Menu

متى تخرج الأمة من نكباتها؟

رضي الموسوي

القمة العربية.jpg

نُشر هذا المقال في العدد 14 من مجلة الهدف الرقمية

 "إن هذه الأرض هي أرضنا وأن هذا البلد هو بلدنا منذ آلاف السنين، فبأي حق وبأي شريعة تُسلب الأرض من سكانها الأصليين؟"

)الحكيم جورج حبش ، كتاب الثوريون لا يموتون أبدًا)

تحل هذه الأيام على الشعب الفلسطيني والشعوب العربية ذكرى مشؤومة هي ذكرى النكبة، التي تواطأت فيها القوى الاستعمارية تحت قبة الأمم المتحدة لينطبق عليها القول "منح من لا يملك لمن لايستحق"، لتدخل المنطقة العربية في نفق لم تخرج منه حتى اللحظة بعد مرور 72 عامًا على النكبة وتأسيس الدولة الصهيونية العنصرية على أرض فلسطين.

في هذه الأيام، تشحذ الذاكرة مخزونها وتكشف عن تاريخ مليئ بالمحطات والمفاصل والدروس ودروب الآلام التي رسمت حاضر الأمة العربية ومستقبلها. سبعة عقود ونيف مرت ولا يزال حلم التحرير والعودة للبيت العتيق في القدس ويافا وصفد يراود طلائع الأمة المثخنة بجراحاتها ومآسيها التي لا تنتهي.

تحضر في هذه الذكرى بطولات الفدائيين وقوافل الشهداء الفلسطينيين والعرب واللاجئين والتضحيات الكبيرة التي قدمها الشعب الفلسطيني على طريق تحرير "كل شبر من تراب فلسطين"، كما كان الحكيم يردد دومًا، وتشييد الدولة الديمقراطية، دولة المواطنة. ورغم المشهد الرمادي القاتم، ثمة من لا يزال متمسكًا بالثوابت ويرفع الراية خفاقة عاليًا رفضًا للقرار الذي عبد الطريق للنكبة، قرار تقسيم فلسطين وتهويدها وإغراقها بالمستوطنين الذين تم جلبهم من مختلف أصقاع الدنيا ليحتلوا منازل الفلسطينيين، أهل الأرض الأصليين، وتشريدهم وإقامة الدولة الصهيونية على أغلب الأراضي الفلسطينية.

يقابل تلك التضحيات، الإمعان في التخاذل العربي، وحالة الذل والخنوع التي تلبسّت الأنظمة الرسمية العربية بتقاعسها عن القيام بمهامها وواجباتها تجاه القضية المركزية للأمة، وتمكين عصابات شتيرن والهاغانا وغيرهما من العصابات الصهيونية، من احتلال مدن وقرى وبلدات فلسطين، واحدة تلو الأخرى بدعم بريطاني وغربي صريح وتواطؤ رسمي عربي مع الانتداب البريطاني لفرض الأمر الواقع.

يوم نكبة الأمة العربية واحتلال فلسطين هو نفس اليوم الذي يحتفل فيه الصهاينة بإقامة دولتهم على انقاض القرى والمدن الفلسطينية وعلى أجساد الشهداء الذين سقطوا دفاعًا عن الأرض والعرض والمقدسات. كثيرون هم الذين وثّقوا اللحظة الفاصلة بين قرار التقسيم وبين النكبة، كل من زاويته الخاصة. وفي البحرين ، وثقت الممرضة شريفة الأمريكانية، وأسمها الحقيقي (كورنيلا دالنبرج) في كتابها "مذكرات شريفة الأمريكانية... قصة البعثة الأمريكية في البحرين 1922"، والتي خصصت في الفصل الرابع عشر من مذكراتها مساحة عن تقسيم فلسطين، وقامت مجلة (انوراما الخليج) البحرينية عام 1989 بترجمتها.. تقول شريفة أنه "في عام 1947 مُنعت السفينة (أس.أس.اكسودس) من الرسو في ميناء حيفا، وكانت تحمل 14500 مهاجرًا يهوديًا على ظهرها، وعزت سبب المنع إلى اضطرابات في فلسطين لكنها لم تُفصِل فيها. وعرجت قليلاً على الحديث عن جرائم الجنود الصهاينة في فلسطين، فسجلت في مذكراتها أن الصهاينة هجموا على إحدى القرى العربية وقتلوا 250 طفلاً ورجلاً وامرأةً. وتحدثت عن تداعيات النكبة على الأوضاع السياسية والاجتماعية بالبحرين في تلك الفترة التي عاشتها ممرضة مستشفى الإرسالية الأمريكية؛ كتبت: "أما في البحرين، فإن فكرة إقامة دولة يهودية قد حركت جميع أفراد الجالية اليهودية، ولكني (والكلام لكورنيلا-شريفة) لا أذكر حدوث أية هجمات ضد اليهود البحرينيين، وإن كانوا وقتها يشعرون بالخوف، ولعل ذلك كان يرجع لسبب وجودهم داخل المجتمع البحريني. لقد لاحظنا بأنهم (اليهود) بدأوا يبيعون ممتلكاتهم الواحد تلو الآخر ويغادرون البلاد، ما عدا العائلات الغنية جدًا، والتي عاشت في البحرين لسنين طويلة". وفي مقطع آخر، توثق الممرضة الأمريكية زاوية من زوايا الهجرة اليهودية لفلسطين، فتقول في مذكراتها: "لم يكن هناك ما يقف أمام الهجرة إلى فلسطين، فحتى الفتيات الصغيرات كن يذهبن إلى هناك للالتحاق بالجيش، حتى أن الآباء كانوا يرسلون أبنائهم للحرب ليخلصوا من أعبائهم المادية".. هكذا ترجموا عملية الاستيطان مدعومين من الانتداب البريطاني الذي ينفذ وعوده في إقامة الوطن اليهودي بناء على وعد بلفور المشؤوم سنة 1917.

