خاصة بعد أن حاصر العدو الصهيوني العاصمة بيروت صيف 1982 لمئة يوم على مرأى من العالم.. انتهت باتفاق أميركي قضى بإبعاد منظمة التحرير ومغادرة ثوار فلسطين بحراً من بيروت إلى تونس تمهيداً لارتكاب أفظع مجزرة صهونية وفاشية في صبرا وشاتيلا .

بقيت بيروت عربية أصيلة، وولادةً للحرية والتحرير؛ فأنجبت جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية في أيلول 1982، وأكملت طريق مقاومتها التحريرية حتى إعلان يوم النصر التاريخي الكبير على العدو الصهيوني، وتحرير الأرض في 25 أيار عام 2000 . أما الثورة الفلسطينية فقد جرفتها رياح أوسلو 1993 نحو متاهات لعبة "السلام"، لتبدأ بعدها مرحلة سلطة "العكاز" الفلسطينية، ثم سلطة "العكازين" لتسبح ثقافة أوسلو في أحواض أصحاب الثورات المخملية وقبضات تجار العقول، لتصبح المقاومة هي خيانة لحق العودة وتقرير المصير وإقامة الدولة الوطنية المستقلة وعاصمتها القدس، ومفاوضات السلام هي مفتاح حل القضية ولو على شارعين في أبو ديس. ولما اختلف "العكازان" وتفرق أخوة السلاح والنضال على حصص السلطة.. وقعا معاً، وأصبحا فريسة ذئب الإدارة الاميركية ترامب، الذي كشر عن أنياب "صفقة القرن" تمهيداً لالتهام القضية وتهويد فلسطين وعاصمتها القدس.

*****
لا يمكن الابتعاد عن القضية 72 - فلسطين، ولا يمكن الغاء حق العودة، لا بقرارات دولية، ولا بمفاوضات رجعية، ولا بصفقات تصفوية؛ فالقرار الوحيد والصفقة النموذجية الوحيدة التي أثبتها الشعب الفلسطيني عبر 72 عاماً من النضال والكفاح بأطفاله ونسائه وشيوخه وشهدائه وأسراه.. هي صفقة النضال والمقاومة لتحرير فلسطين وعاصمتها القدس العربية.

لقد جرب العدو الصهيوني وأسياده وأذياله كل الحيل لثني هذا الشعب المقاوم الصامد للتنازل عن شبر واحد من أرضه.. واستخدم كل وسائل التهجير والتشريد والتقطيع والقتل والهدم والتعذيب.. وارتكب أفظع الجرائم بحق الإنسانية، منذ عام 1948 لحد اليوم.. لكن القرار بقي واحداً: الصمود ثم الصمود والمقاومة بكل الوسائل المتاحة؛ من الحجارة والأمعاء الخاوية إلى الكفاح والمقاومة الوطنية الشاملة.

القضية 72.. فلسطينية الاسم والجذر.. ما زالت فتية، وقادرة على فعل المستحيل.. فالشعب الفلسطيني هو المستحيل، وقضيته لا تحتمل التأويل أو التحوير أو التخدير، هي قضية فلسطين العربية، وكل عربي يعتبر فلسطين قضيته، وهي قضية كل أممي يعتبر أن تحرير فلسطين قضيته؛ فالصراع تاريخي، وله بعدين وطني وطبقي. فتحرير فلسطين لا يمر إلا عبر قناة مشروع التحرر الوطني العربي الشامل، ولتحقيق هذا المشروع؛ تقوم الثورات والانتفاضات وجبهات المقاومة وتتوحد ساحات النضال الوطنية والقومية.

72 عاماً على النكبة، وبعد.. لن تنام فلسطين، ولن تبرح مكانها، قبل أن تحتضن كل أولادها.. تحية حب للثورة والمقاومة والحجارة والأمعاء الخاوية.. وتحية لكل أحلام شهداء القضية وأسراها من أجل التحرير.