ليس العمل الفني المرئي بمنفصلٍ عن قواعد وأسس الفن المعروفة للمشتغلين في جنباته، إذ أنه لا يمكن فصل الشكل عن المضمون، فالفنان الراقي والعمل الفني المهني يفترض سنَّةً معينة تبدأ باحترام الحقيقة ولا تنتهي باحترام ذائقة المتلقي، وفي حال وجود خلل أخلاقي يحدث تماماً ما يحدث عند فقدان التقني ذاته، حينها يذوي العمل في الهاوية، وبالتأكيد فإن ذلك يشمل السينما ومسلسلات الدراما التلفزيونية، كما لا يمكن للفن الرخيص مهما بلغ من قدرة إنتاجية وتقنية أن يُخبئ تقهقره المضموني لدى أبسط أنواع الجمهور، خاصة وأن هجمة وتراكم المسلسلات- وهي القادرة على دخول البيوت بسهولة- جعلت في سنوات الربع قرن الأخيرة من المشاهد العربي خبيراً بتقييمها، وإن كان ذلك يتم أحياناً بمفردات غايةً في البساطة. كما ليست المسألة- وهي لم تكن يوماً - مجردَ إضفاء سمة طبيعية على علاقات بين كيانات سياسية متواجدة صدفةً أو عنوةً ضمن فضاء وحيِّزٍ جغرافي واحد، ففي حالة المنطقة الساخنة، سواء داخل فلسطين أو محيطها العربي والعالمي، المقصود كله غير ذلك تماماً، أي ليس جعل العلاقات طبيعية، بل تكريس ما هو مختلق وغير طبيعي، إنها حالة آنية تشبه أجواؤها تلك العلاقات الجنسية المدفوعة الأجر، والتي تجري عادة في المواخير، وفي أروقة السياسة العالمية منذ وعقب إنشاء ما عرف بالحركة الصهيونية.
إن مصطلح "التطبيع" يُقصد به بحسب تعريف القانون الدولي: إعادة علاقات إلى طبيعتها السابقة التي كانت عليها قبل نشوب قطيعة ما لسبب ما، أي أن شرط التطبيع وجود حالة طبيعية سابقة حدثت بعدها حالة استثنائية كحرب أو سحب دبلوماسيين وقطع علاقات مثلاً، وهذا ينتفي في الحالة المشابهة لحالة العلاقات العربية مع الكيان الصهيوني، ليس بسبب أنه كيان غير شرعي وحسب، ولا بل حتى في التعريف المجرد له؛ بأنه كيان طارئ مؤقت نشأ في لحظة خلل تاريخي، ببساطة فإن عدم مطابقة المصطلح هنا تكمن في كونه- أي الكيان- ليس موجوداً أصلاً في الواقع الجغرافي، ناهيك عن أنه ليس موجوداً الآن، بحكم ارتباط الاعتراف الدولي به بتنفيذ القرارات الدولية وإعادة إقامة فلسطين ولو على جزء من أرض الدولة الفلسطينية التاريخية، لذلك فإنني أحبذ، بل وأدعو لاستخدام المصطلح الصحيح وهو "تطبيع الكيان" وليس التطبيع مع الكيان، أي جعل المسخ الطارئ طبيعياً، وليس إعادة العلاقات مع ما هو قائم أصلاً؛ لأنه في هذه الحال يعني التطبيع مع الدولة القائمة قبل حدوث القطيعة، وبالتالي مع دولة فلسطين وليس "إسرائيل".
وهكذا، بعد هذه المقدمة الفجة سياسياً، فإنه يجب الإضافة أن الموجة الراهنة التي انتقلت إلى المسلسلات التلفزيونية ليست إلا فقاعة أخرى، تحاول إضفاء الشرعية على اللاشرعي، والمنطقية على ما هو غير منطقي، والواقعية على ما هو وهمي، ما يدلل على إفلاس وسائل الصهيونية من جهة في هذا الخصوص، وفشل النظام العربي في مهمته الموكلة إليه منذ ما بعد سايكس بيكو وتأسيسه ومشيخاته من قبل الدول الاستعمارية ودعم الإرهاب الصهيوني مالياً وسياسياً.
لفهم المسألة جيداً، يجب العودة إلى الوراء قليلاً وربما كثيراً؛ فتجارب تطبيع الكيان الإرهابي السياسية التي مرت كلها كانت فاشلة، وانا أكتب هذه الكلمات يصدر تصريح لملك الأردن في "ديرشبيغل الألمانية" يهدد فيه "إسرائيل" إن هي قامت بالاستيلاء أوضم مناطق في الضفة الغربية، وتكمن أهميته في أنه لا يصدر من مصر أو سوريا أو الإمارات، بل من ملك الكيان العربي الوحيد الذي أسس بالتوافق والتزامن مع الكيان الصهيوني ذاته، ومن قبل الجهات المؤسسة ذاتها، هذه الكلمات لا تقصد أبداً النيل من قطر عربي، بل توضيح حتمية فشل استمرار الكيان النازي الصهيوني في المنطقة في أن يكون طبيعياً.
