قراءة وتقديم / منصور أبو كريم
في سياق نقده لتجربة الحركات الإسلامية (الإسلام السياسي) بشقيه المعتدل والمتطرف منه، سعى الكاتب والمفكر الاشتراكي الكبير الأستاذ غازي الصوراني خلال دراسته التي نشرت في مجلة الحوار المتمدن نقد تجربة التيار الإسلامي وأفكاره التي يرى أنها تتعارض مع الحداثة والتقدم، وتساهم في الرجعية والتأخر عن الأمم المتقدمة. ويرى أن رغم وجود اختلافات كبيرة بين المنطلقات الفكرية والسياسية لقوى التيار الإسلامي مع القوى الديمقراطية واليسارية تحديدًا؛ إلا أن ذلك لا يمنع توخي الدقة والحذر في تناول هذه الظاهرة المعقدة، حيث يقول "على الرغم من حدة التناقضات بين القوى الوطنية والقومية واليسارية العربية من جهة، وبين حركات الإسلام السياسي عموماً، وحركة "داعش" وغيرها، من حركات التطرف الإرهابي خصوصًا؛ إلا أن تناولنا لهذه الحركات والجماعات الأصولية أو السلفية، لا بد أن يتوخى الموضوعية ارتباطًا بشكل أو أسلوب مواجهتنا لها، الذي يعتمد بالضرورة على المواجهة العقلانية السياسية، والخطاب التنويري، برؤية استراتيجية تعتمد الأسلوب والقيم الديمقراطية من جهة، وتتمسك بأهدافنا ومبادئنا الوطنية والقومية والإنسانية التقدمية من جهة ثانية، بما يعزز لدينا قوة المنطق العقلاني، والمنهجية التاريخية في قراءة التراث".
لتقديم قراءة موضوعية لهذه الدراسة القيمة، كان لا بد من إجراء تقسيم منهجي لما تضمنته هذه الورقة من أفكار آراء في سبيل إلقاء الضوء على أبعادها ومضامينها المختلفة، في سياق العرض التالي:
التمييز بين التيارات الإسلامية
يبدأ الأستاذ غازي الصوراني طرحه في تناول أسباب ظهور الحركات الإسلامية بضرورة التمييز بين التيارات الإسلامية المعتدلة والتيارات الإسلامية المتطرفة (الإسلام الراديكالي)، بدعوة الجميع للتمييز بين هذان التياران من حيث النشأة والتطور، حيث يؤكد على عدم "تناول موضوع الإسلام السياسي عبر خطاب عام يغفل تنوع الظروف الملموسة المحيطة والمتغيرة من قُطر إلى آخر، يحمل بالتأكيد مخاطر خطيرة، فينبغي تفادي هذا الجمع". وفي ذلك يسعى للتمييز بين هذه التيارات من حيث النشأة (الزمانية والمكانية) إن جاز التعبير، بالقول "يجب التمييز بين الإسلام السياسي في السعودية وباكستان من جانب وفي البلاد الأخرى من جانب آخر؛ فالوهابية في الجزيرة العربية تعد ظاهرة خاصة، وتجليًا لنمط غليظ للعقيدة هو نتاج لمجتمع ظلت تحكمه أشكال عتيقة من الممارسات المجتمعية تجاوزتها المجتمعات الإسلامية الأخرى منذ زمن بعيد، سابق على الإسلام نفسه".
تراجع القوى الليبرالية والديمقراطية
يؤكد الأستاذ غازي أن تراجع القوى الديمقراطية والليبرالية في المنطقة العربية جعل الصراع اليوم ينحصر بين قوى الإسلام السياسي المعتدل والمتطرف من جانب، وبين الأنظمة العربية التقليدية من والمؤسسات العسكرية من جانب آخر، باعتبار أن هذه المؤسسة تمثل الظهير الطبيعي للأنظمة العربية التقليدية، وفي هذا السياق يرى إن "المحددات أو القوى الرئيسية للصراع في المرحلة الراهنة محصورة بين حركات الإسلام السياسي من ناحية، وبين الأنظمة العربية وجيوشها من ناحية ثانية، في ظل غياب أو انحسار ملموس لدور القوى والفصائل والأحزاب الديمقراطية الليبرالية، واليسارية العربية التي كما يبدو لم يعد لها أي حساب أو ثقل في إطار الصراع الدائر أو في ذهنية الشعوب العربية التي تعيش في لحظة الارهاب والاقتتال والصراع الدموي الطائفي".
