Menu

وحدة النضال الإنساني

بوابة الهدف الإخبارية

خاص بوابة الهدف

مشاهد القمع الذي تمارسه الشرطة الأمريكية تجاه مواطنيها، لا تضيف كثيرًا للفكرة حول الصورة العامة للمنظومة الأمريكية، بأغلبية معقولة من البشر في هذا العالم يرون في هذه المنظومة آلة للبطش بالشعوب، لكن النضال الذي يخوضه المتظاهرون اليوم في ساحات الولايات المتحدة، يعيد استحضار حقائق مهمة عن طبيعة التناقضات في بنية الإمبراطورية الأمريكية، وحتى الارتباك في تصوراتنا حول هذه البنية.

لم يصل القمع الذي تمارسه المنظومة الأمريكية في الداخل، لشيء يمكن مقارنته مع ذلك الذي تمارسه جيوشها خارج الحدود الأمريكية ضد شعوب العالم، ولكنه يفضح فلسفة عمل هذه المنظومة، إذ تحرس وتدير نظام من التراتبية المهيمنة، تسيطر فيه شريحة صغيرة على النسبة الأكبر من موارد هذا العالم، وفي الداخل الأمريكي تسري التراتبية ذاتها، بما يمنح الاستمرارية لبيئة التمييز العنصري والاضطهاد العرقي، فيتم سحق السود الفقراء في قاع هذه الهرمية، ورغم تواجد قلة من السود ضمن النخب المهيمنة، يستمر النظام الأمريكي في الجمع بين الاضطهاد العرقي للسود والقمع الممنهج لمطالب ووجود مجتمعات كاملة من غير البيض.

مجتمع الاستعمار والهيمنة الأمريكي ورغم تحديثه لذاته مرات عدة، وحرصه على التركيز على نوع من التمييز الطبقي في سياساته، أي تمييز يستهدف الفقراء بالأساس، ويسعى لخدمة الثروة وأصحابها، فإنه لا زال يدير سياسات تمييز عنصري على أساس عرقي في ذات الوقت، ويمارس الحرب والعدوان العسكري في الخارج لقمع الشعوب وتطلعاتها في الاستقلالية والحد من الهيمنة، فيما يحفظ للنخبة البيضاء المهيمنة سيطرتها في الداخل من خلال القمع ذاته.

هذه حقائق معلومة في معظمها عن السياسات الأمريكية، ولكن ما يجب أن يترتب عليها هو موضع النقاش الذي يجب أن يخاض على مستوى كل تلك التشكيلات المتطلعة للتخلص من هذه الهيمنة، لا بوصف الأمر خلل في معسكر العدو الإمبريالي ومظاهر تناقض واضطراب داخلي، ولكن باعتبار وحدة القضية الإنسانية في مواجهة الوحشية، فكما يتضح يستحيل خلخلة هذا النظام فعليًا دون رؤية حقيقية لنضال إنساني مشترك، يستند لأسس قيمية واضحة ترفض الهيمنة والظلم والقمع والتمييز العنصري والنهب الممنهج لموارد الشعوب.

 إن مواجهة الخنق الممنهج للإنسانية لا ينطلق من رؤية حادثة قتل جورج فلويد باعتبارها خنق من شرطي أبيض لمواطن أمريكي أسود، ولكن بالأساس باعتبارها امتداد داخلي لسياسات الحروب والهيمنة الوحشية، فلا يمكن أن يتيسر لهذه النخبة القمعية العنصرية القدرة على ممارسة سياساتها في الداخل الأمريكي، دون تلك التغذية التي تحصل عليها من عدوانها وهيمنتها في بلدان العالم المختلفة.

إن تفكيك تحالف نظم القمع حول العالم مع المركز الإمبريالي المهيمن، وتصعيد نضالات الشعوب داخل وخارج الحدود الرسمية للولايات المتحدة وفي فروعها، وكسر نصالها الحادة المغروسة في لحم الشعوب وأبرزها الكيان الصهيوني، هي عمليات مرتبطة وضرورية لنجاح بعضها البعض، ما يحتم الترابط بين كل المؤمنين بالعدالة للإنسانية.