Menu

المراجعة.. الضرورة الممنوعة والخيارات المستبعدة

نضال عبد العال

خاص بوابة الهدف

ليست المسألة في إعلان ضم أجزاء من الضفة وغور الأردن؛ فسواء أعلنت حكومة العدو ضمها لأكثر من ٣٠ بالمئة من الضفة ووادي الأردن وفق الخرائط التي يجري تحضيرها، أو لم تعلن، ويبدو أنها حسمت أمرها وبغطاء أمريكي كامل. فمسألة موعد الإعلان ليس بهذه الأهمية، طالما أن الكيان الصهيوني قد حسم العديد من القضايا، مثل "يهودية الدولة" و القدس ، واللاجئين، وسجل اختراقات على صعيد التطبيع مع الخليج والمغرب العربي. وظهر جليًا بإعلان صفقة القرن، ما تبقى للفلسطينيين، من مساحة جغرافية مقطعة الأوصال وعبارة عن كنتونات متفرقة ومنتشرة بين الضفة وغزة، وفوق ذلك ما يحتاجونه من تأهيل أربع سنوات كحد أدنى، ليستحقوا إعلان دولتهم العتيدة، كاسم على غير مسمى؛ كيان فلسطيني وظيفي يقوم أساسًا على الوظيفة الأمنية، بدأت ذلك مع أوسلو وسيتعزز مستقبلاً مع صفقة القرن، كجزء من العقيدة الأمنية لتشريع الاحتلال وحمايته.

إذا كان الكيان الصهيوني قد حسم أمره، وبات مشروعه واضح المعالم، وهو على أنقاض ما يسمى بحل الدولتين، كما روجته طبقة أوسلو السياسية، على مدى أكثر من ربع قرن، باعتباره الحد الأدنى المقبول، ويبدو أن المحيط العربي في حال جهوزية كاملة لتقبل وتسويق المخططات الأمريكية، والخطوات "الإسرائيلية"، ويتعامل مع ما يجري كمخرجات منطقية لمقدمات بدأت منذ ما قبل مدريد، عندما تصدع الحال العربي بعد احتلال الكويت ، مرورًا بأوسلو وصولاً إلى ما سمي بالربيع العربي، جرى خلالها تكسير وتدمير كل حواجز الممانعة وخطوط الدفاع، وتفكيك منظومات الاجتماع العربي الوطني والتضامن القومي، في الثقافة والسياسة والاجتماع والاقتصاد، ولو بحدها الأدنى، حتى بات الميدان فارغًا ومهيئًا لتقبل كل ما يطرح.

المشهد الفلسطيني والعربي الراهن بما أوجزناه أعلاه، يجعل فهم ما يجري سلسًا ومسوغًا منطقيًا، لأن ما يسمى بصفقة القرن ليست نبتًا شيطانيًا، خارج الزمان والمكان، أو نتائج بدون مقدمات، هي نتيجة لأداء سياسي، يكثف إدارة الصراع على مدى نصف قرن من الزمان، وإن لم يتم التعامل مع ما يجري حاليًا من حسم ملفات القضية المركزية، بخطوات متسارعة من قبل الكيان الصهيوني وبغطاء أمريكي كامل وتواطؤ عربي وموقف باهت على الصعيد الدولي، بالقدر الكبير من الجد والمسؤولية والعمق، فإن حالة العجز ستتعمم وتتعمق إلى حد الانتحار.

القاطرة أولاً…

على الملك أن يحسم أمره للإطاحة بالمقولات سيئة الصيت: "لسنا ملكيين أكثر من الملك" أو "نقبل بما يقبل به الفلسطينيين". أولاً، لكي تتمكن القاطرة من القيام بمهمتها في جر القطار، يجب أن تكون بوضع سليم ومعافى وبكامل طاقتها. ثانيًا أن تكون على السكة الصحيحة، وفي الاتجاه الصحيح، وإلا فإن القطار قد يصل إلى حيث لا نريده أن يصل.

على الفلسطينيين أولاً حسم العديد من الملفات الداخلية، وهذه مقدمات لازمة حكمًا، كمعيار للجدية والمسؤولية التاريخية في التعامل مع ما يسمى صفقة القرن.

