Menu

حُمى التَطبيع ما بعد السياسي.. حارس القُدس فِعلٍ مُقاوم في مواجهة "أم هارون"

محمد كناعنة

نشر هذا المقال في العدد 14 من مجلة الهدف الرقمية

في مَسعى خَفي، وبأسلوب القبضة الحريرية، كَالماء السَلِس، لَعبت المؤسَّسَة الصهيونية في حقل الألغام، وَدَأبَت بهدوء على التأثير على النُخب الثقافية لِما لهؤلاء من تأثير على الرأي العام المُجتمعي والرسمي.

كَيفَ بَدأ هذا المَسعى؟

منذُ سَفَرهِ الأوَّل إلى فلسطين، عبرَ روايتهِ التلمودية "أرض قديمة جديدة"، حاولَ "ثيودور هرتزل"، كما دَأبه الدائِم، إلى تَصوير أرض فلسطين على أنَّها أرض فقيرة مُهملة خالية من السُكان؛ إلّا من بعض "البدو"، بِلا حضارة، بِلا ثقافة وبِلا حياة مَدنيّة، وفي روايتهُ هذه التي وضعها عام 1902، يقول "هرتزل وعلى لسان بطلا الروايه: الصهيوني، "فريدريك فينبرغ" ومرافقهُ المسيحي الأوروبي، "كينجز كوت"، بأنَّ شوارع مدينة يافا وأزقّتها تعج بالقاذورات، مُهملة، أوساخ وروائح كريهة، فقر وفقراء، كما هو الشرق، برأي "هرتزل"، وهي النظرة الدونية الاستعمارية للشرق من قبل الأوروبيين، ويصل في روايتهِ كما في كل مسعاه منذُ ما قبل عقد مؤتمر الحركة الصهيونية الأول في مدينة "بال" السويسرية عام 1897، إلى أنَّ حال مدينة القدس خالٍ من الحَياة، مدينة ميته مُهمَلَة، وأنَّها سَتزدَهر مع عودة بَطلاه إليها؛ "اليهودي الصهيوني ومرافقه المسيحي الأوروبي"، في محاولَة مُفذلَكَة للرَبط بينَ اليهودية/الصهيونية والمسيحيّة الأوروبية من جهة، والتقدم والحضارة والمَدَنِيّة من جهةٍ أخرى، وذلك لتحريض المجتمع الأوروبي على دعم مسعى الحركة الصَهيونية في بناء "مُجتمع مدني حضاري" على أرض فلسطين الغارقة "بالفقر والجوع والبَداوة والتَخَلُّف"، وللعمل على إس،تدخال الرواية الصَهيونية هذه إلى أجندات الأوروبيين على المستوى الرسمي والشعبي وتحديدًا في المجال الثقافي/الأدبي والفَني لِما لهُ من تأثير في صناعة الرأي العام في المجتمع الأوروبي، وللتعبير عن رؤية الحركة الصهيونية في الارتباط اليهودي في أرض "أورشليم"، وسعيهم لإقناع الأوروبيين في مساعدتهم للعودة إليها يسترسل بَطلا الرواية في سرد سر "الارتباط التاريخي" لأبائهم بالمدينة: "ما أجمل ما كانت عليه أورشليم سابقاً، على ما يبدو، قد يكون هذا هو السبب الذي لم يستطع آباؤنا من أجله نسيان هذه المدينة، وقد يكون هذا هو السبب كذلك في كونهم أرادوا العودة إليها دائماً".. (هرتزل: أرض قديمة جديدة).

هنا لا بُد من الإشارة الى موقف المُثقّفين الأوروبيين الداعم للكيان الصَهيوني، وَنستَذكر بالمُناسبة ما سُمّيَ بِبيان "المُثَقفين الفرنسيين" الصادر في آذار عام 1967 وقد وقّعَ عليهِ "جان بول سارتر" و "سيمون دوبوفوار"، وغيرهم من المثقفين الفرنسيين، والذي أعلنوا من خلالهِ عن دعمهم للكيان الصَهيوني ولسياساتهِ، واستنكروا ما أسموه "التهديد على سلامة الكيان الصهيوني". هذا نموذج على التأثير غير المُباشر لِمسعى المؤسَّسة الصهيونية لاستقطاب المُثقفين لصالحِ روايتها القائمة على التزييف والتحريف والاستعمار، فهؤلاء مُثَقفين كبار؛ سارتر ودوبوفوار، كانا على رأس الداعمين لحرّية الشُعوب، وخاصة لشعب الجزائر والشعوب الأفريقية الغارقة في حينهِ ببارود وقذائف الأوروبيين، فوقعا في شِباك الدعاية الصَهيونية، للأسَف.

