الإيمان بشيء ما فكرة تستوطن العقل لتصير على مدى البعد الزمني قضية تدافع عنها وكلّما استفاض الوقت بالمضي زاد دافعك الحي ببذل أغلى ما تملك في سبيلها, ولأجل هذا قامت حروباً كبيرة وانبعثت أفكاراً عظيمة وزُهقت أرواح عديدة, لكن ماذا لو كان هناك نقص في المفهوم الإيماني نفسه؟ بالمعنى الأدق ألا يرتقي الإيمان إلى قضية لتداخل أسباب كثيرة تفرض نظام أولويات يسود عبرها ما هو أدنى من العقل وأعلى من الجسد؛ حاجة الحياة نفسها ومتطلباتها الكثيرة؟ فالعربي هنا على خلاف ما هو سائد يحيا بين كل تلك المتطلبات على أمانٍ متعددة وإيمانٍ أقل ذاك؛ لأن أدنى ما يملكه الإنسان من حقوق في العالم أجمع محروم منه المواطن العربي في أفضل الظروف ليدخل العقل في دائرة الجمود المحضة؛ لأن هالة التفكير مجتمعة بمعظمها حول بند البقاء فقط، من غير أن يخالطه أي دافع آخر يدخل في آلية التحول لقضية, وبإسقاط الصور بأكملها على محاكاة ملهمة تقوم على إيجاد الحل في مسرح الحياة العربية، تظهر صورة لامعة تصلح للاقتباس والتشبع بها، رغم مرور عقود كثيرة من الزمن؛ لأن أسخيلوس كإنسان بالدرجة الأولى استطاع أن يستقرئ الملحمة الأكثر إيلاماً المتمثلة بعلاقة نصير الإنسان مع الإله نفسه، لدرجة أنك تلبس بطله بروميثيوس بطريقة تجعلك تؤمن بأنك حقيقة، وكل ما يدور حولك هو الوهم بعينه, غير أنّ اصطلاح المثال بالحالة العربية يفرض علينا تبدل في شخوص الرواية ليستحيل بروميثيوس لإنسان عادي ولربما مواطن عربي رفض حالة التبعية المطلقة مع أنه كان السبب بوصول الآلهة نفسها للحكم المطلق, وانقاد وراء ما يمليه عليه ضميره وشعوره الحي بالحق والنظر إلى الآخر على اختلافه وفي شريعتنا الإنسانية على احتياجاته العديدة, لقد كان بروميثيوس الشرارة التي استلهمتها في حوار الوجع البشري، والذي دفعني تحديداً لأنظر لكل حاكم من الممالك العربية على أنه زيوس المتشبع بالغطرسة، والذي يخاف الرفض على الحجة التي تمكن جموع الآلهة الآخرين من إزاحته من سلطته المطلقة، تماماً كخوف حكام ممالك العرب من الجموع التي تخرج خلف من قال لا أولاً ...
غير أنه في سياق الرواية المسرحية جعل أسخيلوس من بروميثيوس بطلاً لم يحد عن رأيه ولم يتذلل ولم يتنازل عن حقه في فعل ما يراه هو صائباً، وفي مسرحنا العربي تترك النهاية مفتوحة دوماً؛ تطارد بطلها في كل حلم ينادي به أصحاب القضايا، ولا مجيب يلبي، ولا جمع يحتشد، والمفارقة تحديداً في عقدة المعرفة نفسها؛ نحن نعلم ولا نستطيع فعل شيء وهو واحد يعلم واستطاع فعل كل شيء، والمحاكمة هنا ليس على العدد بقدر ما هي على الإيمان نفسه؛ أيعقل أننا من أصحاب الإيمان الناقص أو لربما نحن أصحاب الظروف الناقصة؟!
