Menu

مستقبل القضية وبلاغة الصمت!

نضال عبد العال

خاص بوابة الهدف

تشكل صفقة القرن مناسبة للكثير من الكلام، منه ما هو وجيه ومنه ما هو حشو زائد، هناك من يقول أنها مناسبة للهروب للأمام، أو ربما الهروب للخلف. فيما يجدها البعض مناسبة لإنهاء اوسلو. وهناك من يقول هي مناسبة لإنهاء الانقسام. ويعتبرها آخرون مناسبة لإعادة الصراع الى أصله من حيث بدأ من النكبة. لأن صفقة القرن هي مناسبة المناسبات كلها، تحمل في طياتها مآسي ومحن وأخطاء وخطايا قرن من الصراع ويزيد، بكل محطاته ومنعطفاته وتعرجاته يميناً ويساراً، ومطباته صعوداً وهبوطاً، لذلك بالإمكان اعتبارها فرصة مناسبة لكل ردود الأفعال، وبغض النظر عن الشكل والمضمون الذي يريده كل رأي سياسي، رد فعل جزئي، كلي، جذري، مرن. كل الأطروحات من أي مصدر أتت، قد تحمل شيئاً من الخطأ أو الصواب، قد يكون تحليل الوضع صائب، لكن تقدير الموقف غير متناسب معه.

       وقد نقع في خلل بين ما نريد وما نستطيع تحقيقه بحكم محدودية قدراتنا، ارتباطا بتحالفاتنا والهوامش المتاحة حسب المعطيات الدولية والعربية كظرف موضوعي. 

       ما اقترحه هو اعتبار صفقة القرن فرصة مناسبة للصمت! الصمت الايجابي، الصمت الذي يتيح لنا التفكير الجدي والعميق، لقراءة لوحة الصراع بشكلها الشامل، وفحص كل جزئية من "البازل" المشهد المعقد والمركب الذي نعيش في وسطه، حتى يتسنى لنا قول ما يجب ان يقال، والأهم كيف يمكن تنفيذ ما نقوله، مع تقدير حجم الارتدادات لكل فعل وتداعياته.

       الغريب والمستهجن أن تسمع آراء قاطعة ونهائية، وكأنها انضجت مشروع مواجهة بغلوة قهوة، فكل المخاطر التي يواجهها الشعب الفلسطيني وقضيته اليوم أمر سهل! ربما بسهولة كتابة مقال او نشر بوست على صفحة حساب في الفيسبوك. الأخطر من المخاطر ذاتها هو هذا المنطق، الذي يقيس ويفصل ويلبس وهو في صومعة معزولة، فكرة الاخر في مخيلته محدودة جداً ومشوهة، فهو إما عدو أو خائن وعميل، أو في أحسن الحالات معتوه!، أما وصفاته فيجب اتباعها بلا نقاش. لأنها ببساطة صائبة وسهلة وغير مكلفة، والجهد الذي يبذله في كتابة مقال أو نشر بوست، هو ذات الثمن الذي يدفعه الناس المعنيين بهذه الوصفات، والمطالبون سلوك هذا الطريق أو ذاك. مع العلم أن هؤلاء لا ينتظرون من أحد لا الارشاد والتوجيه، ولا حتى الثناء على ما دفعوه وما زالوا يدفعونه من اثمان باهظة.

       هذه ليست دعوة لعدم الادلاء بالآراء أو اطلاق المواقف، هذا مهم ويجب أن يستمر، لكن برأينا المتواضع، أن المشكلة في أن تبقى المواقف والآراء متناثرة وفردية، بل وتحمل مضموناً اقصائياً، بمعنى، تصرَ على فرديتها، باعتبارها الحقيقة الكاملة المطلقة وأي اختلاف هو بالضرورة افتراق كلي، يشرع التشهير والتخوين والاساءة. هذه وصفة سحرية ليست فقط لضرب أي تقاطعات محتملة مع الاخرين، بل لكشف هشاشة التفكير الكامن وراءها، والذي يقدم شعارات ثورية جوفاء لا بدائل ناضجة، او استراتيجيات عمل تتعامل مع كل العناوين المطروحة كتحديات. وكل عنوان هو بحد ذاته قضية شائكة ومعقدة، ويحتمل العديد من الاحتمالات والخيارات.

