Menu

مشهد الضم والحاجة إلى موقف وطني فلسطيني موحد

موسى جرادات

خاص بوابة الهدف

في الوقت الذي تتجه فيه الأنظار إلى القرارات المتعلقة بضم أجزاء واسعة من الضفة الغربية، تعيش الأراضي الفلسطينية المحتلة حالة من الترقب والانتظار، فمن الواضح أن الإجماع الصهيوني مُقدم على تنفيذ هذه الخطوة دون النظر إلى المحاذير الدولية المترتبة على هكذا قرار، وعلى ما يبدو فإن الحكومة الصهيونية ترى إن هكذا قرار لن يقود إلى أي رد فعل دولي ذو تأثير، وإن اللحظة التاريخية قد حانت ولا بد من الأخذ بهذا المسعى.

أما على الصعيد الفلسطيني، فالمشهد السياسي المصاب بالهزال والاستعصاء يقف عاجزًا على مواكبة المسار التهويدي للأرض الفلسطينية، والناظر لهشاشة الموقف الفلسطيني يدرك أن صانع القرار الصهيوني لن يلتفت لردات الفعل الرسمية الفلسطينية. فالسلطة الفلسطينية كمؤسسات رسمية مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بمركبة الاحتلال، وإنها غير قادرة أصلاً على الانفكاك لكونها شكلت بالأساس وفق المنظور الصهيوني لأداء أدوار وظيفية تتعلق بالأمن والسكان بعيدًا عن السيادة ومشتقاتها، وهذا ما تم لحظه منذ قيامها وحتى هذا الوقت.

وعلى الصعيد العربي، تبدو الحالة العربية برمتها تعيش تجليات الصراعات الداخلية الدامية التي لم تتوقف عجلتها منذ عشر سنوات، وبالتالي فهي غير قادرة على صناعة موقف موحد اتجاه الخطوة الإسرائيلية إن تمت.

وما بين الموقفين الفلسطيني والعربي الرسميين، تبقى الأنظار متجهة نحو الشعب الفلسطيني في الداخل المحتل، فهل هو مقبل على انتفاضة متجددة؟ وهل هو بالأصل قادر على إنجازها وفق المعطيات الداخلية المليئة بالتناقضات الحادة التي تعصف بقوى الأمر الواقع في الضفة وغزة، وغياب أي مؤشر على قيام وحدة وطنية حقيقية؛ قادرة على الاستجابة لهذا التحدي الوجودي الذي يعصف بالأرض والشعب والقضية؟

وفي كل الأحوال تبقى المحاولة الاحتلالية محفوفة بالمغامرة غير المدروسة؛ فالإعلان عن الضم هو خطوة ستفضي  إلى انهيار دراماتيكي لمؤسسات السلطة الفلسطينية، والتي ستفقد آخر ما تبقى من مشروعية مجتمعية لها، باعتبارها أنها محطة على طريق بناء الدولة وفق مُنظريها، وهذا الانهيار سيأخذ في طريقة جملة من المنجزات التي حققتها حكومة الاحتلال طوال فترة قيام السلطة، حيث تخلت عن الأعباء المترتبة على إدارتها للضفة الغربية وقطاع غزة منذ نشوء السلطة وحتى هذا الوقت، فهل هي مستعدة للعودة من جديد وإدارة هذا الملف؟ أم إنها تراهن على وجود قوى محلية فلسطينية قابلة لأداء هذا الدور؟ كل تلك الأسئلة المطروحة اليوم نجد صداها في أروقة مؤسسات الاحتلال الأمنية والعسكرية، والتي لم تقدم إجابة واضحة عن اليوم الثاني لإعلان الضم.