بدأت المسلسلات الرمضانية عقب فشل تأثير المفردات الإعلامية الباطنية التي درجت في وسائل الإعلام، بدءاً من خبر يحتوي مثلاً على "قُتل فلسطيني على يد الجيش الإسرائيلي"، وليس انتهاءً بتسمية الثورة الفلسطينية بالمقاومة أو الثائر ضد الاحتلال بالمقاوم!
لا ينتبه العرب ولا الفلسطينيون عموماً - باستثناء الحكام وأجهزة مخابراتهم الذين تلقوا التعليمات وفحواها من حُماتهم- إلى خطورة المصطلح، لكنهم جميعاً لا ينتبهون أيضاً إلى أن ثقافة التاريخ المتأصل مغروسة بعمق في ذهن شعوب المنطقة، والتطبيع لم يبدأ في أي حال من مسلسل"أم شارون"، فبالنسبة للمسلسلات بدأ من عرض حارات اليهود في القاهرة ودمشق وبغداد، ومنها باب الحارة مثلاً، الذي لم ينتبه العديد بأن تمويلاته الضخمة منذ بدايته كانت عالية وغير منطقية، فظن البعض أن ذلك عائد لمجرد تبييض أموال مخدرات وتجارات غير مشروعة وسرقات وفساد، في الواقع كان كل ذلك بهدف خبيث هو تجميل مخلوق فرانكشتاين، وتخريب المجتمع العربي، وتطبيع الكيان المسخ.
في العام 2000 -لنلاحظ أن ذلك قبل عقدين من الزمن-، كتبتُ على ما أذكر شخصياً في صحيفة الخليج عن احتفالات والت ديزني وهوليوود بقدوم الألفية الجديدة، كانت المعلومات الواردة من الولايات المتحدة مذهلة، لقد أقامت الحركة الصهيونية وأيباك وخارجية الكيان جناحاً ضخماً في والت ديزني عنوانه المعلن " القدس يهودية منذ ألفي عام"، وقد تم تمويل هذا الجناح في المعرض بنحو ستة مليارات من الدولارات، كان الوليد بن طلال قد تكفل بثلث المبلغ المذكور، وبرر ذلك بعدما تم فضحه في الصحافة، بأنه خضع لعقد الشراكة المسبق الملزم مع الشركات اليهودية المنظمة للمعرض! ربما ما يجدر ذكره هنا، أن ذلك كان قبل الانتفاضة في عموم فلسطين، وكان الرئيس الراحل ياسر عرفات في تلك اللحظات ذاتها يخوض غمار مفاوضات مضنية مع كلينتون وباراك لتحقيق "السلام في الشرق الأوسط"، وكانت بعض المسلسلات والأفلام تمرر بخجل فني جملاً ومشاهد تقصد اعتيادية صورة اليهودي "العربي المهجر الطيب"، وتواجد "حارة يهود" في عدة عواصم عربية، والإشارة أحياناً إلى خلوها الحالي، وكأن العرب لا الحركة الصهيونية هي من هجرهم إلى فلسطين!
لقد لعبت سذاجة الممثل وشح ثقافته دوراً في تمرير ذلك، ففي باب الحارة- الممول خليجياً- تم تصوير اليهودية التي يحبها ويتزوجها المنفاخ الفارغ المضمون"معتز" كرمز للبراءة، بقيت الفتاة وحدها بعد "هجرة أو تهجير" أهلها الطيبين، وهي مثال للرقة والإنسانية، ولم يلفت المسلسل إلى من هجرهم ولا كيف؟ وقد تم اختيار ممثلة فلسطينية تحديداً للقيام بهذا الدور، وهي تنتمي لأعرق العائلات المناضلة من قرية عيلبون شمال فلسطين! ولم يكن كل ذلك من المصادفات!
قبل ذلك، في المسلسلات المصرية حاول أنور السادات في فترة الانفتاح والسلام الاقتصادي ووعود التطور الكاذبة كنتاج لكامب ديفيد التي أثبتت فشلها كلياً حتى اليوم؛ تشجيع تقريب "وجهات النظر مع إسرائيل"، وقد رضخ عدة مؤلفين ومخرجين وممثلين لذلك، لكن غالبيتهم وأهمهم رفضوا ذلك بحكم ارتقاء الوعي والثقافة، فنفذ ذلك الأنصاف والمتعدين على الفن، كما لم يتقبلها الشارع المصري والعربي بفطريته، تماماً كمان كان البائع على عربة "الكشري" في القاهرة يرفض بيع "السائح الصهيوني" طبقًا سريعًا منه، حتى لو بسعر مضاعف، فقد كان يدرك بأن جنيهاً واحداً سيكسبه قوته، ويجلب لعنة دم الشهداء وعذابات الأسرى في آن معاً!