وفي هذا الأمر تأكيد على حقيقتان الأولى؛ هو إقرار بتراجع دور القوى الديمقراطية واليسارية والليبرالية في المجتمعات العربية، والثانية حصر الصراع على السلطة بين التيار الإسلامي والأنظمة التقليدية ومؤسساتها العسكرية الحاكمة، وهذه حقيقة أصبحت جزء من الواقع السياسي والاجتماعي للمنطقة العربية، خاصة خلال المرحلة التي أعقبت اندلاع ما يعرف بالربيع العربي.
التناقضات الفكرية بين القوى الوطنية والتيار الإسلامي
في سياق تأكيده على وجود التباينات الفكرية والأيديولوجية بين القوى الديمقراطية اليسارية والليبرالية، يؤكد الأستاذ غازي الصوراني على ضرورة التمييز بين القوى الديمقراطية عن قوى التيار الإسلامي المعتدل والمتطرف على حد السواء، حيث يرى "أن كل من يعتقد أن ظهور حركات سياسية مرتبطة بالإسلام، تعبئ جماهير واسعة، هي ظاهرة مرتبطة بشعوب متخلفة ثقافيًا وسياسيًا، لا تستطيع أن تفهم سوى اللغة الظلامية التي تكاد ترتد لعصورها القديمة وحدها، فإنه يقع في خطأ كبير، فالشعوب الإسلامية لها تاريخها، مثل بقية الشعوب، والذي يمتلئ بالتفسيرات المختلفة للعلاقات بين العقل والإيمان، وبالتحولات والتغيرات المتبادلة للمجتمع وديانته، ولكن حقيقة هذا التاريخ تتعرض للإنكار لا على يد الخطاب الأوروبي المركزي وحسب، بل أيضًا على يد حركات الإسلام السياسي المعاصرة". كما يرى أن التناقض بين الخطاب السياسي لدى القوى الديمقراطية والوطنية مختلف تمامًا عن خطاب التيارات الإسلامية التي تقدم خطاب طائفي ورجعي من وجهة نظره، ويرى أن هذه التيارات تعمل لصالح فئات محدودة، ولا تعمل لصالح كل فئات المجتمع، حيث يؤكد الأستاذ غازي أن "الخطاب الإسلامي، الذي يقدم كبديل لخطاب النهضة والديمقراطية والمواطنة، وحرية الرأي والعقيدة، هو خطاب ذو طابع سياسي، تحت غطاء ديني شكلاني وطائفي رجعي. فالإسلام السياسي يدعو إلى التغيير الذي يعيد إنتاج وتجديد التخلف عبر النموذج السلفي الرجعي، لخدمة مصالح طبقية كومبرادورية وطفيلية راهنة، ولم تحاول أية حركة إسلامية، "لا راديكالية ولا معتدلة" في هذا تأكيد الاختلافات الفكرية والأيديولوجية بين القوى الوطنية الديمقراطية وتيارات الإسلام السياسي المعتدل والمتطرف، فرغم وجود تباين في نهج وسلوك التيار المعتدل عن التيار المتطرف؛ إلا أن التياران من وجهة نظره يعملان لصالح جماعات وفئات محدودة، وهذا ما يؤكده مسار توزيع المساعدات والخدمات التي تقدمها المؤسسات التابعة لهذا التيار.
وهذا ما يؤكده أيضًا حول ذوبان الفروق بين التيار الإسلامي المعتدل والتيار المتشدد، أو المتطرف الذي تمثله داعش وبعض الجماعات المسلحة، حيث يؤكد "عدم وجود أي اختلاف جوهري بين التيارات المسماة "بالراديكالية" للإسلام السياسي، وبين تلك التي تفضل تسمية نفسها "بالمعتدلة"؛ فمشروع كل من النوعين متطابق". ما يؤكد تلك المقاربة التي يقدمها المفكر الصوراني أن معظم التيارات المتشددة خرجت في الأساس من عباءة التيارات التي تدعي الاعتدال.
