Menu

أمریكا والخطر.. مستقبل مشكوك فیه

د. محمد السعيد إدريس

الحقیقة التى لا یمكن إنكارها على ضوء مواصلة الحركة الاحتجاجیة التى تجتاح معظم الولایات والمدن الأمریكیة الكبرى منذ إرتكاب شرطى "أبیض" لجریمة قتل متعمدة ضد المواطن الأمریكى جورج فلوید (أسود البشرة) فى مدینة مینیابولیس بولایة مینیسوتا یوم الاثنین (25 مایو الفائت)، هى أن الولایات المتحدة لن تسلم من هذه بات ینتظرها، لكن من الصعب التنبؤ الآن بما سوف یحدث على ضوء تضارب حدود الأحداث وأن مستقب ًلا غامضاً التفاؤل والتشاؤم التى تحكم معظم الأمریكیین بخصوص المستقبل واحتمالاته.

فى العاصمة الأمریكیة فى ظل تدافع عشرات الآلاف من هناك متفائلون بالمستقبل من بین المتظاهرین خصوصاً المتظاهرین على مقربة من البیت الأبیض فى المنطقة التى أضحت ساحة للاحتجاجات وقررت عمدة واشنطن موریل مواتیة باوزر تسمیتها بـ "ساحة حیاة السود مهمة". هؤلاء یتابعون نتائج إیجابیة لاحتجاجاتهم ومنهم من یرى فرصاً لتحقیق الحلم الذى ثار من أجله واغتیل بسببه داعیة الحقوق المدنیة مارتن لوثر كینج الذى حلم بالقضاء على التمییز العنصرى فى المجتمع الأمریكى. فى هذه الساحة وبالقرب من البیت الأبیض وقف مارتن لوثر كینج فى عام 1963 لیلقى خطابه الشهیر الذى تحول إلى مشروع طموح للتغییر وحمل اسم "لدى حلم"، لكن هذا الحلم لم یتحقق، ویرى ً عن هذه الأفكار الوردیة للشباب هناك من یدققون فیما هؤلاء المتفائلون الآن أن الحلم یمكن أن یتحقق، لكن، وبعیدا من الولایات المتحدة.

ویتنبأون بأن الخطر اقترب كثیرا یحدث ویقرأون الأحداث جیدا من خطر فإذا كان توماس فریدمان أشهر كتاب الرأى فى صحیفة نیویورك تایمز قد كتب (2020/6/2 (محذرا بالمرة، أننا سنكون قادرین على تنظیم انتخابات "الانكسار" الذى یتهدد الولایات المتحدة، وقال "أنا لست متأكدا رئاسیة حرة نزیهة فى نوفمبر المقبل وأن یكون لدینا انتقال سلمى للسلطة الرئاسیة فى ینایر 2021 ،"وفسر هذا التخوف بقوله : "نحن على حافة حرب أهلیة ثقافیة"، فإن هناك من یستدعون، بحذر، نبوءات عالم المستقبلیات الأمریكى الشهیر "إلیفین توفلر" بحق الاتحاد السوفیتى، ویتحدثون بصوت خافت: "هل یمكن أن تتحقق هذه النبوءات فى الولایات المتحدة على نحو ما تحققت فى الاتحاد السوفیتى وانتهت بانهیاره وتفكیكه؟".

فى الوعى بالواقع الاجتماعى- النفسى داخل الولایات المتحدة، وعمق وتجذرا خلفیة هذه التساؤلات أكثر عمقاً الانقسامات الطبقیة- الاجتماعیة - الثقافیة التى أضحت متجذرة فى الواقع الأمریكى منذ عقود طویلة وآلت بالولایات المتحدة إلى فرض انقسام واستقطاب بین طبقة حاكمة تملك السلطة والثروة مدعومة من أقطاب الشركات الصناعیة العسكریة الأمریكیة، وبین أغلبیة شعبیة متعددة الأعراق والثقافات تعانى التهمیش والتمییز فى دیمقراطیة مزیفة یسیطر علیها من یملكون أو بتحدید أكثر "من یملكون الأكثر من الثروات".

هذا المنظور أو التحلیل الاجتماعى – النفسى – الثقافى لأزمة المجتمع الأمریكى الحالیة یتجاوز الحدود الضیقة لتفسیر الخطر مما هو قادم الذى حكم رؤیة كل من توماس فریدمان، ومعه زمیله "دانا میلبانك" المعلق فى صحیفة "واشنطن بوست" (2020/6/2 ،(وهى الرؤیة الضیقة التى ترجع ما حدث وما یحدث لشخص الرئیس دونالد ترامب وعنصریته ورعونته فى إدارة الأزمة.

