Menu

هل من معنى خاص لذكرى النكبة هذا العام؟

محمد العبد الله

نُشر هذا المقال في العدد 14 من مجلة الهدف الرقمية

مدخل

 اثنان وسبعون عاماً، والشعب العربي الفلسطيني داخل وطنه وفي كل مناطق اللجوء والاغتراب، ما زال يعيش مرارة نكبته الاستثنائية بكل ما آلت إليها المذابح التي نفذتها العصابات اليهودية – الصهيونية، بغطاء ودعم من حكومة المستعمرين البريطانيين التي كانت الدولة المنتدبة على فلسطين.

اثنان وسبعون عاماً، لم تتوقف خلالها النكبات المتلاحقة التي يعيشها هذا الشعب، نتيجة السياسات الاستعمارية التوسعية للكيان، الذي نشأ بالحديد والنار والمذابح والتآمر الإقليمي والدولي و"الشرعية الدولية" بمنتصف عام 1948، وما زال مستمراً بهذا النهج في ظل دعم الإمبرياليين الغربيين، والعديد من الدول ذات المصالح المشتركة مع الكيان، وتواطؤ عدد من الأنظمة العربية. ويُسجل للمفكر العروبي "قسطنطين زريق 1909 - 2000"، أنه كان أول من نحت الاسم "النكبة" في كتابه الذي حمل عنوان "معنى النكبة".

مع انتصاف شهر أيار / مايو 1948 كانت المذابح المتنقلة والمحمولة على دعم استعماري، قد أدت إلى تشريد وطرد ما يزيد على 800 ألف مواطن ومواطنة من مدنهم وقراهم من أصل أكثر من مليون فلسطيني وفلسطينية، كانوا يقيمون فوق أراضي آبائهم وأجدادهم بوطنهم الذي أُعلن عليه قيام الكيان الاستعماري الغاصب، على إثر ارتكاب العصابات اليهودية لعشرات المجازر التي أدت إلى استشهاد أكثر من 15 ألف فلسطيني/ة، وسيطرت العصابات اليهودية الصهيونية على ما يقارب 80% من مساحة الوطن الفلسطيني، الذي يزيد قليلاً على "27,000 كم مربع"، وما تبقى من مساحة فلسطين، فقد تم ضم 5876 كم2، والمتمثلة بالضفة الغربية، إلى الإدارة الأردنية، أما قطاع غزة، البالغ مساحته 363 كيلو متراً مربع، فتم ضمها إلى الإدارة المصرية.

لم تكن النكبة في عام 1948 وليدة تلك السنة، بل هي نتاج جهد يهودي استعماري للأرض، بدأت ملامحه تتضح قبل ذلك بما يزيد عن سبعة عقود من الزمن عندما بدأت تطأ أقدام الغزاة الصهاينة؛ المستوطنون الأوائل أرض فلسطين، في النصف الثاني من القرن التاسع عشر. لذلك، لا يمكن اعتبار النكبة "حدثاً تاريخياً" من الماضي، لأن ما يحصل على الأرض الفلسطينية المحتلة، وما يتعرض له الشعب الفلسطيني، يؤكدان بأن الجريمة التي أُعلن عنها في "قيام الكيان" هي مجزرة سياسية وبشرية متدحرجة ومتتالية، بكل ما تحمله من إجراءات وقوانين وممارسات ميدانية.

خضع من تبقى من الشعب الفلسطيني في وطنه، ما يزيد 150 ألفاً، لسياسة عنصرية، رغم ما أصاب غالبيتهم، بأن أصبحوا لاجئين داخل وطنهم بعد أن دمرت العصابات الصهيونية مئات القرى والبلدات، أو خارج المكان "المدينة أو القرية التي لم تتعرض للتدمير والمسح"، نتيجةً للتطهير العرقي، وبالإضافة لكل ذلك، خضع العرب في فلسطين لقانون الحكم العسكري الذي امتد من عام 1948 ولغاية عام 1966.