وفي الخوض بأحداث المسرحية قام أسخيلوس بتصوير العذاب الذي يتعرض له من وقف نداً للآلهة بعقاب خُيّل إلينا بأنه سيكون أبدي بعد أن ربطه زيوس إلى صخرة شاهقة ودُقّت في صدره الأسافين وسلّط عليه نسر إلهي جارح؛ ينهش قلبه وكبده مع غروب الشمس، ليعود إليه في الصباح، وقد تجددا لتتجدد آلامه من جديد، كسلسلة لا منتهية من العقاب، وكأن التشفّي من الغضب لا ينتهي بالقتل فقط، بل يمتد ليكون عبرة لكل من يحاول الاحتذاء به، تماماً كالذي يحدث في أي بلد عربي, فالمواطن يحيا مع سلسة لا منتهية من العذابات التي يخلقها حاكم المملكة وأميرها بمساعدة حاشيتهم؛ الضباع التي تقتات الأحلام الطامحة لبناء مستقبل خالي من الخوف والتوحش والغطرسة؛ مشبع بالحريات التي تنير العقول المنفتحة على العالم المتقدم والمواكبة للتطور والملبية لمختلف احتياجات الإنسان, فلكي تكون في مركز السلطة عليك أولاً أن تملأ فراغ النقص في كل ما يحيط حول من تحكهم، لا يكفي لكي تكون ملكاً شعارات رنانة وانجازات واهية تخجل منها أنت نفسك حين تقف أمام ضميرك, وليس لنا في شكر أياً من الحكام لشيء من واجبهم ومن موقع قيادتهم أن يقدموه لنا أصلاً, وليس أسوأ من أولئك الضباع سوى محامي الشيطان؛ الحريصين على خلق التبريرات المتكررة الخلّاقة المتجددة، وكأن علينا أن نحيا وفق منظور من صنعهم ونعمى عن دائرة السبب على ذريعة المجد لحاكم المملكة، وسحقاً لجحود هذا الشعب، وتباً لتلك الأرض، بما فيها من خيرات طالما أنها لم تذهب لجيوبهم ؛كونها سحر استدامة العرش ووسيلة غرق الشعوب والسيطرة عليها ..
وعلى الرغم مما ذكر أعلاه من شناعة أساليب العذاب، ظلّ بروميثيوس نصير الإنسان متشبثاً بقضيته، يدافع عنها بكل ما أوتي من قوة، غير مبالي بما قد يؤول إليه حاله، بل أن إيمانه بأفكاره ومعتقداته كان يزداد كلّما ازداد عذابه، مؤكداً ذلك بقوله "لقد كنت أعرف مغبّة كل شيء, قبل أن أقدم على أي مما أقدمت عليه, ومع ذلك فقد أقدمت عليه طواعية, وبمحض إراداتي, وإنه من دواعي فخري أن أصرح بذلك وأقرره.. وإنني في سبيل إنقاذ الإنسانية من عسف الإله الأكبر زيوس, لم أبالِ أن أدفع بنفسي إلى قرار هذا العذاب".. وأردد من بعده إنني في سبيل العروبة جمعاء أقدّم نفسي فداء الحرية والعيش بالكرامة لإنقاذ شعوبنا من عسف حكام الممالك العربية كلّهم، وإنني مكتمل الإيمان بالقضايا وأحفظ عن ظهر غيب كل أناشيد الأرض العربية، ولي مع شعبها قصة عشق أبدي؛ أدحض منها المآسي والتحم معها برواية الأخوة وحبّ الأرض والتشبع بالحرية والكرامة التي يستحقها كل عربي منا لتكون وسمه الذي يذود عنه ..
ولعلّ أجمل ما يمكن الحديث عنه في فكر أسخيلوس رؤيته للكمال الذي يجب أن يتحلى به الإله؛ فربطه بقضايا تستحق أن تدفع في سبيلها كل شيء حتى نفسك، وعمّق مفاهيم عظيمة ساهمت اليوم بتكوين العالم على هذا الشكل، فالظلم الذي صوّره عبر بروميثيوس جعلنا نتفكر بانقسام العالم بأسره إلى طرفين؛ مظلوم وظالم، وكيف لو كان هذا الظالم الإله الأكبر "الحاكم الأصغر", جعلنا نؤمن أن الإنسان يستحق المحبة ليشعر بعدها بالتدريج بكماله الحق؛ من خلال شعوره باستقلاله وحريته واكتفائه بذاته, لقد كان بروميثيوس السبب الذي غيّر من رؤية الصورة المعتادة والحدث الرتيب الذي يمضي عبر الزمن بدون أن يطرأ عليه أي جديد، بيد أنه آمن أن يكون الحدث أو القضية على الوجه الأخص, فتخلّى عن موقعه الاعتيادي في الأسطورة واختار أن يكون الثورة والانقلاب على كلّ ما يتنافى مع معتقداته وأفكاره ليرسم قدراً آخر أكثر عدالةً وحرية, وانسلخ عن تقديس الإله الذي لا يثمر ولا يغني بشيء لأنه كان مجرد من فكرة نبيلة تدفعه للحياة لأجلها, وأنا كأنّه أؤمن بذات القضايا وأنقلب على كل ظالم ساورته نفسه أن يتقمص فعل زيوس وبطشه، علّني أكون مع كل من يقاسمني الرؤى قدراً جديداً يخلّص العروبة من انتهاكات الملوك وظلمهم مختتماً الحكاية على لسان بروميثيوس "أتظنون أن عروشكم الرفيعة لن تنالها يد الحدثان....؟!"