       ما يجب أن نتذكره جميعاً، أن ما نحن بصدده هو القضية الوطنية الفلسطينية بكل ابعادها ومعانيها، وهي تهم كل شرائح شعبنا في كل أماكن تواجده، وبالتالي فإننا مطالبين بالتروي في التعامل مع الاستحقاقات والتحديات الماثلة. هي مسؤولية جدية تحتاج الى مقاربات دقيقة ولا تحتمل الضجيج وخصوصاً اذا كان مفتعلاً.

 

       إن الطريقة التي نتعامل بها مع الاستحقاقات المطروحة اليوم، وهي تحديات مصيرية شاملة، هي جزء من عملية المواجهة، بل هي اساس عملية المواجهة، أي أن الانفعال والارتجال والصراخ والاتهامات والمواقف الاقصائية، تبين أننا نفتقد الاداء المنهجي والعلمي في التعامل مع هذه التحديات، بل وأكثر من ذلك، تكشف عدم فهمنا وتقديرنا لحجم المخاطر الكامنه والماثلة أمامنا، وهي بمثابة مقدمات للفشل المحسوم.

       لذلك، الامتحان الأول للنجاح لنا هو امتلاك منهجية ممارسة علمية وعملية، تستطيع ان تحقق العديد من النقاط لصالحنا، وتكون بمثابة مقدمات لتحقيق دحر وفشل مشاريع الأعداء ومخططاتهم، وهذا ما تعلمناه من دروس عبر تجاربنا الطويلة كشعب وأحزاب.

       إن التنظيم يعاظم القوة ويمنع تبديد القدرات وينظم الاختلاف ويمنع الشطط ويحافظ على اتجاه الجهد الرئيسي.

       ولابد من البحث عن القواسم المشتركة مع الاخرين، طبعا تحت سقف الثوابت الوطنية، التي أكدتها تجاربنا المريرة وطوال سنوات اختلاق الوهم (أوسلو)، بامكانية التسوية مع عدو من طبيعة استعمارية احلالية، ورأس حربة لمشروع امبريالي يتجاوز المنطقة.

       المطلوب هو خلق مناخ يسمح بتفاعل الأفكار والمواقف والآراء المطروحة، لتشكيل ما نسميه كتلة تاريخية فلسطينية عربية، تحمل مشروع مواجهة.

       المقاومة كعملية مواجهة مباشرة مع العدو موجودة، ويجب ان تستمر في كل المواقع حيث تسمح الظروف ومعطيات الميدان، فرغم كل ما جرى من تهشيم وتكسير عناصر قوة الشعب الفلسطيني، هذه المقاومة لم تتوقف، ربما خفتت في موقع أو ضعفت في آخر، ولكنها تصاعدت في مواقع أخرى.

       اذاً نحن لسنا بصدد الإجابة عن سؤال، مع المقاومة أو ضدها، لأنها ليست خياراً بل هي قدر الشعوب التي تكون عرضةً لمشروع استيطاني اجلائي من النوع الذي نحن بصدده.      نحن أمام تحدي اعادة صياغة المشروع الوطني الفلسطيني التحرري بظروف المرحلة، بل ويحتمل القول اعادة صياغة الاجماع الفلسطيني على شرعية برنامج نضالي جديد، ما يحتاج الى اعادة تأطير الشعب الفلسطيني وتنظيم طاقاته وتوظيفها خدمة لهذا الغرض.