لم تذكر شريفة الأمريكانية شيئًا عن المتطوعين البحرينيين الذين سارعوا للمساهمة في نجدة فلسطين وأهلها، ملبين نداء الواجب القومي والإنساني والديني. فالشعب البحريني جُبل على إيمان عميق بالقضية المركزية للأمة العربية، ولم يتردد في أي مفصل من مفاصل النضال الوطني الفلسطيني من القيام بواجباته تجاه هذه القضية التي "يدوزن" البحرينيون بوصلتهم عليها وعلى القدس منبت الرجال.

عايشت شريفة الأمريكانية قرار تقسيم فلسطين وإعلان الصهاينة عن تأسيس دولتهم في 15 مايو-أيار 1948 وزرع كيان استيطاني سرطاني في خاصرة الوطن العربي، تحول إلى جرح غائر في جسد الأمة، ولا يزال ينزف دون توقف منذ اثنين وسبعين سنة؛ تعطلت خلالها أغلب برامج التنمية، وتعثرت عملية تطور البلاد العربية وتقدمها على مختلف الصعد الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والتشريعية، بل انزلقت لمنحدرات خطيرة من الاقتتال الطائفي والفئوي وهربت من الاستحقاقات القومية إلى الحلول ال قطر ية-الفردية تعبيرًا عن حالة العجز الرسمي العربي وعدم القدرة على الخروج من هذا المأزق، مما زاد من تعثر برامج التنمية المستدامة باستمرار احتكار النظام الرسمي العربي للثروة والسلطة وعدم إشراك المواطنين في صياغة قرارهم الآني والمستقبلي، فزاد الفساد المالي والإداري وتضاعفت نسب البطالة والفقر والمرض والأمية، وتراجعت مستويات التعليم والصحة والخدمات العامة، وعمدت هذه النظم إلى تصدير أزماتها البنيوية فعلقت أسباب فشلها على شماعة التزاماتها القومية، وهي التي تخلت عنها منذ عقود وتحولت إلى متلقٍ لا يقرر مصير ما يجري في المنطقة العربية، ولا يسمح له المشاركة في صياغة حاضرها ومستقبلها.

بعد اثنين وسبعين عامًا على النكبة، تعاني البلدان العربية من واحدة من أسوأ الحقب التي مرت على هذه الأمة؛ من حيث التشرذم وتفتيت المُفتت وتجزئة المُجزء وغرق الدولة القُطريِة في أزمات مستعصية كي لا تلتفت إلى القضية الأم.. القضية الفلسطينية. لقد فشلت النظم العربية في تلبية الحد الأدنى من متطلبات مجتمعاتها، بما فيها الحفاظ على كرامتها وعزتها، إذ لم تعد أغلب هذه البلدان تتمتع باستقلالية قرارها الاقتصادي والسياسي و.. السيادي أيضًا. ولا يخفى على المتابع أن الولايات المتحدة الأمريكية تتحكم في مصائر معظم دولنا العربية وتفرض شروطًا غاية في الابتزاز والذل والمهانة التي تقشعر منها الأبدان، بما فيها استنزاف الثروات التي هي حق لشعوب المنطقة، ولا يحق للأنظمة التصرف فيها بالطريقة الكاريكاتورية التي تمارسها واشنطن على العديد من العواصم لدرجة تتحول الأخيرة إلى مادة تنذر يندى لها الجبين. وقد أدت معطيات التبعية العمياء والابتزاز، إلى تدهور الاوضاع الاقتصادية والاجتماعية والغرق في الديون، حيث يوضح صندوق النقد الدولي في تقرير له في شهر أبريل/نيسان الماضي "أن اقتصادات الدول العربية التي تعصف ببعضها النزاعات منذ سنوات طويلة، ستخسر مجتمعة 323 مليار دولار أو 12% من اقتصادها، بينها 259 مليار دولار في دول الخليج النفطية وحدها". ولفت إلى أن ديون الحكومات العربية سترتفع بنسبة 15% أو 190 مليار دولار هذا العام لتصل إلى 1.46 تريليون دولار".