استبدال التناقضات الثانوي بالتناقضات الرئيسية
في ضوء اشتداد حالة الصراع على السلطة بين التيار الإسلامي بشقيه المعتدل والمتطرف، يرى الأستاذ غازي، أن هذه الحالة الفوضوية أدت إلى اختلاف الأولويات؛ فتراجع الاهتمام بقضية الصراع العربي الإسرائيلي لحساب الصراع الداخلية على السلطة، وهذا ما ساعد إسرائيل على تجاوز القضية الفلسطينية في طرح نفسها حليف لبعض دول الخليج في مواجهة التيارات الإسلامية من جانب و إيران من جانب آخر.
ويرى أن هذا الواقع الصعب، أصبح مرتبط بمرحلة الصراع على السلطة، و "أن تراجع التناقض الرئيسي التاريخي بين شعبنا الفلسطيني، وشعوبنا العربية من ناحية، وبين الإمبريالية ودولة العدو الصهيوني من ناحية ثانية، حيث بات من الواضح أن ذلك التناقض لم يعد رئيسيًا، إن لم يكن قد تحول بالفعل إلى تناقض ثانوي –في المرحلة الراهنة- بعد أن تكرس خضوع النظام العربي ومنه السلطة الفلسطينية –بدرجات متفاوتة-لشروط النظام الإمبريالي".
ويعتقد الأستاذ غازي أن حالة هرولة بعض الدول العربية للتطبيع مع إسرائيل أصبحت مرتبطة بشكل كبيرة بحالة الصراع على السلطة بين الأنظمة التقليدية والتيارات الإسلامية، مما انعكس بصورة مباشرة على القضية الفلسطينية، حيث يرى "أن خضوع النظام العربي ومنه السلطة الفلسطينية –بدرجات متفاوتة- لشروط النظام الإمبريالي، اعترافه بدولة العدو الصهيوني أو التطبيع معها أو مهادنتها كما هو الحال مع حركة حماس، ما يعني أن التناقض الرئيسي مع الإمبريالية، والدولة الصهيونية، قد تمت إزاحته بفعل التراجعات العربية – الفلسطينية المتلاحقة طوال العقود الثلاثة الماضية" وفي هذا تأكيد على خضوع الحالة الفلسطينية سواء في غزة أو الضفة الغربية لهيمنة الإمبريالية العالمية والحركة الصهيونية وأدواتهم الإقليمية.
في ظل اشتداد حالة الصراع على السلطة سواء في الدول العربية أو في الأراضي الفلسطينية بين حركتي فتح وحماس، يرى الأستاذ غازي أن التناقض الرئيسي مع (الاحتلال الإسرائيلي) لم يعد يشكل أولوية لهذه القوى، سواء كانت أنظمة عربية (رجعية) أو تيارات إسلامية معتدلة أو متطرفة، حيث يؤكد "أن أمام هذه المؤشرات والمعطيات المادية، لم يعد للتناقض الرئيسي مع العدو الصهيوني دور بارز في عقولهم ونفوسهم"، بل بدأت تبحث هذه القوى عن طرق مختلفة للتواصل مع الاحتلال لضمان استمرار حكمها، بهدف نيل رضا الولايات المتحدة الأمريكية عبر البوابة الإسرائيلية.
أسباب وعوامل انتشار التيارات الإسلامية
يرى الأستاذ غازي أن هناك مجموعة من العوامل ساهمت في الانتشار السريع لهذا التيار في المجتمعات العربية، حيث يؤكد على أهمية الأخذ في عين الاعتبار عدداً من العوامل التي شجعت انتشار الحركات الإسلامية عمومًا والمتطرفة خصوصًا، ومنها: الأول "استغلال النظام الإمبريالي للأوضاع العربية المتردية في ظل العولمة الراهنة، وحرصه على إدامة حالة الخضوع والتبعية والتخلف انسجامًا مع مصالحه الاستراتيجية في بلادنا". والثاني: التحولات الاقتصادية التي وقعت في ظل انفتاح نظام السادات في مصر، ثم في تونس والجزائر و اليمن وسوريا أواخر عهد الرئيس حافظ الأسد، وصولاً إلى العدوان الأمريكي على العراق وسقوط النظام، ومن ثم انهيار ما تبقى من المشروع القومي، وكافة مشاريع التنمية على الصعيد الوطني". وفي هذا الأمر تأكيد على الدور السلبي للقوى الدولية وحركة الاستعمار الأجنبي؛ سواء في كله المباشر أو الغير مباشر في المسؤولية عن حالة التخلف والرجعية التي تعيش فيها الدول والمجتمعات العربية التي ساهمت في الانتشار السريع للتيارات الإسلامية بشقها المعتدل والمتطرف.