في حين تبدو تصريحات نتنياهو الضبابية في الأيام الأخيرة، والتي تتحدث عن إمكانية تأجيل عملية الضم المقررة مطلع تموز المقبل تحت ذريعة تراجع الإدارة الأمريكية عن موافقتها المسبقة على هذا القرار، بحيث لخص نتنياهو هذا التراجع من قبل الإدارة الأمريكية تحت بند إنها فرضت شروط جديدة تتعلق بموافقة الحكومة الصهيونية على إقامة دولة فلسطينية على ما تبقى من الأرض؛ الأمر الذي يخشاه نتنياهو، لأن هذه الموافقة الشكلية ستؤدي إلى تفجير مركبات الحكومة الصهيونية، والتي تعتمد بشكل صريح على اليمين الديني الرافض بالمطلق إقامة الدولة الفلسطينية مهما كانت مكوناتها.

 فبتنا إذن أمام مشهد ضبابي يلف المسرح بكامله، فمن جهة حكومة صهيونية يمينية تمتلك كل أسباب القوة لتفعل فعلتها، ولكنها عاجزة لأسباب داخلية على الإتيان بهذا الفعل، وكذلك سلطة فلسطينية تمتلك كل أسباب العجز قادرة بالحد الأدنى على عدم إعطاء شرعية لهكذا خطوة، حتى لو وصل الأمر بها إلى حل نفسها كضرورة فلسطينية عليا تقتضيها متطلبات المرحلة الراهنة، وما بين اللحظتين يناور نتنياهو عسى أن يجر السلطة مرة أخرى إلى فخ طاولة التفاوض من جديد ويعيد تدوير الزوايا عبر افتعال همروجة استمرار العملية السلمية وفق منظوره.

المشهد الضبابي نجد صداه اليوم في واشنطن التي صاغت صفقة القرن حرفًا حرفًا، وكلمة كلمة، لأهداف تتعلق بوضعية الولايات المتحدة كإمبراطورية عالمية تريد إعادة التموضع الدولي بعد أن تكرس دولة الاحتلال كدولة لديها شرعية إقليمية، وأن تلعب أدوارًا كبرى في صياغة خريطة المنطقة العربية والشرق أوسطية. هذا الضباب الذي يلف الإدارة الأمريكية جاء بعد متغيرين لم يكونا في حساب تلك الإدارة الأمريكية، وهما كورونا وما خلفته من آثار اقتصادية مدمرة، وكذلك حالة الاحتجاج الشعبي التي ملأت شوارع المدن الأمريكية احتجاجًا على عنصرية الشرطة الأمريكية، ومن الواضح أن إدارة البيت الأبيض ذهبت إلى الدفاع في مجابهة التحديات المحلية، وبعيدًا عن العنتريات الترامبية التي أوحت في بادئ الأمر قدرتها على صياغة المستقبل العالمي وفق منظورها بعد أن لعبت بكل التوازنات الدولية في محاولة منها لبناء تلك الصياغة الهلامية، والتي لم تبصر النور لتعود بعدها تلك الإدارة أدراجها في محاولة منها للملمة ما تبقى لها من وقت، حتى إقامة الانتخابات الأمريكية في نهاية هذا العام. وبالتالي أصبحت المعطيات الخارجية لمنجزاتها خارج حسابات الناخب الأمريكي الذي أصبح أمام تحديات معيشية وبطالة وغياب الحد الأدنى من العدالة الاجتماعية، ومن هنا يمكن تفسير تصريحات نتنياهو بوجود شروط أمريكية جديدة للموافقة على عملية الضم.

والسؤال الأخير، ألم يحن بعد أوان قيام مصالحة وطنية فلسطينية تعيد ترتيب البيت الداخلي الفلسطيني وفق متطلبات الشعب الفلسطيني؟ ألم تصل القوى الفلسطينية الفاعلة إلى هذه النتيجة بعد؟ وإن لم تصل كيف يمكنها أن تصل؟ وما هي الظروف المستجدة التي ستدفعها إلى الإقتناع أن الكل الفلسطيني هو الأساس وأن المصالح الضيقة ستقود حتمًا لفناء الكل؟