Menu

قلق الهوية

نائل بلعاوي

تتشابه أسئلة الهوية، عادة، مع غيرها من الأسئلة الصارخة للأنا، وتفعل فعلها هناك. تُقلقها، أو تُروضها. تُهيجها، أو تطيح بأسباب توترها. ولا تترك لها فرصة للتخلص، وعلى نحو صارم ونهائي، من سطوة تلك الأسئلة التي تجتمع على تمثيل مآزقها الوجودي وتشعب تضاريسه. ذلك المأزق الذي يعود على الأنا، حين تفقد أدوات صدّه، بعديد الأهوال والمتاعب: العزلة، الانفصام، وظلام الكآبة، ثم التمترس الهجين خلف أنواع المخاوف، أو تحت ظلها.

لا تكف الأنا، منذ تكونت، عن منازلة عدوها التاريخي واللدود، وفي عقر دارها: القلق، قلق العيش، الاستمرار، والانسجام مع المحيط، أو الاندماج فيه. ولا تعرف الأنا، في أكثر الأحيان، كيف تهزمه وتقضي عليه. فتبحث عندها عن وسائل تعينها في حربها المصيرية هذه: تذهب إلى الطبيب. تبتلع العديد والغريب من الحبوب المهدئة وأنواع المسكنات. وقد ترقد لأيام أو أسابيع في مصحة للأمراض النفسية. وقد تعود إلى سلامها الداخلي، أو لا تعود. ولكنها، بعيدا عن مآلات حربها وأشكال نهاياتها، لا تخوض الأنا في النهاية سوى حربها هي. شخصية الأدوات. محددة الأعراض والنتائج. وعلى جبهة صغيرة لا تمتد إلى خارجها ولا تشعل جبهات أخرى.

حرب الأنا مع الأسئلة التي يشعلها القلق ويحيلها إلى أمراض، هي الحرب الصغيرة التي تختلف قلبا وقالبا عن تلك المدمرة والكبيرة التي تشعلها الأنا حين تشرع باكتشاف هويتها والدفاع عن نفسها في وجه عدو خارجي يقابلها. يهددها ويتناقض معها ويتربص بها. أو هكذا تعتقد.

ذلك العدو، هو: الآخر. عكسها المفترض. وذلك الآخر هو ناتج بحث الأنا عن أجوبة لتلك الأسئلة التي يخلقها قلق الإحساس بمخاطر البقاء. إنها المخاطر، أو قلق الإحساس بها، بعبارة أدق، هي التي تصنع الفارق بين حرب الأنا الأولى مع هواجسها المعتادة. وبين حربها الثانية والأهم مع الآخر: المهدد المنتظر لهويتها، كيانها المقدس.

في هذه الحرب المميتة الثانية (حرب البقاء) تنبت للهوية/ الأنا، مخالبها الحادة. تصير عنيفة وشرسة. قادرة على إشعال الحروب الأهلية والصراعات المدمرة، بقدر قدرتها على إلغاء الآخر وتحويله إلى مجرد كائن مفترس بملامح مختلفة ولسان مختلف وعادات مختلفة. مختلفة عنها هي، بالطبع، ليس أكثر.

لا تعرف الهوية تلك، وقت تحولها إلى سيف مسلط، أن اختلاف الآخر عنها هو ناتج رؤيتها هي لذلك الآخر. فهي التي تفتش في الزميل والجار وعابر الطريق. شريك ذات الجغرافيا عموما. عما يميزه عنها: لون جلده. طبيعة لسانه. أو ما يؤمن به. وهي التي تجعله، حين تفتش فيه: مختلفا. لا يشبه لسانها ولا لون جلدتها. ولا يؤمن بما تؤمن به. فتقوم على الفور بتحويله إلى النقيض. والعدو الأكيد.

تتشابه الأسئلة التي تشكل مجتمعة أسبابا تلد القلق في الأغوار السحيقة للأنا. كما يتحول القلق ذاته إلى مصدر مرعب ينتج الأمراض النفسية على اختلاف صفاته. ولكن قلق الهوية مختلف. هو أكثر شراسة وأشدّ تعقيدا. وهو الحامل لإمكانية انتقاله إلى طور الفتك بالآخر، لأنه العدو المتخيل. ولنا، على هذه الأرض، منذ عرفناها، ما يدل على هذه الحقيقة العنيفة.

المصدر: العرب