       الاعتقاد بإمكانية نجاح مشروع مواجهة فلسطيني فقط لصفقة القرن، بدون عمق عربي شعبي، هو خفة وارتجال وقفز في الفراغ، فما بالنا بالاعتقاد بامكانية تحمل فصيل فلسطيني لوحده عبئ المواجهة، أو أن نختزل مشروع المواجهة بجملة من المواقف الثورية النارية الانفعالية، دون التفكير بأهمية ايجاد مرتكزات البديل الشامل من خلال تشكيل الكتلة التاريخية المشار إليها، أي نضوج رؤية فلسطينية عربية حول نقاط برنامجية لطبيعة المواجهة.

       وهي ليست تشكيل تقليدي مكرر وممجوج، على شاكلة همروجة المؤتمرات القومية والاسلامية والأحزاب العربية، بل هو تشكيل لقوى ذات عمق شعبي حقيقي، ومستعدة لحمل مشروع مواجهة ودفع كلفته، وليست مشغولة بتبييض صورة النظام الذي هي جزء منه.

       بل لكشف تواطؤ النظام الرسمي وكشف تساوقه مع مشروع صفقة القرن.

        فهمنا لطبيعة المشروع الصهيوني واستهدافه للوطن العربي، ليس فهما سطحياً، بل يعني أن وجود الكيان الصهيوني هو مصلحة لقوى وشرائح عربية تشكل قاعدة طبقية للنظام الرسمي العربي، ومشاريع تصفية القضية الفلسطينية تمثل مصالح هذه القوى وهذا النظام الرسمي، وبالتالي ميدان مواجهة صفقة القرن واسع، ولا يقتصر على مساحة فلسطين، بل هو ميدان مركب ومتشعب عربياً وفلسطينياً وحتى اقليمياً ودولياً.

       لأن منظمة التحرير الفلسطينية مثلت هذه الكتلة التاريخية بأبعادها الفلسطينية والعربية والدولية، استحقت وصفها بالمنجز التاريخي، لذلك ليس مطلوباً السعي لخلق بديل عنها، بل المطلوب استعادة ما افتقدته من مضمون جراء ما ارتكب باسمها من خطايا،

        الهدف هو اعادة المنظمة الى موقعها كحركة تحرر وطني فلسطيني في مواجهة مشروع استعماري احلالي، وعلى هذا الاساس لا يجوز حصرها في بقعة جغرافية تحت قيد الاحتلال، وتكبيلها وتحويلها الى أداة من أدوات تدمير القضية الفلسطينية.

       لا مستقبل لدور المنظمة في الضفة المحتلة الا بحدود مصلحة الاحتلال، التي هي بعكس ما نرغب به كمرجعية وطنية جامعة للكل الفلسطيني. ولا مستقبل لدور غزة وتشكيلها السياسي والكفاحي إلا في سياق رؤية وطنية فلسطينية جامعة تتكامل فيها الأدوار، وتتفاعل في سياق استراتيجي موحد وتحقيقا لأهداف وطنية مجمع عليها.

       هذا المعنى التحرري الشامل للمنظمة يفرض ضرورة سحب رأس هيكلها التنظيمي من تحت قيود الاحتلال ( مؤسساتها القيادية، المجلس الوطني واللجنة التنفيذية والمجلس المركزي وكل الادارات الرئيسية)، وتحررها كمرجعية سياسية وطنية من كل الاتفاقات الموقعة مع العدو، وهذا يعني حكماً تحررها من قيود وسياسات الأنظمة العربية ويترتب على ذلك شكل ما من أشكال المواجهة.

       هذا بحد ذاته اشكالية، لأنها أصبحت في محور الشعوب وليست في محور الأنظمة.

       هل ثمة جغرافية تستطيع أن تتحمل هذا الدور وما يحتاجه من هوامش للحركة، هوامش تتيح لها ابراز شخصيتها وحرية القيام بدورها، وما يستدعيه من تداعيات على كل المستويات؟

الخروج من التسوية بمعناها الشامل، فكرةً وثقافةً ومساراً سياسياً،  تحتاج الى تموضع استراتيجي آخر، هو على نقيض تام مع التموضع الاستراتيجي الذي قاد الى صفقة القرن، هنا تكمن قيمة وأهمية العمق الاستراتيجي في المواجهة، وكيف يمكن الافلات من قيود الأنظمة العربية، في تضيق هوامش الحركة لمنظمة استعادة دورها التحرري؟ وصارت على نقيض أدوارهم، لذلك من الضروري استعادة دور الشعوب لتكتمل المعادلة.