بخصوص الفن والفنانين، يلعب الوعي هنا دوراً حاسماً في تحديد التوجه، فعادل إمام مثلاً- ومثله المئات- لم يرضخ للإغراءات والتحذيرات أثناء فترة نظام السادات ومبارك، بل كان يرد على الطلبات تلك عملياً بإنجاز أفلام ومسلسلات نقية وذكية تواجه الموجة المفتعلة، أما عابد فهد فيرقص هذا العام في "الساحر" على أنغام أغنية بلغة اللصوص العبرية؛ تغنيها مغنية مستوطنة في فلسطين، وقد بنيت فكرة سيناريو المسلسل برمته على مقولات تراث وثقافة السحر والخرافات والتنجيم على الطريقة اليهودية وخرافاتها، ولا أزعم التواطؤ الواعي هنا، بل ربما ذلك عائد لشح الأرضية الثقافية للفنان ومن أنجزوا العمل.
أما " أم هارون" الذي سماه الجمهور العربي وبخاصة أهل الخليج العربي اسمًا ذا دلالة متوحشة "أم شارون" تحقيرًا له ولممثلته العنصرية" حياة الفهد" ولمخرجه ومؤلفيه، ولمضمونه التزويري المساند للإجرام الصهيوني اللا أخلاقي بشكل غبي وفج ومباشر، فقد كتب السيناريو كاتبان- هما أخوان- من البحرين الشقيقة، وتلقا مبالغ مالية لا يحلم بها أي كاتب سيناريو عربي شهير كبير، وفي لقاء مع إحدى الفضائيات شاهدت لقاءً معهما، وقد ارتبكا وأظهرا سذاجة واضحة وعدم اطلاع في كل الإجابات على الأسئلة الموجهة، وقد تولد لدي انطباع بأنهما مجرد واجهات ليس إلا، وبأنهما لم يقوما فعلا بكتابة المسلسل، وإنما أحد آخر، فشخصيتهما البسيطة شحيحة الثقافة الفنية والتقنية والمعرفية، بحيث لا توحي البتة بالقدرة على تقطيع مشاهد وفنيات حبكة، ومراعاة زمن وانتقالات درامية وتصاعد وهبوط وانتقالات مضمونية وووو.
لقد بدأت حفلة تطبيع الكيان فنياً منذ الثمانينيات، وقد شهدت عدة أشكال تبدأ من حشر الأغاني العبرية- حتى العبرية مسلوبة من اللغة الكنعانية الفلسطينية المندثرة- ولا تنتهي بالترويج لديمقراطية وحرية "إسرائيل" للفت النظر عن الجرائم التي أسست عليها وترتكبها يومياً ولا تستمر إلا بها، وعقب تأسيس الفضائيات العربية، كانت أول محطة عربية ظهرت هي (mbc)، أسسها الوليد بن طلال ومجموعة يهود من بريطانيا، وبعد تكاثر الفضائيات والأقمار باتت المجموعة تبث أفلاماَ أميريكية هوليودية حصراً وحتى اليوم. ومن المعروف أن يهود العالم المنتمين للصهيونية والكيان يهيمنون على شركات الإنتاج هناك، وهو ما سمح لهم بتمرير شخصيات يهودية طيبة نموذجية من خلال الأفلام المعروضة، والتي صُنعت بتقنيات فنية وحرفية عاليين، لا بل لطالما عرضت mbc2) ) أفلاماً تسيء للعرب والمسلمين، كمجتمع وتاريخ وشخصية وثقافة، لكن ذلك لم يعد كافياً الآن، فتم الضغط على الأنظمة لتمويل المسلسلات التطبيعية؛ من خلال الدراما التلفزيونية التي تشد انتباه المواطن العربي أكثر، وقد جاء ذلك بعد فرض أتاوات ترامب على هذه الأنظمة المُرتهنة بصيغة "إما أن تدفعوا الجزية لنا أو ترحلوا، تطبعوا أو نزيحكم عن الكراسي"، ويبدو أن هذا حصل أيضًا كانعكاس على المسلسلات؛ فترويجها بهذه الكثرة والوقاحة والبذخ الإنتاجي، يدلل على مرحلة خطرة على الأنظمة التي انتقلت من العلاقات السرية إلى العبودية العلنية، فإما هذا أو تفقد الكرسي!
الخبر الأخير في هذه المقالة: مسلسل خليجي- "إسرائيلي" يعدّ له الآن مقربون من محمد بن سلمان، ويشارك فيه ممثلون من الخليج العربي وبالمشاركة مع ممثلين مستوطنين صهاينة، ويتناول «العلاقة الاجتماعية مع إسرائيل»، وسوف يتم تصوير العديد من مشاهده في مدن فلسطين، ومنها تل أبيب، وكذلك في عاصمتها القدس، وتعرضه لاحقاً قنوات خليجيةK وهناك عدة مسلسلات مشابهة سيشاهدها الجمهور في رمضان القادم، حيث يتم التحضير لذلك الآن، وقد تم الاتصال بعدة مخرجين وممثلين، والعروض المالية مغرية!

