على الرغم من أن حركة الاحتجاجات الشعبية التى خرجت بالملايين فى معظم الولايات والمدن الأمريكية الكبرى عقب الاغتيال الذى تعرض له المواطن الأمريكى جورج فلويد (ذو البشرة السوداء) قدمت دعماً كبيراً للحزب الديمقراطى الأمريكى ومرشحه جو بايدن المنافس للرئيس الأمريكى دونالد ترامب فى الانتخابات الرئاسية التى ستجرى يوم 3 نوفمبر/ تشرين الثانى القادم، إلا أنها، وكما وضعت الرئيس ترامب والحزب الجمهورى فى أسوأ تحدياته، خصوصاً أنها جاءت فى الوقت الحرج الذى يسبق إجراء الانتخابات الرئاسية بخمسة أشهر فقط، فإنها فرضت أيضاً تحديات لا تقل صعوبة بالنسبة للديمقراطيين، وحالت دونهم وبين فرص كانت متاحة لتجديد مكانة الحزب الديمقراطى فى أوساط قاعدة شعبية واسعة بدت تواقة لحدوث التغيير فى المجتمع الأمريكى.
أدرك الديمقراطيون، وعلى رأسهم الرئيس السابق باراك أوباما، ونائبه جو بايدن الذى أضحى منافساً على كرسى الرئاسة فى مواجهة الرئيس دونالد ترامب أن هناك قيوداً، ليست سهلة، تحول بينهم وبين تزعم حركة الاحتجاج الشعبية، وأنهم، لو انساقوا وراء هذه الرغبة المغرية سيقعون فى "حفرة" لا قبل لهم للنهوض منها، لسببين أولهما أنهم، أى الحزب الديمقراطى وزعمائه ومن يمثلونه فى مجلسى النواب والشيوخ، وكذلك حكام الولايات وكبار شخصيات الدولة جزء أصيل من الطبقة الحاكمة الأمريكية التى أضحت مدانة شعبياً، قد تختلف أيديولوجيا الحكم، بين ليبرالية الديمقراطيين ومحافظة أو يمينية الجمهوريين، لكن الجميع مشتركون فى الانتماء إلى الطبقة الحاكمة وامتداداتها فى التجمع الصناعى العسكرى ومجمل القوى الاقتصادية الكبرى فى الولايات المتحدة، وتورط الحزب الديمقراطى فى قيادة وزعامة حركة الاحتجاج كانت ستضعه ليس فقط فى مواجهة الجمهوريين ومن يدعمونهم، بل أيضاً فى مواجهة أنفسهم والقوى الاقتصادية الكبرى الداعمة لهم ومجمل الأوساط الديمقراطية وكان مثل هذا الخطأ سيكون أعظم هدية يقدمونها للرئيس ترام بكى ينقض على منافسه الديمقراطى فى الانتخابات الرئاسية جو بايدن للقضاء عليه انتخابياً وقبل أن تبدأ الانتخابات، لذلك كان الديمقراطيون شديدى الحرص على الإمساك بـ "العصى" من منتصفها من خلال الإعلان الواضح عن دعم ما يعتبرونه "مطالب مشروعة للمتظاهرين" وخاصة توجيه انتقادات لاذعة لمشكلة "العدالة غير المتكافئة" وإجراء إصلاحات جذرية فى نظام الشرطة ووضع نظام جديد للعدالة الجنائية، على نحو ما كتب الرئيس السابق باراك أوباما فى مقال حمل عنوان "كيف نجعل هذه اللحظة نقطة تحول نحو التغيير الحقيقى" فى مقال نشره على موقع "Medium"، والظهور الفعال فى دعم حركة الاحتجاج وإدانة ما اعتبروه "عنصرية" الرئيس ترامب، ولجوئه إلى استخدام الجيش لقمع المواطنين، ودفع رؤساء البلديات المنتمين للحزب الديمقراطى لرفض قرار الرئيس الاستعانة بقوات الحرس الوطنى "الفيدرالية" للتصدى العنيف للمتظاهرين على نحو ما فعلت عمدة مدينة واشنطن موريل باوزر التى انتقدت تصريحات ترامب العدوانية ضد المتظاهرين وطالبته، فى مقابلة مع قناة NBC (الأحد 31/5/2020) قائلة: "على الرئيس مسؤولية المساعدة فى تهدئة الأزمة، وبعدها انتقدت قرار ترامب الاستعانة بقوات الحرس الوطنى لقمع المتظاهرين فى واشنطن، وطالبت بخروج هذه القوات الفيدرالية من العاصمة، وأعلنت إطلاق شعار "حياة السود مهمة" على الساحة المقابلة للبيت الأبيض الأمر الذى عرضها لهجوم حاد من الرئيس الذى اتهمها بعدم الكفاءة.