ويرى أن الصعود الكبير لهذا التيار في المجتمعات العربية خلال العقود الماضية ناتج عن حالة الفقر والتخلف والرجعية التي سادت هذه المجتمعات خلال الفترة التي أعقبت الانتهاء من الاستعمار الأجنبي في صورته المباشرة، حيث يقول "في ظل سياسة تزايد مظاهر الإفقار والاستبداد، تنامت الحركات والدعوات الإسلامية بصورة غير طبيعية وغير مسبوقة، حيث كثر بناء المساجد، وظهر (أو تجدد) الاهتمام بمقامات الأولياء والأضرحة، وتزايد الإقبال على الطرق الصوفية، وأصبحت الجماعات الدينية، خاصة جماعة الإخوان المسلمين، تملك المؤسسات المالية والاقتصادية والعقارية". كما يشير الأستاذ غازي إلى أسباب وعوامل التخلف الفكري للمجتمعات العربية الناتج عن عدة عوامل من بينها؛ المناهج التربوية والكتب الدراسية التي تكرس المفاهيم السلفية الشكلية، حيث يشير "إلى أحد أهم عوامل التخلف الفكري في الثقافة العربية، المرتبط بالمناهج، والكتب التربوية، في المدارس والجامعات العربية التي تكرس المفاهيم السلفية الشكلية من منطلق التناقض مع المفاهيم والقيم الحضارية الحديثة، خاصة قيم الاختلاف والرأي والرأي الآخر والديمقراطية والمواطنة، وتعلن رفضها لمفاهيم الوطنية والقومية".
وعلى أساس هذه المنطلقات الفكرية الرجعية، امتد الصراع بين الإخوان المسلمين وكل قوى التقدم والتحرر والديمقراطية في مصر، والعالم العربي، حيث بدأت في الظهور منطلقات فكرية كان المُنَظِّر الرئيسي لها يعتمد على الأصولية السلفية الإسلامية؛ أمثال: أراء سيد قطب التي زرعت بذور الفكر المتطرف في المنطقة، بعد أن تأثر بفكر ابن تيمية، وابن القيم الجوزية، وأبو الأعلى المودودي.
ويؤكد الأستاذ غازي في نقده للمنهج التربوي التقليدي الذي يخرج مجموعة من الحفظة الذين يرددون التقاليد والتعليم الدينية بدون فهم حقيقي لمفهوم الدين وتعليمه، " لقد بات الدين في ثقافة المجتمع عمومًا، والأطفال وطلاب المدارس خصوصًا، هو جزء أساسي من الخبرات التي يتلقاها الأطفال في عمر مبكر جدًا أثناء تنشئتهم. فمنذ سن الرابعة أو الخامسة، يبدؤون التعرف على الله والجنة والنار، ويصبحون على تماس مباشر بطقوس الصلاة والصيام والحج"، وهذا الأمر انعكس على الثقافة العامة والتربية والتنشئة الاجتماعية للأجيال القادمة "وهذا الشكل من التنشئة لا يقتصر على الأسر الذي يأخذ تديُنها طابعًا فكريًا أيديولوجيًا، بل إن له طابعًا اجتماعيًا عامًا. ويجب أن نعترف أن هذه التنشئة عمومًا، لا ترحب بالآخر المختلف دينيًا، بل هي على النقيض ترفضه، وهي تتعامل مع العقيدة الإسلامية هنا بوصفها الحقيقة الجاهزة المكتملة المطلقة، غير القابلة للنقاش".