توماس فریدمان قال فى عنوان مقاله المشار إلیه: "أین نجد قیادة تنقذ الولایات المتحدة" وتحسر على أن الأمریكیین "لیسوا محظوظین" لأن "إبراهام لینكولن (الرئیس الأمریكى الأسبق) لیس رئیسهم"، أما دانا میلبانك فاعتبر أن ما یحدث فى المدن الأمریكیة الآن "هو نتیجة لغضب الرئیس دونالد ترامب" الذى "بد ًلا من أن یعلن دعمه للتظاهر السلمى وإذا به یهدد بتعبئة الجیش لضرب مواطنى الولایات المتحدة". فى الحالتین عند توماس فریدمان وعند دانا میلبانك تم تحدید مرجعیة الأزمة بشخص الرئیس ترامب وسوء إدارته، لكن الرؤیة الأخرى تتجاوز شخص ترامب وتركز على خصوصیة المرحلة الحالیة التى یمر بها المجتمع الأمریكى وتمر بها الولایات المتحدة كقوة فى استقراره.

بالصراعات ومشكوكاً عالمیة عظمى یتهددها الأفول فى نظام عالمى أضحى مفعماً تقدم هذه الرؤیة إیحاءات بأن نبوءات "الیفین توفلر" التى نشرها فى كتابه الذى حمل عنوان "الموجة الثالثة" (war third THE (عام 1987 وأتبعه فى نفس العام بكتابین آخرین: "خرائط العالم" (maps world (و"انتشار تشظى السلطة" (distribution Power (التى تنبأت بانهیار وتفكك الاتحاد السوفیتى تحققت بعد سنوات معدودة لم یعد هناك ما یمنع من تحقیقها بالنسبة للولایات المتحدة، وأن الدور جاء على الولایات المتحدة كى تتفكك، وأن مهمة عن المهمة التى سبق أن قام بها بوریس یلتسین دونالد ترامب فى الدفع بحدوث الانهیار الأمریكى لن تختلف كثیرا آخر رؤساء الاتحاد السوفیتى.

هناك من یحاولون الإنقاذ، وبالتحدید قادة الحزب الدیمقراطى خاصة مرشح الحزب للرئاسة جو بایدن والرئیس السابق باراك أوباما، كلاهما بدا حریصاً على توظیف الأزمة لصالح إسقاط الرئیس دونالد ترامب فى الانتخابات الرئاسیة القادمة، ودفع المتظاهرین ومعهم كل الأمریكیین الحریصین على أمریكا وسلامتها، بحسن اختیار وسائل الإصلاح المطلوب فى الشرطة ونظام العدالة ومعالجة العنصریة العرقیة، وذلك بتوجیه كل الطاقات نحو صنادیق الاقتراع فى الانتخابات الرئاسیة المقبلة، لإسقاط دونالد ترامب وإنجاح جو بایدن. وكلاهما كان حریصاً على تقدیم الأولویة للرؤیة الإصلاحیة للنظام وعلاج الخلل، والقضاء على التمییز العنصرى، من منظور الانحیاز للنظام الأمریكى والدفاع عنه، ونبذ كل أشكال العنف والتخریب والدعوة إلى التظاهر السلمى.

إصلاح أم تغییر؟ تفاؤل أم تشاؤم؟ أسئلة ستظل تفرض نفسها، لكن سیبقى العامل الحاسم هو معرفة ما یموج من تفاعلات فى أحشاء المجتمع الأمریكى: هل یمكن أن تؤدى إلى انفجاره من داخله وفرض التغییر؟ وأى تغییر یمكن أن یحدث؟ هل تغییر ضمن الدولة الواحدة، حتى ولو كانت فیدرالیة على النحو الذى هى علیه الآن، أم تغییر یؤدى إلى التفكیك والانقسام؟

فالمجتمع الأمریكى ملىء بالحركات والتنظیمات الیمینیة والفاشیة المتطرفة التى باتت منتشرة بكثافة فى كثیر من الدول الأوروبیة وامتدت إلى الولایات المتحدة، وهذه ترفع شعارات "قومیة" تعادى الأقلیات والأجانب وترفض الهجرة، وهى داخل الولایات المتحدة شدیدة العنصریة ضد الأمریكیین السود والأقلیات المهاجرة، وهناك منظمات وحركات أخرى یساریة، وأخرى فوضویة تعادى الفاشیة والعنصریة وتعادى حكم "طبقة الأقلیة" المسیطرة على السلطة فى واشنطن والولایات الأمریكیة، منها مث ًلا منظمة "انتیفا" التى یحِّملها الرئیس ترامب مسئولیة أعمال العنف التى حدثت فى بعض المظاهرات الأخیرة، وهى منظمة یساریة یؤكد اسمها أنها بالأساس ضد الفاشیة (- AntiFashest ( ومعركتها الأساسیة هى مواجهة انزلاق المجتمع الأمریكى فى ظل ترامب نحو "الفاشیة" انتشار مثل هذه الحركات ینبئ بأن الخطر بات یتهدد استقرار المجتمع الأمریكى، لكنها لا تكفى لتقدیم مؤشرات حول مستقبل ، بدرجة كبیرة بمستقبل الحراك الشعبى الحالى.

التغییر فى الولایات المتحدة، الذى سیظل رهناً هل سینحسر ویتراجع أم سیتصاعد ویمتلك آلیات التغییر ویتجاوز دعاوى الإصلاح التى تضع نصب أعینها على وأنه، كما هى عادة الحركات الاحتجاجیة، حراك دون تنظیم ودون قیادة ودون الانتخابات الرئاسیة المقبلة، خصوصاً برنامج واضح ومحدد للتغییر.