إن سياسة الاستنزاف والتبعية شبه المطلقة التي تفرضها أمريكا على أغلب الأنظمة العربية قادت لأن تهندس ادارة ترامب ما تريد في الصراع العربي الصهيوني، وآخرها نقل السفارة الأمريكية للقدس والاعتراف بتبعية الجولان السوري المحتل للكيان، فضلاً عن الاعتراف بشرعية المستوطنات التي تُجزء وتقسم الضفة الغربية وتقضم أغلب المساحات فيها، في وقت يعاني شعب فلسطين في الأراضي المحتلة من سياسة مصادرة الأراضي وتجريفها وهدم المنازل وتهويد القدس وضرب أساسات المسجد الأقصى، وزيادة الحصار على قطاع غزة من جميع الاتجاهات، وذلك تمهيدًا لتزوير التاريخ بصورة أكثر بشاعة مما فعلت الحركة الصهيونية والدولة العنصرية التي أسستها العصابات الإرهابية. ربما أن هذه الأوضاع سهلت على الصهاينة أن يفرضوا معادلاتهم على النظم العربية فحاولوا تمرير صفقة القرن بدءًا مما أسموه بالورشة الاقتصادية التي عقدت في البحرين وفشلت في تمرير مآربها التطبيعية بسبب الرفض الفلسطيني القاطع، رغم الدعم اللامحدود من إدارة الرئيس الأمريكي، الذي يستميت للتجديد له في دورة انتخابية رئاسية ثانية مقررة في نوفمبر/تشرين الثاني المقبل. وبصعود الشعبويين في الإدارة الامريكية وتعميق نهج النازية الجديدة في الكيان وعدم قدرة دول الاتحاد الاوروبي الإفلات من السطوة الأمريكية شأنها في ذلك شأن الأمم المتحدة، وإهتراء أغلب النظم العربية الغنية وذات الثقل البشري، وغرق بلدان أخرى في الحروب الداخلية والإقليمية، في هذا الوقت يسعى الكيان لانتزاع أكبر قدر ممكن من المكاسب قبل الانتخابات الأمريكية المقبلة، بينما يواجه النظام الرسمي العربي رفضًا شعبيًا متصاعدًا حول مسألة التطبيع مع الكيان الصهيوني، رغم المحاولات البائسة والمتمثلة في تسيير زيارات "أهلية"، مسبقة التنظيم والتغطية المادية، لخليجيين قاموا في الأشهر الأخيرة بزيارة مدينة القدس والمسجد الاقصى، إضافة إلى تجيير الفن بهدف تزوير التاريخ وفرض مسلسلات رمضانية على المشاهد العربي تغير من خلالها النظرة للتطبيع من فعل خياني إلى وجهة نظر قابلة للنقاش؛ إلا أن هذا المسعى فشل أيضًا بفضل صمود الشعب الفلسطيني أولاً وقواه المناضلة، ووعي الشعوب العربية وأحرار العالم، بأن ما يحاول الأمريكان تسويقه من تطبيع ليس إلا بضاعة فاسدة لن يشتريها أحد، كما أنها خطوة تآمرية إضافية على القضية الفلسطينية يراد منها إطباق الكيان احتلاله على كل فلسطين وأراض أخرى في دول الطوق، فضلاً عن سعي الكيان المحموم لتفتيت وتجزئة المزيد من بلدان المنطقة، وخصوصًا دول الخليج العربية وإشاعة عدم الاستقرار فيها.

بعد أكثر من سبعة عقود على نكبة فلسطين/نكبة الأمة، تتأكد الرؤى المناضلة ضد الحركة الصهيونية من كونها حركة استعمارية عنصرية لا يمكن الركون لها في صفقات واتفاقيات أو تفاهمات تقوض الحلم الفلسطيني، كما حصل في اتفاق أوسلو الانهزامي والمرفوض من مختلف فئات الشعب الفلسطيني والشعوب العربية، والمخرج يكمن في استمرار النضال ضد الحركة الصهيونية وكيانها القائم على إقصاء الآخر وشطبه، وإنجاز مهمة التحرير وإقامة الدولة الفلسطينية الديمقراطية العلمانية، دولة الموطنة الدستورية التي يتمتع فيها المواطنون بحقوق متساوية. ويمكن لهذا الحلم أن يتحول لحقيقة ساطعة عندما تتم مغادرة حالة التشرذم والانقسام وبناء صرح الوحدة الوطنية الفلسطينية على أسس الثوابت الوطنية الجامعة التي من شأنها خلق وقائع ومعطيات جديدة في المحيط العربي والعالمي وتهيئ مناخات صحية، ذاتية وموضوعية، قادرة على هزيمة المشروع الصهيوني وإزالة آثار النكبة والنكسة والانكسارات التي عانت منها الثورة الفلسطينية، لتعود الأرض إلى أهلها الأصليين، وتؤسس أرضية صلبة لوحدة عربية من طراز جديد.