هل منظمة التحرير الفلسطينية بخير؛ كمؤسسات وطنية جامعة ومرجعية عليا ممثلاً شرعيًا وحيدًا للشعب الفلسطيني؟ هل ما زالت حاملاً للمشروع الوطني الفلسطيني؟ هل مشروعيتها الشعبية ما زالت كما كانت منذ عقود، ما قبل اتفاق أوسلو؟ ألا تحتاج هذه المشروعية إلى إعادة اختبار على مستوى كل تجمعات شعبنا، في الداخل والخارج؟ وهل تكفي الانتخابات التشريعية في مناطق السلطة، لتثبيت هذه الشرعية عوضًا عن المشروعية كما يسوق حيانا؟

لا يمكن الاستناد فقط للمواقف الفصائلية في تأكيد مشروعية المشروع الوطني، وبات من الضروري إزالة الالتباس في فهمنا لهذا المشروع، فهناك من يصر على فهمه الخاص للمشروع الوطني وحشره في أوسلو، وقد يشذبه لاحقًا ليتناسب مع صفقة القرن، في الوقت الذي يعتبره آخرون معبرًا عن تطلعات وآمال الشعب الفلسطيني في كافة أماكن تواجده. ولأن شرعية الفصائل ليست صكوك أبدية، هي أولاً وأخيرًا رهن بالقدرة المتغيرة والمتبدلة لهذه الفصائل على حمل تطلعات وآمال الشعب الفلسطيني، وفقًا لظروف ومعطيات مرتبطة بمديات زمنية.

الجدية والمسؤولية تقتضي القول بصراحة، أننا نعيش في ظروف صعبة ومعقدة، ويتراكم الفشل ويتفشى بعدم قدرة الطبقة السياسية بمجملها على إنهاء الانقسام، وتقديم بديل بأدوات كفاحية جديد، وبتنا أمام وضع التخبط والفوضى، وهوة شاسعة بين الفصائل وشرائح واسعة من الشعب الفلسطيني. وبين المنظمة والسلطة لا بد من إظهار التخوم، في كل التفاصيل التي تكرر طرحها، ولا داعي لإعادة سردها. وبين المنظمة وحركة فتح، كما وبين الأخيرة والسلطة، بما تشكله من أجهزة ومؤسسات، مدنية وسياسية وأمنية. وعندما تقرر حكومة العدو تقديم قرض مالي للسلطة، فإنها تظهر مدى حرصها عليها وحاجتها لها، وخصوصًا في هذه الفترة التي تتحضر فيها "إسرائيل" لاتخاذ قرارات كبيرة، وعندما تقبل السلطة القرض، فهي تكشف الهامش المحدود الذي تنوي اللعب فيه، والخيارات الممكن أن تتخذها في مواجهة قرارات الضم وخصم مخصصات الشهداء والأسرى، وغيرها من متطلبات وشروط صفقة القرن، وفي الحال الضبابي المذكور مع غياب التخوم؛ فإن ذلك يؤذي فتح قبل السلطة، ويؤذي المنظمة قبل فتح والسلطة.

بهذا المعنى فإن منظمة التحرير الفلسطينية، هي في نهاية الأمر كائن تاريخي غير نهائي، تشكل في ظروف وتغير وتبدل ارتباطًا بظروف، وهي دائمة التشكل، ومن غير العلمي اعتبار أن المُنجز التاريخي نهائي في قيمته الوطنية، مهما تبدلت الظروف وتشوه المضمون.

المشكلة القائمة حاليًا، ليست في الحاجة للمنظمة كنظام سياسي جامع، فلا أحد من الفلسطينيين يريد الفراغ في التمثيل المرجعي؛ إطار يجمعهم ويمثلهم كشعب مشتت، ويمثل قضيتهم ويؤطر نضالهم، أي أن المسألة ليست رغبات، بل هي ظروف ومعطيات واستحقاقات لتحديات تفرض علينا خيارات، أحلاها مر. المشكلة في إدارة هذا النظام السياسي؛ إدارة تمثل مصالح شرائح سياسية اجتماعية، وعلى حساب مصالح الأغلبية الساحقة من الشعب الفلسيطيني؛ إدارة فيها كل أشكال الفساد والمحسوبية والاستزلام، وهو يستخدم كل هذه الأوراق المتاحة، لتحقيق التحكم والسيطرة المطلقة على كل مفاصل هذا النظام.