آثار النكبة داخل المحتل من وطننا عام 1948

انعكس قيام الكيان على من بقوا في وطنهم، اضطهاداً فاشياً، تُشرعه السلطات الاحتلال بمجموعة من القوانين والإجراءات التي تهدف خنق هذا الوجود والتضييق عليه، في كل مجالات الحياة. لهذا، لم تتوقف حتى الآن عمليات التمييز الواضحة ضدهم في كافة المجالات، خلال كل تلك السنوات، وحتى الآن،كما أن المزيد من عمليات التهويد – المُسماة كذباً وتضليلاً "التطوير" – مستمرة، وما تتعرض له مناطق الجنوب المحتل "النقب" من عمليات هدم لعشرات القرى والضغط على السكان، بالاستدعاءات الأمنية والاعتقالات، إلاّ دليل على  ذلك. وقد أدت تلك السياسات الفاشية لردود فعل رافضة وغاضبة داخل المجتمع العربي، تمظهرت بتشكيل الأطر السياسية "حركات وأحزاب"، والمجتمعية "هيئات ولجان أهلية" بمضامين أيديولوجية ونضالية متباينة في تعاطيها بالعمل السياسي ونظرتها للكيان، وهذا ما تأكد بالمواقف المتباينة من انتخابات الكنيست: مشاركة أم مقاطعة، وما يتطلبه كل اتجاه من تحديد طبيعة أطراف التحالفات، وهذا ما انعكس على أداء القائمة المشتركة – التي أسقطت من اسمها العربية – بتحالفها مع الإطار الائتلافي "أزرق – أبيض"، والذي انتهى إلى ما حذرت منه بعض الحركات والقوى العربية بتأكيدها على أن "المشاركة بالانتخابات، خطأ، والرهان على تحالف مع جنرالات المجازر، كارثي".

على ضفة الصراع والمواجهة مع حكومة الكيان، لم يتوقف النضال السياسي والاجتماعي والثقافي، بل إن الجماهير العربية، وبكل معاركها، كانت حريصة على انتزاع حقوقها، بذات الوقت الذي تؤكد فيه بتظاهرات الشوارع وبكل المناسبات الوطنية، على أنها جزء من الشعب الفلسطيني في مختلف مواقعه، وجاءت "هبة اكتوبر2000"، كتأكيد مُعَمّد بالدماء على تلك الحقيقة.

عن نكبة تلد نكبات ومقاومة

لم يكتمل انقضاء عقدين من الزمن، حتى أكدت حكومة الكيان الاستعماري أن مشروع الحركة الصهيونية القائم على: المزيد من التوسع واحتلال الأرض، وطرد أصحابها وتشريدهم من أجل استكمال عملية "التطهير العرقي" كترجمة عملية لسياسة ونهج "أرض أكثر وسكان أقل" ، قد بدأ تنفيذه. وهكذا، جاءت نتائج عدوان حزيران / يونيو1967 لتؤكد أن نكبة جديدة – وليست نكسة ً- قد أصابتنا. واللافت أن التاريخ، بكل انكساراته وآلامه بما يخص النكبة، كحدث سياسي وبنيوي في المجتمع والدولة لم يتوقف عند هزيمة حزيران 1967. وطن عربي، تدحرجت النكبات على أرضه في أكثر من إقليم وساحة، لتشير إلى حالة عربية / فلسطينية رسمية مهزومة ومسلوبة الإرادة والسيادة؛ من اتفاقية " كامب ديفيد " 1978، واتفاق "إعلان المبادئ في أوسلو" 1993، واتفاقية "وادي عربة" 1994، وحالة الفوضى المُدمرة "داعش وأخواتها والتدخلات الخارجية العدوانية" في أكثر من إقليم منذ 2011، والعدوان الإمبريالي الصهيو أمريكي – الرجعي على اليمن، إلى صفقة ترامب – نتنياهو "سرقة القرن" التي وضع أفكارها وصاغ بنودها،الصهاينة من مختلف الجنسيات، ونحن نعيش النكبات.

إن خطورة ما تتضمنه صفقة ترامب – نتنياهو ليس في إعلانها المدوي، بل في ما تحقق على أرض الواقع من نقل للسفارة الأمريكية للقدس، التي أعلن "ترامب" اعترافه بها عاصمة للكيان المحتل، والتضييق على "أونروا"؛ من أجل إنهاء قضية اللاجئين الفلسطينيين، وإعلان "ضم الجولان" المحتل لكيان العدو. وكذلك، فتح أبواب التطويع "التطبيع الرسمي" في أكثر من عاصمة عربية، تحت عناوين وتسميات خادعة ومسمومة، وكمثال على ذلك ورشة" السلام من أجل الازدهار" في البحرين ، ومشاركة الفرق الرياضية والفنية، أو زيارات المسؤولين الحكوميين والقادة الأمنيين الصهاينة لعدد من العواصم الخليجية "المنامة، أبو ظبي، مسقط، الرياض والدوحة ". وهنا تظهر خطورة الصفقة من حيث التطبيق والتمدد في أكثر من مكان، بل ودخول البيوت في أعمال تعرضها بعض الفضائيات، تستهدف من خلال تقديم رواية مزورة للتاريخ، الوعي والثقافة والثوابت الوطنية والقومية.

