لم تغير أزمة الكورونا التي بدأ الفايروس فيها موجته الثانية ما كان عليه المشهد السياسي في المنطقة العربية والشرق الأوسط، بل وفي العالم أجمع أيضًا، فالخوف والهلع والفزع الإنساني من تفشي الفيروس القاتل العابر للحدود الوطنية والقارية، لم يحقق الأمن والسلم الدوليين ويوقف نزيف الدم الذي يتدفق في خضم الصراعات المسلحة أو يخفف من حدة التوتر في الخلافات السياسية التي تنشأ بين الدول، وذلك كما كان متوقعًا عند كثير من الدوائر السياسية ومراكز الأبحاث والدراسات الاستراتيجية. فالأزمة الصحية العالمية التي تداهم العالم بقسوة منذ ما يقارب أربعة شهور ما زالت قائمة والأزمات السياسية العربية و الإقليمية والدولية معها ما زالت أيضًا باقية.
على مستوى المنطقة العربية، فالصراع على السلطة السياسية في ليبيا وسوريا واليمن مستمر وبحدة قتالية أكثر، مع تزايد فاعلية التدخل العسكري التركي في ليبيا بجانب حكومة الوفاق الوطني في العاصمة طرابلس الغرب ذات التوجه الإسلامي المدعومة من المليشيات الإسلامية ودون إمكانية الوصول قريبًا إلى حلول سياسية منتظرة لهذه الأزمات السياسية الثلاث التي أصبحت عنوانًا للفوضى السياسية والأمنية التي اجتاحت المنطقة منذ أوائل العقد الحالي، وذلك بسبب طبيعة التحالفات الإقليمية المتعددة وتناقضات مصالحها السياسية والاقتصادية والأمنية. وأزمة الانقسام السياسي بين الضفة الغربية وقطاع غزة، لم تتوفر لها الحلول الديمقراطية على الرغم من الضرر التي تلحقه بالقضية الفلسطينية، وقد أصبحت أزمة مزمنة؛ بسبب عدم تطبيق الاتفاقيات المتعددة التي تم التوصل إليها، وبذلك تحول الانقسام في القطاع إلى واقع سياسي واقتصادي وأمني قائم، يتم التعامل معه من أكثر من جهة سياسية، وهو في سبيله إلى مزيد من التعمق، وذلك إذا لم تتوفر الإرادة السياسية للوصول إلى مصالحة وطنية ليصل في النهاية بالمشروع الوطني إلى حالة من التفكك بشكل يهدد الكيانية الوطنية الفلسطينية بالتجزئة السياسية.
أما الأزمة الخليجية فهي تراوح مكانها دون حل منتظر؛ بسبب الموقف من الإسلام السياسي بين قطر التي تستقوى بحركة الإخوان المسلمين، وبين دول الخليج الأخرى، خاصة دولتي السعودية والإمارات اللتان رغم تحالفهما العسكري في الصراع الداخلي اليمني، إلا أن لكل واحد منهما دور سياسي يغاير الآخر، حيث الدعم الإماراتي للمجلس الانتقالي في الجنوب الذي يسعى لإعادة الحالة الانفصالية عن الشمال.
في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي تتفاقم أزمة ما تسمى بعملية السلام بشكل خطير وغير مسبوق بسبب اعتزام الكيان الصهيوني في بداية الشهر القادم بضم أراضٍ جديدة في الضفة الغربية المحتلة، مما يعرقل قيام دولة فلسطينية مستقلة على حدود 67، حسب مشروع حل الدولتين الذي يحظى بإجماع دولي، وقد واجهت السلطة الفلسطينية مخطط نتنياهو التوسعي، بإعلان التحلل من الاتفاقيات الموقعة مع الكيان الصهيوني، وهو ما أدى إلى أزمة مالية واقتصادية قاسية تمر بها السلطة أسفرت حتى الآن عن تأخير صرف رواتب موظفيها العموميين والمتقاعدين.
أما ما يثار الآن من قضايا خلافية في القارة الإفريقية فهي المتعلقة بأزمة مياه النيل بين مصر وإثيوبيا بخصوص سد النهضة التي تخشى مصر من التأثير على كمية حصتها المائية المقررة كدولة مصب للنهر. وفي العالم تشهد امريكا تفاقم الأزمة العنصرية بين البيض من الأصول الأوروبية، والسود من الأصول الإفريقية، وكذلك الملونين، فتعم الاحتجاجات الشعبية الكثير من المدن الأمريكية، وتصل إلى البيت الأبيض وأسوار حديقته، وذلك رغم الخطر المحدق من تفشي الوباء. وفي الصين تستمر أزمة الأقلية المسلمة (الاويغور) التي يمارس عليها كل أشكال الاضطهاد التي تصل إلى درجة حرق الأحياء منهم، وهو ما دفع الرئيس الأمريكي ترامب بإصدار قرارًا يقضي بفرض عقوبات اقتصادية على الصين، ليس دفاعًا عن الإسلام والمسلمين بقدر ما هو عمل يندرج لدواعي الحرب التجارية الجارية بين بكين وواشنطن، والتي استعرت أكثر بسبب الاتهامات الأمريكية للصين وتحميلها مسؤولية منشأ فيروس كورونا في مدينة ووهان الصينية .
وعلى مسرح السياسة الدولية، مازالت أزمة المفاعل النووي الإيراني والعقوبات الاقتصادية والأزمات المرتبطة بقضية الإرهاب الدولي تتفاعل كلها بين فترة وأخرى مع الولايات المتحدة والغرب، وأزمة تعدد الأقطاب تظهر من جديد، بعد إعادة القطبية الثنائية في السياسة الدولية بوراثة روسيا لمكانة ومقدرة الاتحاد السوفييتي السابق وتصاعد دورها العسكري في الأزمة السورية، وكذلك حاليا في ليبيًا، فيرتسم في الأفق تشكيل لمحور قطبي جديد يضم روسيا والصين وكوريا الشمالية و إيران وفنزويلا للوقوف ضد تفرد القطب الأمريكي الأمبريالي في الهيمنة على الحالة السياسية الكونية.
هذه هي مجمل ملامح صورة أهم ما في الخارطة السياسية العالمية من أزمات سياسية، لم تستطع الأخطار البيولوجية المحدقة من فايروس كورونا في موجته الأولى والثانية التي بدأت بالفعل في العاصمة الصينية، كما أشيع في الأخبار وغيره أيضًا من فيروسات محتملة قادرة أن تصل بالعالم إلى الأمن والسلم الدوليين، بشكل يجعل من العامل الإنساني أكثر أهمية للحياة الإنسانية الناعمة الذي يسعى إليها الإنسان في كل العصور من العوامل الأخرى المحركة للتاريخ.