كان قادة الديمقراطيون حريصين أشد الحرص فى ذات الوقت على تجنب أى تصريح أو دعم أى موقف يمكن أن يؤول من جانب الرئيس ترامب والحزب الجمهورية، على أنه دعم للخروج على النظام والتحريض على الفوضى، هذا ما حرص عليه جو بايدن فى تصريحاته وما أكده الرئيس أوباما فى المقال المشار إليه الذى انتقد الفئة التى تعمدت التخريب والاعتداء على الممتلكات، لكنه عالج، بحساسية شديدة الموقف حيث قال أن "الأقلية الصغيرة من الناس الذين لجأوا إلى العنف بأشكال مختلفة، سواء كان ذلك بسبب الغضب الحقيقى أو لمجرد الانتهازية، يعرضون الأبرياء للخطر، مما يزيد من تدمير الأحياء التى غالباً ما تفتقر إلى الخدمات والاستثمار، وينتقص من الهدف الأكبر من وراء التظاهرات"، وكان تركيزه الأساسى هو توظيف حركة الاحتجاجات بترجمة تطلعاتها إلى "قوانين وممارسات مؤسسية محددة".
التزم جو بايدن بنفس التوجه، ففى الوقت الذى هاجم فيه بعنف الرئيس الأمريكى لطلبه الاستعانة بالجيش لقمع المتظاهرين توجه إلى المتظاهرين وجمهرة الأمريكيين بأنه "سينشئ لجنة لمراقبة الشرطة فى غضون مائة يوم من بدء ولايته إذا ما فاز بالرئاسة فى مواجهة ترامب".
وانطلاقاً من هذا الحرص دعم الديمقراطيون دعوة "الإصلاح" وتجنبوا بشتى السبل الانحياز إلى دعوة "التغيير" لذلك بادروا داخل الكونجرس بإعداد مشروع قانون شامل لإصلاح الشرطة يهدف إلى تقليص عنف ممارسات الشرطة وتوسيع التدريب وتحسين الرقابة والمحاسبة على المستوى الوطنى. واستطاعوا بذلك تفويت الفرصة على تربص الرئيس ترامب بهم لتصنيفهم كجزء من الأزمة وليس كطرف أصيل فى حلها، عندما اتهم ترامب منافسه الديمقراطى جو بايدن وأعضاء الحزب الديمقراطى فى الكونجرس بالسعى إلى خفض موازنة أجهزة الشرطة، وعندما رد أندرو بايتس المتحدث باسم بايدن بنفى هذا الاتهام، رد مدير التواصل فى حملة ترامب بأن بايدن تجنب تحديد موقفه من التيار اليسارى داخل الحزب الديمقراطى الذى يحمل لواء دعوة التغيير.
وإذا كان المشرعون الديمقراطيون فى الكونجرس قد تعمدوا قبيل انعقاد مؤتمرهم الصحفى يوم الاثنين الفائت (8/6/2020) الذى أعلنوا فيه مشروعهم الإصلاحى لجهاز الشرطة، أن يجثوا على ركبهم فى مدخل مقر الكونجرس ووقفوا فى صمت لمدة 8 دقائق و46 ثانية وهى المدة التى وضع فيها الشرطى (الأبيض) ركبته على رقبة جورج فلويد ما أدى إلى قتله، فإنهم أكدوا موقفهم الوسطى الإصلاحى من الحدث الكبير الذى زلزل النظام السياسى الأمريكى كله، الأمر الذى قد يحول كثيراً دون تحقيق تفوق انتخابى كبير فى الانتخابات الرئاسية المقبلة رغم كل ما يحققه بايدن الآن من تقدم فى الاستطلاعات على منافسه دونالد ترامب.