إن قوى المقاومة الفلسطينية والعربية التي جابهت النكبة وارتداداتها في أكثر من مكان وعلى مختلف الأصعدة، استطاعت في أكثر من ساحة أن تعيق وتُربك مخططات جبهة الأعداء، بل إن الانتصار على أرض الواقع الميداني في غزة ولبنان، والصمود البطولي في مواجهة العدوان والمؤامرة في سورية و اليمن والعراق، يشير إلى أن قوى الأمة الوطنية وبتحالفاتها الإقليمية والدولية، ما زالت قادرة، ليس على صد الهجمات العدوانية، بل وإلحاق الهزيمة بها.

الصفقة/السرقة تقطف ثمار اتفاق أوسلو

لا يمكننا في ذكرى نكبة 1948، الفلسطينية المكان، العربية بالامتداد والتأثير العميق في المجتمعات والدول، سوى القول، أن مواجهة الصفقة/السرقة، التي ستؤدي – بالإضافة لما سبق - لإلحاق أكثر من 42 % من أراضي الضفة الغربية بكيان العدو، التي يُفترض أن تكون تحت "سيادة!" السلطة الفلسطينية، وهو يعني أن منطقة الأغوار التي تشكل 29% من مساحة الضفة الغربية، وما تمتلكه من المياه "170 مليون متر مكعب" و 50 من إجمالي الأراضي الزراعية، سيتم ضمها للكيان، كما أن منطقة  "ج / C" التي يتكرر الحديث عن ضمها تساوي ما يقارب من 60 % من مساحة الضفة الغربية. إن مواجهة كل ذلك، يتطلب أولاَ اسقاط اتفاق أوسلو، نهجاً واتفاقيات وبروتوكلات، مع حوامله الاجتماعية من بيروقراطيين ووكلاء أمنيين للاحتلال "الولاء الأمني"، وسماسرة اقتصاديين. وأيضاً، بإنهاء التضليل الإعلامي والثقافي الهادف لكي الوعي الوطني والقومي التحرري، الذي يختزل كيان الاستعمار الاستيطاني لوطننا، بـ "الدولة الجارة"، ويُؤكد في أكثر من مناسبة ولقاء، بأن قضايا النضال السياسية والأساسية لشعبنا الفلسطيني داخل الوطن المحتل عام 1948، هي " شأن داخلي اسرائيلي". لهذا، فإننا لن نضيف جديداً إذا أكدنا بأن "الصفقة/السرقة" تُنٌفذ على الأرض بعد أن مهد لها " اتفاق أوسلو" بإزالة الكثير من العقبات.

في ظل هذا المشهد، يؤكد الشعب الفلسطيني يوماً بعد يوم، قدراته الهائله النابعة والمستندة على مخزون كفاحي لا ينضب، وعلى ابتداعه، في ظل أقسى ظروف الاحتلال والقمع و "الولاء الأمني"، وسائل نضالية متعددة، من السكين إلى الحجر إلى الدهس إلى الرصاص والمتفجرات.

خاتمة

إن الرد على النكبة وكل النكبات يتطلب مراجعة شاملة للتجربة، فكراً ومساراً وهياكل تنظيمية، وإعادة تجديد الوعي بطبيعة وأطراف جبهة الأعداء كخطوة أولى لإحداث التغيير الثوري في حركتنا الوطنية، بالانتقال من حالة التواطؤ/الشراكة مع المحتل عند البعض، والترهل والتكلس والتيبس عند عدد آخر، إلى حالة شعبية ثورية.. فلا مجال للانتصار وهزيمة المشروع؛ إلاّ بمقاومة وإسقاط النهج التابع للمركز الإمبريالي الصهيوني في كل الوطن العربي؛ لأن المقاومة جدوى مستمرة، كما كتب ومارس الشهيد "باسل الأعرج".