بناء على هذه المقاربة التي تفضل بها الأستاذ غازي يمكن تفسير أسباب تراجع القوى اليسارية والديمقراطية في المجتمعات العربية والإسلامية وتقدم التيارات الإسلامية التي أصبحت تستفيد من التدين الفطري للأجيال الشابة، عبر عمليات الحقن الممنهج للأطفال في رياض الأطفال والمدراس؛ عبر مناهج تربوية تعتمد على الغيبيات والسمع والطاعة والتوكل بدون الحث على إعمال العقل والتفكير الإبداعي؛ الأمر الذي ساهم في توفير التربة الخصبة لانتشار الجماعات والحركات الإسلامية التي وجدت أجيال عديدة جاهزة للانضمام لهذه التيارات بدون عناء كبير، "ومن هنا فإن المحتوى التعليمي لكتب الصفوف الثلاثة الأولى، لا يمثل خطوة باتجاه تكريس ثقافة التسامح الديني، والاعتراف بحق الآخر في الوجود، بل هو في الحقيقة يواصل تكريس القيم النقيضة، وفي هذا السياق، فإننا نخطئ خطأ جسيمًا لو ظننا أن تجديد الفكر الديني يتمثل أساسا في مراجعة ونقد بعض الأفكار المتطرفة المبثوثة في الخطاب الديني". وفي هذا تأكيد على ضرورة إحداث مراجعة شاملة للمناهج التربوية والدينية التي لا تساهم في تكريس ثقافة التسامح الديني والعرقي والطبقي في المجتمعات العربية.
ثورة العقل العربي
في نقده للتجربة العربية والفلسطينية تحديدًا يطالب المفكر الكبير الأستاذ غازي الصوراني بثورة عامة على العقل العربي الذي كان سببًا في تراجع المجتمعات العربية، كون أن هذه المجتمعات لم تخرج من سياق القبيلة في طريقة إدارة الشؤون الداخلية والخارجية، فرغم دخول العالم الألفية الثالثة؛ إلا الواقع يؤكد بقاء النظام السياسي والاجتماعي العربي في إطار القبيلة، سواء كانت هذه القبيلة في صورة حزب سياسي أو جماعة دينية أو تجمع عائلي، في إطار نقده لهذه الحالة اجتهد الأستاذ غازي في تقديم تصور مخالف للواقع يرتكز على نقد الواقع بكل تجرد وتقديم نموذج جديد يقوم على أساس إعمال العقل والمنطق وتطوير المناهج التعليمية البالية.
"المطلوب قبل إحداث ثورة دينية هو القيام "بثورة معرفية" تركز على مناهج التعليم العتيقة البالية سواء في المعاهد الأزهرية التي تخصصت في تعليم الفكر الديني، أو في مؤسسات التعليم، المدني الزاخرة بقشور العلم، والتي لا محل فيها لفكر ديني مستنير". كما يؤكد "وهذه الثورة المعرفية المقترحة لها أركان أساسية، أهمها على الإطلاق تأسيس العقل النقدي الذي يطرح كل الظواهر الاجتماعية والثقافية والطبيعية للمساءلة، وفق قواعد التفكير النقدي المسلم بها في علوم الفلسفة والمنطق".
خاتمة
لقد حاول الأستاذ غازي الصوراني بما يمثله من مكانة فكرية وثقافية تقديم نقد موضوعي وجاد لتجربة الحركة الإسلامية (الإسلام السياسي) من حيث المنشأة والتكوين. "إن جوهر هذه الدعوات أو الحركات والجماعات، ينطوي على "إعلان إقالة العقل، واستقالة الإنسان العربي، وعجزه عن القيام بدور بناء في بناء مجتمع تسوده العقلانية والحداثة والحرية والعدل، ومن ثم دفع الإنسان إلى تبني الخرافة والجهل، وإغراقه في معارك وهمية خارج الزمان والمكان مع ترسيخ الخيارات الغيبية لمشكلات فيما وراء الحياة والتاريخ. ولقد حاول تقديم نقد للتراث الإسلامي، فأكد أن توقف الفكر الإسلامي عن الاجتهاد، وعن متابعة التطور المعرفي والحضاري، ساهم في تأخير كبير للمجتمعات العربية والإسلامية، ويؤكد على أن الخروج من أزماتنا على المستوى السياسي والاجتماعي، يتطلب معارك فكرية تتعلق بالفكر الديني تبدأ بالنقد الذاتي، والعمل على خلق منظومة معرفية قادرة على نقد التراث، ووضعه في سياقه التاريخي، مع تبني مناهج علمية حديثة في فهم النصوص الدينية وتأوليها، ولكي يحدث ذلك، فلا بد أولًا من خلق نظام تعليمي قادر على تنمية القدرات الفردية، وتنمية القدرة على التساؤل مع إتاحة مناخ من الحرية على جميع المستويات.