مَسعى حَثيث لَم يَتَوَقَّف

قبلَ نشوء دولة الكيان الصَهيوني على أرض فلسطين بعشرات السنين، حاولت الحركة الصَهيونية بلسان آباءها من بارونات أوروبا، وكُتَّابها وصحفييها الذينَ باتوا يرسمون الخطوط المُستقبلِيّة لدولة يهودية تضمن للبرجوازية اليهودية أولًا مَقَرّ ومُستَقَرّ لرأسمالها المالي الناشئ، فعملوا على تشويه الحقائق التاريخية من أجلِ إعطاء نوع من "الشرعية" التاريخية والتوراتية على مسعاهم لاستعمار فلسطين، وبعد إنشاء الكيان على أنقاض حق شعبنا في أرضهِ ووطنهِ، وبعدَ التطهير العرقي الذي مارسته الحركة الصهيونية، قبل العام 48 وبعد ذلك، وما زالَ هذا المُسلسل من التهجير والطرد والقتل مستمرًا حتى يومنا هذا على أرض فلسطين من نهرها لبحرها.

بعد كل ذلك حاولت وما زالت المؤسّسة الصهيونية الرسمية من أن تبني علاقات جديدة مع المنطقة العربية، هذه المنطقة المُعادية للمشروع الصهيوني كونهُ انتزعَ جزءًا من جَسَدِها؛ كيان غريب لا قبول لهُ في جسد الأمّة التي ترفض حتى اليوم الاعتراف بهِ، ولا ترى فيهِ كيانًا شرعيًا، ليسَ فقط بسبب المجازر والدمار والتهجير وسياسة القتل المُتعمّد ضد شعبنا وأمتنا، وإنَّما بالأساس لكونهِ كيان قائم على الاغتصاب وسرقة الأرض وتطهير للسكان الأصليين. ومن منطلق الإيمان المُطلق لدى الأمّة العربية بأنَّ فلسطين هي جزء لا يتجزَّأ من الوطن العربي الكبير، فالأمر الأساس في مقاومَة التَطبيع يَكمُن في مُقاومَة ورَفض المُسَبِّب لهذا التطبيع؛ التطبيع هو نتيجة لوجود الكيان الصَهيوني غير الطبيعي، فالسِهام في مشروع مقاومَة التطبيع يجب أن تَخدم المشروع الاستراتيجي المركزي؛ مقاوَمة الاستعمار، بأن تُرَكّز على الجَوهَر في هذا الفعل لا أن تنحَصِر فيه، وَتذهَب إلى مناهضة حفل هنا ومُسَلسل هناك، تلك الأغنية وذاكَ المصنع القائم على أرض مُحتلة 67 (مع الأهَمّية الكُبرى لهذا الفعل وعَدم التَقليل من أهمّيتِهِ)، وَكَأنَّ الوجود الاستعماري على البُقعة الأخرى المحتلة عام 48 هو وجود شرعي.

فالمقاومَة للتطبيع هنا، برأيي، يجب أن تخرُج من حَيّز التجزئة المناطقية، ومن دائرة رَد الفعل نحو الفعل المقاوم القائم على دَحض الرواية الصَهيونية، وتثبيت رواية الحَق لأصحاب الأرض الشرعيين، وهكذا تنسجم الأفعال والأقوال فيما بينها فيُصبح الثانوي أو الفرعي خادم واعٍ مطواع وفاعل للمركزي لا بديلًا عنهُ ولهُ.  

دائمًا وجدت الحركة الصَهيونية عُملاء لها، على المستوى السياسي والأمني والاقتصادي، قبل النكبة وبعدها، ورغم "قوة" الكيان العسكرية التي تباهى بها قادة الحركة الصَهيونية، وأسطورة "الجيش الذي لا يُقهر"، فَمُنذُ "نشأتهِ"! أنشأ فضائية باللغة العربية؛ موَجَّهة ليسَ فقط للفلسطينيين، وإنَّما للأمّة العربية، بهدف تذويت الرواية الصَهيونية في أذهان الأجيال العربية، وإدخال اسم "دولة إسرائيل" إلى أذهان وعقول وبيوت العرب كَمُصطلح طبيعي واقعي من المُمكن التَصالُح/التعايش معهُ، وَليسَ صُدفة استحضار المُسلسلات العربية، وخاصة المصرية وبثها من خلال هذه الفضائية للوطن العربي.

