لن تعود حركة الحياة إلى مسارها الطبيعي بعد وباء كورونا، فأزمة الرأسمالية واقتصادها في حالة سقوط لم يسبق أن شهده العالم منذ "الجليد العظيم" قبل 300 سنة.
يتوهم بعض المتعصبين للنظام الرأسمالي أن الأزمة ستحل قريباً، ويتوقعون انتعاشاَ ونمواً سريعاً، لكن التخيلات والهلوسات لا تمت للمنظور الحقيقي بصلة.
فالبطالة، لم تعد مؤقتة، بل أصبحت بطالة بنيوية من صلب الأزمة، والفقر تجاوز كل الألوان والخطوط، أما المؤكد، فإن الأزمة ستكون مرعبة ومستمرة لعقود قادمة، وستقع على كاهل الطبقة العاملة والفئات الاجتماعية الكادحة والمعطلة عن العمل التي ستكون أمام خيارين:
إما أن تعيش موتها البطيء مع الخضوع لسياسات التقشف والضرائب والبطالة والجوع، أو أن تستجمع قواها وتنهض لتدافع عن حقوقها في العمل والحرية والعدالة الاجتماعية والعيش بكرامة، وتخليص رقابها من حبل الموت الرأسمالي، وإحداث التغيير الجذري قبل أن تلتقط الرأسمالية أنفاسها جراء أزمتها الملتفة حالياً حول عنقها.
قد نستطيع القول، أن الظروف الموضوعية تنضج أكثر فأكثر، وخاصة، بعد وباء كورونا، فالنظام الرأسمالي المأزوم منذ عام 2008 يجد نفسه اليوم أمام أصعب امتحان أيديولوجي وسياسي واقتصادي واجتماعي يهدد منظومته برمتها، لكن يبدو أن الظروف الذاتية لدى قوى البديل الاشتراكي لم تنضج بعد.
ربما - ثورياً هي من أفضل الظروف الموضوعية لتقدم حركة التحرر الثورية في العالم استعداداً لكسر شوكة الرأسمالية وتحطيم قيودها وأغلالها والتقدم نحو الاشتراكية.
لا يعني هذا، أن الثورة هنا، أو هناك، ستنجح غداً، عند الساعة صفر، بل يعني أن المرحلة يجب أن تسلك بوصلة الصراع الطبقي، كما يحصل الآن في الولايات المتحدة الأميركية بعد مقتل جورج فلويد، أو في فنزويلا أو لبنان أو فلسطين... أو غيرها.
المسألة ليست سهلة، لكن دون استسهال الحراك، أو الانتفاضة، أو الثورة هنا أو هناك.. فمراكمة النضال واتساعه وتنظيمه ووضوحه، لا بد من أن تهيئ الظروف لقاعدة عمالية ونقابية وسياسية أقوى وأنضج للقيام بمهمة الثورة الشعبية، خصوصاً مع تعمق أزمة الرأسمالية وتراجعها وفشل حلولها الاقتصادية.. فالواجب الثوري يقتضي رصد تداعيات الأزمة، وتحليل أبعادها، وتحديد نقاط قوتها وضعفها، وتعبئة الطبقة العاملة والجماهير الشعبية المفقرة، ورسم مراحل المعركة الطبقية. فالرأسمالية، لن تستسلم بمحض إرادتها، بل يجب أن يتم الإطاحة بها عن وعي وخطة وبرنامج ومشروع ثوري بديل.
وسط هذه الأزمة، لا يوجد طريق وسط، وهذا لا يعني بالمطلق، أن الثوريين لا يجب أن يناضلوا من أجل الإصلاحات الوطنية، سواء السياسية أوالاقتصادية والاجتماعية.. وغيرها، بل على العكس، إنه نضال مطلبي اجتماعي طبقي حيوي جداً، فبدونه لن يكون هناك نضال وطني شامل من أجل تحقيق الثورة الاشتراكية.
إن الموضوع الحالي الأكثر إلحاحاً بالنسبة للطبقة العاملة والفئات الكادحة يكمن في كيفية مواجهة أمراض الأزمة الاقتصادية وتداعياتها، وفي مكافحة وباء كورونا، وهذا يتطلب الوضوح في البرنامج الثوري، والحذر من الوقوع في أفخاخ الحكومات الرأسمالية أو البرجوازيات التابعة التي من الممكن أن تطعم الفقراء حلو الكلام، أو تسترسل في الوعود لتقضي على نقمة الفقراء وتطفئ جذوة النضال عندهم خوفاً من التغيير، في وقت تكون تحفر فيه "خوازيق" التقشف والضرائب لتدفيع الطبقة العاملة ثمن الأزمة والانهيار والفساد والسرقات وأزمة كورونا لاستعادة كل الخسائر المسؤولة عن نهبها أولاً، وعن فشل نظام السوق النيوليبرالي.
فأول طريق التغيير يبدأ بالتأميم واسترجاع الأملاك المنهوبة ومصادرة الأموال والأرباح للرأسمالية وطغمتها المالية من قبل محكمة ثورة الشعب.

