Menu

دراما التطبيع الخليجية على أبواب نكبتنا

محمد أبو شريفة

نُشر هذا المقال في العدد 14 من مجلة الهدف الرقمية

توالت النكبات على فلسطين منذ منتصف القرن التاسع عشر وتحديدًا عندما انعقد المؤتمر الأوروبي في لندن في العام 1840، حينها بدأ التمهيد لإطلاق المشروع الصهيوني الاستيطاني الإقصائي؛  فأعقبه نكبات عديدة أحاطت بالشعب الفلسطيني من كل صوب وحدب، واستمر التحالف البريطاني الاستيطاني الصهيوني في تنفيذ مخططاته ليبيح للغزاة الصهاينة استلاب أرض فلسطين وإقامة كيان الاحتلال الاسرائيلي في 15/5/1948، في جريمة لم يعرف لها التاريخ مثيل. وحينها ومنذ النكبة الكبرى وما قبلها انطلقت مسيرة النضال الفلسطيني بتنوعاتها السياسية والعسكرية والاعتصامات والمظاهرات والانتفاضات وما زالت مستمرة حتى يومنا هذا في مواجهة الغزو الصهيوني. وبدأ مسلسل المقاومة عبر مراحل تاريخية تعنونت برفض الظلم والاضطهاد والاقتلاع وأثبتت صوابية وعي الشعب العربي الفلسطيني لحجم المؤامرة التاريخية.

ولكن مع بداية التفاوض السياسي بين العرب وإسرائيل طرحت الأخيرة موضوع التطبيع كجزء أساسي من عملية التفاوض؛ فمنذ تدشين اتفاقية كامب ديفيد في العام 1978وما تلاها من محطات تسووية تحاول إسرائيل اقحام نفسها في الشأن الحيوي العربي لتقبلها كحالة طبيعية لدى الأوساط الشعبية، وإلى وقتنا الراهن لم تحقق هذه الرغبة، حيث اصطدمت بعوائق كبيرة. ويبدو أنها وجدت ضالتها بالتغلغل سياسيًا واقتصاديًا وثقافيًا ورياضيًا لدى عدد من الدول العربية وإقامة علاقات سرية معها. وما كان لهذه العلاقات أن تدوم دون الكشف عنها بالعلن لتمهد الطريق أمام التطبيع. 

ويلاحظ أنه في العقد الأخير بدأت ظهور البؤر السياسية والتجارية والصناعية والثقافية مع دول الخليج، كمؤشرات أولية على إمكانية النظام الرسمي العربي على تدجين وتطويع المواطن العربي وجعل الفرصة مؤاتية للاعتراف باسرائيل؛ إلا أنه مع بداية الانتفاضة الفلسطينية الثانية خفتت تلك الأصوات ليعاد إحيائها من جديد؛ عبر سلسلة من الأعمال التي تقوم بها بعض الدول العربية لصالح العدو. وليس خفيًا الآن أن معظم تلك الأعمال تقف خلفها دول خليجية لها وزنها ومكانتها عربيًا وإسلاميًا، وليس خفيًا أيضًا أن هذا القدر الكبير من الود  في العلاقات بين الطرفين قائم على تبادل شرعيات، ولا سيما أن الاحتلال دفع باتجاه شرعنة حكم البعض؛ منهم أمام الولايات المتحدة ليردوا الجميل بدورهم لفتح أبواب العواصم العربية والاعتراف بالاحتلال دون مقابل، ودون الأخذ بعين الاعتبار بالحد الأدنى للمقولات الفلسطينية. وتجاوزت أغلب النظم الرسمية العربية في السنين الماضية كل الخطوط الحمراء، سعيًا لتثبيت شرعيتها على حساب القضية الفلسطينية.

وفي جملة عمليات التطبيع التي اخترقت البعد الاقتصادي والرياضي والطبي والزراعي والثقافي؛ انضمت الدراما العربية إلى فخ التطبيع بأعمال فنية خليجية. والمدقق  لهذه الأعمال الدرامية يعرف من الذي يقف خلفها من بعض الدول الخليجية، وكأنها تريد ارسال عربون شكر لكيان الاحتلال على ما تقدمه من خدمات لصالح هذه النظم السياسية المتهالكة. في حين تشهد بالطرف المقابل جحود إسرائيلي لكل تلك الخدمات والمطالبة بالمزيد، وربما بالأعوام القادمة سنشهد مسلسلات عربية بمشاركة فنانين صهاينة.

هذه الأعمال الدرامية التي تهدف للتطبيع مع الاحتلال، وحتى تكسب (مصداقيتها) كان لا بد لها من القفز فوق الحق الفلسطيني وتشويه تاريخ الشعب الفلسطيني ونضالاته، في مقولات لا تمت إلى المنطق بأية صلة، ومفككة وسوقية، ولا يمكن التحقق منها، وكأن كاتب العمل الدرامي قادم من بيئة تنضح جهلاً وحقدًا وغضبًا على بني جلدته.