أضف إلى ذلك حضور المذيعين ومُقَدّمي البرامج العربية (من فلسطينيي ال48)، منها ذا طابع فولكلوري "فلسطيني"، وهذا مما لا شَكَّ فيه تمويه على حقيقة هذه الإذاعة أو الفضائية المرسوم مسبقًا في أروقة أجهزة الأمن والسياسات الاستراتيجية الصهيونية، وبالأخَصّ منها جهازَيّ "الشاباك والموساد"؛ الأول هو جهاز الاستخبارات الداخلية، والثاني جهاز العمليات الاستخبارية والأمنية الخارجيّة، فَالهَدف من وراء هذا النشاط هو الوصول إلى كلّ بيت عربي من المحيط إلى الخليج وَخَلخَلَة وعيِهِ بهدفِ محاولة نشر فكرة أنَّ "إسرائيل" دولة طبيعية في هذا المُحيط العربي الرافض لها وبقوّة، حتى في الدول التي أقامت علاقات مع الكيان الصَهيوني كَ مصر - كامب ديفيد، والأردن - وادي عربة، ورام الله - أوسلو.

اتفاقيات "سلام" وفشل في التطبيع:

روح العداء والرفض لهذا الكيان مُتأصّلة في وجدان المصريين، كما باقي الشعوب العربية الرافضة لفكرة قبول "إسرائيل" كَحق توراتي أو سياسي تاريخي، وَفي هذه المرحلة بالذات، ورغمَ اتفاقية كامب ديفيد وزيارة السادات إلى الكنيست الصَهيوني، لم يَستَطَع الثالوث الدَنس أن يخترق عقول المثقّفين المصريين تحديدًا؛ إلّا فيما ندَر، باتجاه القبول بالمُساهمة في أعمال ونشاطات ثقافية مُشتركة مع السفارة الصهيونية، في القاهرة، أو عبرَ زيارات من بعض الفنانين والأدباء والمثقفين المصريين إلى تل أبيب أو إلى القدس، كما حاولوا تسويق الأمر في بداية هذه الحملة؛ فالتَطبيع لهُ أهداف وتوابع خطيرة، فحتى الدولة المصرية لَم تُشجّع على ذلك بحسب كثير من المصادر المُطّلعة على الأمر، خاصة في ظل التخَوُّف من مخاطر التجنيد للأجهزة الصهيونية المُعادية، رغم اتفاقيات "السلام"، وهكذا بقيَ صوت المُطَبّعين أو الراغبين فيهِ خافتًا حتى "مؤتمر مدريد"، وصولًا إلى اتفاق "وادي عربة"،  ومن ثُمَّ اتفاق "أوسلو" المشؤوم، هذا الاتفاق الذي "أباحَ" للعرب أو لبعضهم أن يتجاوزوا الخطوط الحُمر في علاقتهم وارتباطهم بأهداف المؤسَّسة الصهيونية.

"اتفاق أوسلو" بَوابَة التَطبيع:
في كلمة لِشمعون بيريز حول مفهوم التعاون الاقتصادي، أفصَحَ مُعبرًا عن رؤيتهِ لمشروعهِ المعروف باسم: "الشرق الأوسَط الجَديد"، وفيها تحدَّثَ عن التعاون ما بينَ "العقل اليهودي" والقدرة الاقتصادية العربية (المال) وتحديدًا الخليج، وبيريز هذا نفسهُ "رجل السَلام" وَجَزّار قانا، قالَ عن اتفاق "أوسلو" المشؤوم، ب"أنَّهُ أهم إنجاز للحركة الصَهيونية بعدَ إنجاز إعلان الاستقلال في 15 أيار 1948".. فهي المرّة الأولى في تاريخ الصراع العربي/فلسطيني الصهيوني تقوم قيادة فلسطينية بالاعتراف بشرعيّة وجود الكيان على أرض فلسطين وإلغاء أهم بنود الميثاق الوطني الفلسطيني، وهكذا باتَ أوسلو "جسرًا" لِعبورِ المُطَبّعين إلى دولة الكيان عبرَ تصريحات من "كبير القَوم" محمود عباس وصاحب مقولة "التنسيق الأمني المُقَدَّس"، ودعوتهِ للعرب لزيارة "فلسطين"، (يقصد الضفة الغربية أو ما تبقى منها)، وقولهِ بأنَّ زيارة السجين ليست كزيارة السَجان، في مُحاولَة لتبرير وفود التطبيع الثقافي والفني والرياضي المُتقاطرَة على مُدن الكيان عبرَ بوابة رام الله. 