       إن استعادة المنظمة ودورها هو مركب من ضرورة استعادة دور حركة التحرر العربية، وكي لا نقع في فخ أيهما أسبق الدجاجة أم البيضة، فنحن لسنا في مسارات متتالية بل هي متوازية ومتقاطعة متداخلة، تأتي في سياقات تراكمية كلما نضجت مهام تبلورت مهام أخرى.

       بكل الاحول ثمة دور فلسطيني طليعي بحكم اشتباكه المباشر مع العدو، ويعمل كمحفز له تداعيات مهمة على مختلف الأصعدة.

       أكثر من شعر بالضياع والفقدان، جراء توقيع اتفاقات اوسلو وما تلاه من الموبقات، هم اللاجئون، كانت المنظمة كيانهم وحامل طماحاتهم، من خلالها استعادوا حضورهم ودورهم، باعتبارهم جوهر القضية الفلسطينية، واصرارنا على هذا الفهم، يفرض علينا أن نجدد فهمنا لواقع اللاجئين، الذي طالته التشوهات والتبدلات وتحول بشكل جذري عميق على مدى السنين، من الانكسارات واحباطات، والكثير من الاهمال والسخط والغضب والضياع.

       عن اي لاجئين نتحدث؟ لبنان، سوريا، الاردن، عن الأعداد الكبيرة التي تناثرت بازدياد جراء فوضى ما سمي "بالربيع العربي" في أوروبا والأمريكيتين، كيف يمكن اعادة تنظيم هذه الطاقات؟ وتحديد وظائف وأدوار هؤلاء بما ينسجم مع ظروف وخصوصيات كل تجمع.

       الحديث عن دور اللاجئين في مشروع المواجهة القادم، يستدعي الكثير من الاسئلة، ما هي الدروس المستفادة من تجربتي الاردن ولبنان وتاريخ العلاقة مع سوريا التي شكلت عمقاً ومازالت لكل مشروع مقاوم؟

       اللاجئين عموماً هم مفاصل التشابك لتحقيق العمق الاستراتيجي بأبعاده العربية والاقليمية والدولية، وتوظيف هذا الانتشار يوسع هوامش التفاعل في هذه الابعاد، ولكن دون اقحامهم الانفعالي الارتجالي في متاهات هم بغنى عنها، لأنها تضعف من دورهم وحركتهم.    وظيفة التفاعل والتشابك يجب أن تحدد طبيعة الدور وضوابطه، بحدود التفاعل مع الدور الشعبي العربي وليس الحلول مكانه.

       هذه العناوين وغيرها الكثير بحاجة الى بحث ونقاش وانضاج، وتوفير تقاطعات وقواسم مشتركة حولها، مع أوسع مشاركة لتقديم مشاريع تصورات لحلول واجابات عن الاسئلة الملحة، حتى لا تتسع المتاهة وتكون أسوء، والضياع أكبر من أن تحتويه حلول متسرعة أو مبتسرة.

       لدينا زاد ثمين من التجارب هو كنزنا الذي لا ينضب، دفعنا ثمنه دماً وتضحيات وهو ملك الأجيال، حتى لا يتكرر الارتجال والتسرع والمقامرة. والآن الابداع والابتكار في اجتراح الحلول والاجابات هو الأساس، فإن الإقرار بمنطق الحياة والتجديد مسار اجباري، يتوقف عليه القدرة على الارتقاء بفهمنا لمهماتنا الكفاحية ووسائل نضالنا لتستفيد من ما يقدمه هذا العصر من امكانات وتقدم علمي وتقني.