لقد بات واضحًا تمامًا، أن اتفاق أوسلو هو مشروع البرجوازية الفلسطينية، التي فشلت في تحقيق دولة، فأذعنت وتحولت إلى سمسار شريك للاحتلال برعاية اتفاقيات باريس الاقتصادية، وحارس أمني مطور بنسخة دايتون، وهي قد تقبل التعامل الفعلي مع مخرجات صفقة القرن، رغم الرفض اللفظي، بحجة أن لا خيارات متاحة، وأن العرب مفككون ومهزومون، فيطيب لها الاستقواء بحال المهزومين لتبربر مزيدًا من الهبوط.

الحاجة جدًا ملحة لاجراء مراجعة سياسية شاملة، لكن الظروف ليست ناضجة للقيام بهذه الخطوة الانقاذية الضرورية؛ لأن فكرة المراجعة هي اعتراف ضمني بالفشل، ومناسبة لبحث خيارات أخرى، وطبقة أوسلو السياسية غير مستعدة للاعتراف بالفشل، ربما لا تعتبر نفسها إنها فشلت أصلاً، وهي إما لا تريد، أو ليس قادرة على القيام باستدارة كبيرة، تستجيب لاستحقاقات مواجهة التحديات، لأنها سوف تتسبب بتصدعات كبيرة داخل هذا الفريق.

ستعيش فتح ظروف صعبة وقاسية، وسيكون الشعب الفلسطيني أمام فرز كبير، قد يؤدي إلى تكرار تجارب شعوب أخرى كانت تحت الاحتلال، كتجربة لحد في جنوب لبنان. ربما يكون الفرز ضروريًا، ومن العسير تشكيل جبهة مواجهة حقيقية دونه، والشعب الفلسيطيني وقواه أمام خيارين؛ إما التمسك بالوحدة وعلى حساب المشروع الوطني، الذي يلبي تطلعات وآمال الأغلبية الساحقة من الشعب الفلسطيني، أو الدفع بقوة لتحقيق فرز بين المتمسكين بهذا المشروع بثوابته الوطنية وتمثيله لأوسع الشرائح الشعبية، وبين الذين سبق أن عملوا على تشذيبه وتكيفه وحشره في أوسلو، وهم على استعداد الاستمرار بعملية التشذيب بذرائع شتى، لكي يتماشى مع صفقة القرن.

وما ينطبق على طبقة أوسلو السياسية، ينطبق على الطبقة السياسية المعترضة، وهي ليست جاهزة أو مستعدة للمراجعة أيضًا؛ لأنها أيضًا غير مستعدة للاعتراف بالفشل في تشكيل البديل الجدي، بل الفشل في تحقيق شعاراتها وتلبية مصالح الشرائح الواسعة المفروض أنها تمثلها، وهذا بعكس فريق أوسلو، الذي حقق على الأقل مصالح الفئات الذي يمثلها، حين اختار التسوية ومسارها وشروطها، وهو منسجم مع نفسه ومع من يمثل، بعيدًا عن سياسات التضليل والخداع الإعلامي والمالي في إدعاء تمثيله لكل الشعب الفلسطيني.

إن متاهة الأسئلة مستمرة، ماذا نريد؟ وكيف نحقق ما نريد؟ والتي هي برسم المعترضين أولاً، ويعجزون عن الإجابه عليها، وما التخبط والإرباك في المواقف والسياسات والأداء الهابط، إلا الوجه الآخر لأزمة منظمة التحرير الفلسطينية، وهي مخاض حقيقي لولادات جديدة، على أنقاض التشكيلات السابقة بكل ألونها.

الفرز الذي نتحدث عنه غير محصور في السلطة وحركة فتح، بل في كل مكونات المرحلة السابقة، وهذا ما يجعل المنظمة والساحة الفلسطينية عمومًا أمام تشكل جديد، طبعًا بعد مخاض عسير.