أم هارون:

أن تقوم أجهزة الحركة الصَهيونية بنشر وابتداع روايات وقصص حولَ "حَق" اليهود في فلسطين، فهذا أمر غير مُستغرَب؛ لعلمنا بوحشيّة وساديّة هذه الحركة، ولكن أن تنبري بعض المؤسَّسات الثقافية ومعها بعض العاملين في المجال من ممثّلين وكُتّاب ومخرجين إلى تبرير الرواية الصَهيونية وخلق رواية بلسان "عربي" بهدف تدعيم روايَة الآخَر "اليهودي"، فكانَ مُسَلسَل "أم هارون" قمّة في وقاحة التَعَدّي، والانغماس في تشويه الرواية التاريخية، فهذا المُسَلسَل يُحاول من خلال تسليط الضوء على "مُعاناة" أم هارون خلال وجودها في الكويت و البحرين كونها يهودية، وفيهِ إبراز للرواية القائلة عن سَرقة "أرض إسرائيل" من اليهود، ومن ثمّ عودتها إلى "أصحابها الشرعيين" أي اليهود، ويقف من وراءهِ مسعى لاختراق الوعي الشعبي الكويتي تحديدًا، والعربي الخليجي في رفض التطبيع مع الكيان الصَهيوني، وهو تمهيد لخطوات التطبيع المُتسارعة على المستوى الرسمي الخليجي، ولم يَكُن صُدفة الترحيب الصَهيوني بالمُسَلسَل حتى قبلَ البَدء بعرضِهِ.

"فَوضى".. مُسَلسَل صهيوني بِمُمَثّلين فلسطينيين:

يقول الأستاذ والمَسرحي الفلسطيني، راضي شحادة، عن المُسَلسَل: 
"هذا أخطر مسلسل يعمل على أسلوب "الانتلجنس" (مخابرات Intelligece=) ، وهي المخابرات الذكية التي تلعب على الوتر الإنساني، وتوهمك أنّها تواجه عدوًّا قويًّا لكي تبّرر أنّها قادرة عليه وأقوى منه وأنّه يستحقّ القضاء عليه بكل الوسائل، وتنتهي اللعبة معه بالانتصار عليه، كما هو الحال في الأفلام "الهولووديّة" عن فيتنام، وأفلام "رامبو" الأمريكي القوي الذي لا يُقهر، والذي يَدّعي أنّه يسعى لتحرير العالم من الإرهاب واللا-إنسانية" (احذروا الفوضى واللعب مع كوماندوز "المُستعربين"، عنوان المقال لمن يرغب بقرائتهِ).

يُعرَض المُسَلسل عبرَ شركة "نتفلكس" الأمريكية وللموسم الثالث على التوالي، مُسَلسَل أمنيّ مخابراتي خطير في تشويه النضال الفلسطيني وشيطنتهِ وتشريع لمُمارسات الأجهزة الأمنية الصَهيونية ضد المقاومة الفلسطينية وعائلاتهم؛ من اغتيالات وقتل وهدم، وكأنَّ الصراع قائم بينَ طرفين متساوِيَين، وليسَ بينَ طرَف مُستَعمِر وشَعب يُناضل من أجل الانعتاق من نير الاستعمار.
الأنكى في الموضوع أنَّ تبرير الفلسطينيين؛ المُشاركات والمُشاركين في هذا المُسلسل الاجرامي بحق شعبنا وقضيته العادلة، يأتي تحتَ باب: "كُل واحد/وحدة حُرّ/حُرَّه"، وهذا صَحيح مبدئيًا، لكن ليست الحُرّيَة في تسويق رواية المُحتل الغاصب القاتل، ولا أحد يشترك دونَ قراءة النَص والموافقة عليهِ، فهذه الخيانة بعينها.

حارس القُدس:

يأتي هذا العَمل الدرامي الكبير مُجَسدًا من خلال شَخصيّة المُطران "هيلاريون كبوجي" عدالة قضية فلسطين وأهلها؛ فمُطران القُدس، العربي السوري، يُعيد من خلال أقوالهِ وأفعالهِ البُعد العربي للصراع والعُمق العربي لفلسطين، ويُسَلّط الضَوء على مُقارعة ومُقاومَة الاستعمار، وليسَ التصالح معهُ، وَيُسَلّط الضَوء على مركزيّة القُدس في الصراع، وهذا يُعيدنا إلى مفهوم مقاومة التطبيع: أن نرى الجوهر ونتمسّك بهِ، وأن نجعل الثانوي في مصلحة الرئيسي وليسَ العَكس، وهكذا يكون مُسَلسل سيرة حياة المُطران "كبوجي" هو فعل مُقاوم كما مُسَلسل "التغريبة الفلسطينية"، الذي سَلَّطَ الضوء على مُعاناة الفلسطينيين، نتيجة للاستعمار الصهيوني، وسردَ الحقائق التاريخية في عمل درامي عظيم يندرج في إطار الفعل الفني الثقافي المُقاوم، هذا دور الدراما العربية في مواجهة تشويه الرواية، وفي قطع الطريق على محاولات اختراق الوعي العربي الجَمعي، كل التقدير للدراما السورية التي ساهَمت وما زالَت في هذا الدور المُقاوم.