وبما أن الفشل رافق مخطط إسرائيل التطبيعي طوال عقود النكبة؛ إلا أن ثمة مجموعات وأفراد خليجيين تحدثوا بصوت عالي عن حق إسرائيل في الوجود وشجعوا دولهم وشعوبهم على إقامة علاقات واضحة مع الكيان الصهيوني، هذه الأصوات المتصهينة لا تعبر بطبيعة الحال عن المواقف العروبية الأصيلة للشعب العربي الخليجي في دعم القضية الفلسطينية. ولكن البعض منهم وصلت به الوقاحة بأن يطالب نتنياهو جهارًا بطرد الفلسطينيين من أرضهم على اعتبار أنهم لا يملكون الحق بها؛ ومن أجل تثبيت هذا النهج الرغائبي المنحرف المتساوق مع بعض الأنظمة العربية الخائرة، بدأنا نلحظ حجم التحالف الخفي بين هذه الأنظمة والغزاة الصهاينة لإنجاح حلقات التطبيع، بعد أن فشلت كل محاولات إسرائيل باقتلاع الشعب الفلسطيني والتنكيل به. وأخذت هذه المحاولات المشبوهة تبث سمومها لتفرض روايتها الزائفة في الوعي العربي وبأسلوب (الحرب الناعمة)، ومن خلال أعمال سينمائية ودرامية، حيث أطلت علينا أعمال درامية خليجية بالموسم الرمضاني 2020 أثارت الجدل بتناولها قضية الصراع الفلسطيني – الاسرائيلي. وبغض الطرف عن التقييم الفني والتقني للعمل الدرامي؛ إلا أنها شوهت حقائق تاريخية بتحويل الضحية "الفلسطيني" إلى جلاد، وتحويل الجلاد "الاسرائيلي" إلى ضحية، وهدفت إلى شيطنة الفلسطيني في مقابل تحسين صورة الاحتلال والدعوة إلى التطبيع معه. فقد كان عرض العملين (أم هارون) و(مَخرج7) على قناة الشرق الأوسط السعودية الفضائية "ام بي سي"، بمثابة حملة تحريض وكراهية ضد الشعب العربي الفلسطيني.

"ام هارون" يتمحور مضمونه حول تعايش الأديان بين اليهود والمسلمين والمسيحيين في الدول العربية، بينما مسلسل "مَخرج 7"، عرضت إحدى حلقاته نقاشًا تبريريًا بين الممثل السعودي ناصر القصبي وراشد الشمراني حول التطبيع بين السعودية وإسرائيل. وفي هذا السياق  ذكرت صحيفة "هآرتس" أن مُخرج مسلسل (مَخرج7) عكس سعي بعض أطراف النظام الرسمي العربي الحثيث نحو التطبيع، تحت التبرير المفتعل، كما جاء على لسان بطل المسلسل وهو يقول: "تضحياتنا كلها كانت من أجل فلسطين، دخلنا الحروب من أجل فلسطين، أوقفنا النفط من أجل فلسطين، وعندما أصبحت لديهم سلطة موّلنا نفقاتها ورواتب الموظفين فيها، في الوقت الذي نحن فيه بحاجة إلى هذه الأموال، وهم بدورهم يهاجمون السعودية". ويستطرد تسيفي بارئيل في الصحيفة ذاتها على هذه الجملة قائلا: "إنه انزلاق مقصود وبصورة واعية إلى الخطاب حول أهمية التطبيع، باعتباره شيئًا عاديًا وضروريًا، وبذلك يتحول إلى موضوع عادي، يمكن المجادلة فيه تمامًا كالنقاش حول كرة القدم".

وأكدت الكاتبة ماجدة العطار في صحيفة القبس الكويت ية أن "أم هارون"، ليس إلا حلقة في سلسلة طويلة من حلقات التطبيع العربي الثقافي والسياسي مع العدو الصهيوني منذ زمن بعيد، وليس بمستغرب أن تظهر أعمال ومبادرات في هذا الشأن، وفي هذا الوقت بالذات، حين يكون مواتيًا ومتصالحًا مع التوجه العام لسياسات ما يسمى بصفقة القرن". وتضيف الكاتبة: "المستغرب والمثير للجدل أن يرتبط عمل كهذا وفي هذا الوقت بالذات، بالفنان الكويتي، وكذلك محاولة اقتحام التاريخ الاجتماعي في الكويت من خلال هذه الحبكة عن بعض اليهود الذين عاشوا في الكويت. ذلك أن الكويت هي من أكثر البلدان العربية حصانة في مواجهة التطبيع الفني والثقافي والسياسي".

في الواقع، إن تحديد عرض العملين الذي صادف شهر النكبة  يحمل رمزية هامة توظفها إسرائيل في خدمة مخططاتها، فلم يأتي التوقيت بلا سيناريو مدروس ليتوافق وذكرى ال72 لقيام الكيان الصهيوني واعتبار القدس عاصمة لإسرائيل ونقل السفارة الاميركية إليها. بالإضافة إلى الأبعاد الدينية وأهميتها في شهر رمضان، مترافقًا ذلك كله مع الأجواء العالمية في مكافحة "كورونا"، حيث اعتبرت إسرائيل أن العالم مشغولاً بمكافحة الوباء، وتستطيع  تمرير ما تريد من مخططات ونوايا عدوانية؛ تكرس ما نعيشه اليوم من محاولات تصفية القضية الفلسطينية، والتي تعيش الآن مرحلة جديدة من تصاعد الهجمات من قبل الإدارة الأميركية، والتي حددت أولوياتها باخضاع عموم المنطقة اخضاعًا كليًا؛ عبر تثبيت نظم سياسية تفتقد إلى الحد الأدنى من المشروعية، وأيضًا تعزيز دور الكيان الصهيوني في المنطقة ليتبوأ مكانة مركزية تسمح له بتمرير صفقة القرن؛ بهدف الإجهاز على القضية الفلسطينية، باعتبارها أول وآخر العناوين الجامعة للتلاحم العربي بالمستقبل.