القطار ثانيًا…

المفروض أن يكون القطار خلف القاطرة، وقوة محركها يحدد سرعة القطار ووجهته من خلال اختيار القائد السكة الصحيحة، لكن الواقع يقول عكس ذلك تمامًا؛ لأن عربات القطار وحالها وما تحمله ورغبة المسافرين وعددهم، تفرض طبيعة القاطرة وقوة محركها ووجهته. عندما يقول العرب أننا لسنا ملكيين أكثر من الملك أو أننا نرضى بما يرضى به الفلسطينيين، فهم بكل بساطة يخادعون، لأنهم حددوا مسبقًا كل شيء، وصار قائد القاطرة محكوم عليه الالتزام برغباتهم، وإلا فإنهم سيتركون القطار فارغًا، والقاطرة ومن يقودها يسيرون إلى الجهة التي يختارونها بمفردهم.

لذلك إن رؤية القيادة للتموضع الاسترتيجي تحدد وجهة السير، كما تختار رفاق الدرب في تشابك مركب، بين رغبات وتطلعات قيادة القاطرة ونزلاء العربات، فلا يمكن مواجهة صفقة القرن من ذات التموضع الاستراتيجي العربي والدولي، الذي يمهد الأرض لها ويسعى إلى تسويقها. لذلك أيضًا، إن حسم الملفات الداخلية في المنظمة، هي عملية مركبة وفي جزء كبير منها متشابكة ومتداخلة بين الأبعاد الداخلية والخارجية؛ الفلسطينية والعربية والاقليمية والدولية، هي ذاتها تشابكات المصالح لشريحة الكمبرادور الفلسطيني والعربي، في تبعيته للرأسمالي الصهيوني والإمبريالي.

لذلك كل النوايا الحسنة ودعوات الحوار، التي تطالب بالإصلاح وإعادة بناء المنظمة، تبقى قاصرة، إن لم تدخل في العمق، ليلامس النقاش الوظيفة الأساسية للمنظمة كحركة تحرر وطني، وبوصلة تحالفاتها تتحدد وفقًا لهذه الوظيفة.. هل هي جزء من محور المقاومة وهو محور القواعد الشعبية العربية، أم هي جزء من محور التطبيع وهو محور الانظمة العربية الرسمية؟ ولا يستوي أن تكون الشيء ونقيضه في الوقت ذاته. وكما أن الساحة الفلسطينية أمام مخاض الفرز، في مخاطره وارباكاته وضرورته أيضًا، فلا قيمة فعلية لهذا الفرز إن لم يمتد إلى الساحة العربية أيضًا، بين أنظمة بات دورها مكشوفًا كسمسار تابع بالكامل على كل المستويات والأصعدة، وحركات وأحزاب اعتراض شكلي عاجزة عن تشكيل البديل، هي الوجهة الآخر لأزمة هذه الأنظمة.

بهذا المعنى فإن الاستدارة كأحد الخيارات الضرورية، ليست استدارة سطحية في الموقف السياسي، بل هي في التموضع الاستراتيجي، أي أن تستعيد المنظمة موقعها ودورها، حامل للمشروع الوطني الفلسطيني وطليعة حركة التحرر العربية، وبهذا المعنى يكون الفرز هو إعادة تشكل كاملة بعمقها الاستراتيجي بكافة أبعادها لعملية التحول المطلوبة.

هل هذا ممكن؟ الجواب بكل بساطة نعم، لكنه مستبعد، لأنه لا مصلحة لأحد في الطبقة السياسية كلها، سواء كان في السلطة أو في المعارضة، وأي كان فلسطينيًا أو عربيًا، لا أحد معنيًا بالمراجعة، وما تعنيه المراجعة وما تستدعية من الاعتراف بالفشل، وبالتالي فتح المجال للتغيير والتجديد. ولا أحد مستعدًا لاعتماد خيارات بديلة، صعبة بالنسبة للقيادة التقليدية، لكنها ممكنة بالنسبة للأجيال الجديدة.

لكن التاريخ لا يعدم الوسيلة والبديل، ولا بد أن يجد منفذًا، ويتسرب مثل الماء من الشقوق الصغيرة، ويتحول في يوم ما إلى سيول جارفة تشق يباس الأرض، وتفتح مجاري جديدة تنذر بمواسم خصب وعطاء.