مما لا شك فيه أن الإمبريالية الأمريكية وأداتها الرئيسية في المنطقه والعالم؛ الحركة الصهيونية، تعتمدان التخطيط والترابط الاستراتيجي لمشاريعهم الكونية، وخاصة نلك التي تهدف إلى السيطرة الكاملة على الوطن العربي، لما له من أهمية وجودية للنظام الرأسمالي الاستعماري الذي يعتبر نفسه إنه يمثل "أرقى مراحل التطور للمجتمع البشري"، وخاصة بعد سقوط الاتحاد السوفييتي، وكافة الأنظمة التي شكلت ما سمي "الاشتراكية الواقعية"؛ الخصم اللدود والمنافس القوي لهم في تلك الحقبة، مما كرس الولايات المتحدة القوه الأولى والمهيمنة على العالم التي تعتقد إنها قادرة على العبث بمصير البشرية كما تشاء اعتمادًا على ذلك، وعلى الامكانيات الهائلة التي تمتلكها الولايات المتحدة، وعلى ما تنهبه من البلدان التي تسيطر عليها أو تعتبرها "حليفه" من خيرات. أخذت الإدارات الأمريكية المتعاقبة تعمل على إعادة تفكيك وتركيب العديد من الدول القومية في العالم؛ من أجل زعزعت استقرارها وخلق الذرائع للاقتتال الداخلي وتسعير الصراعات الإقليمية، مما يوفر مزيدًا من الشروط الموضوعية لتعزيز الهيمنة والسيطرة، وما يدور من حروب داخلية في الوطن العربي لتدمير الدولة الوطنية وتفتيت بنيتها ونسيجها الاجتماعي وشل قدراتها العسكرية على تواضعها هو خير دليل على هذه الاستراتيجية. فمنذ أن أقامت القوى الإمبريالية العالميه الكيان الصهيوني في قلب الوطن العربي، على أرض فلسطين، وهي تمسك بخيوط "اللعبة السياسية" وتصدرت الولايات المتحدة منذ الحرب العدوانية عام 1967 ما أطلق عليه "عملية التسوية السلمية للنزاع العربي الاسرائيلي وحل المشكلة الفلسطينية "فقامت بطرح العديد من المشاريع التي تهدف جميعها، منذ مشروع روجرز حتى الآن، تحصين وتقوية الكيان الصهيوني وتحويله من قاعدة وذراع للإمبريالية إلى "الدولة" المركزية التي تقود المنطقه في إطار الاستراتيجية الإمبريالية، مما يسمح لها في ظروف الأزمه والتحولات العالميه التفرغ لمعالجة الأخطار التي تهدد هيمنتها "ومصالحها وأمنها القومي" قي مناطق، لا تقل أهميه عن منطقة الشرق الأوسط، وخاصة في أمريكا اللاتينية التي تخوض شعوبها وقواها التقدمية نضالات شرسة للتحرر والاستقلال الحقيقي والسيادة. هذه المنطقه التي ربما أهميتها تفوق أهمية أي منطق في العالم، والتي تعتبرها الولايات المتحدة منذ عقود "حديقتها الخلفية" واحتياطها الاستراتيجي للسيطرة على العالم، لهذا تبدو الإدارة الأمريكية هذه الأيام أكثر اهتمامًا بحجم ونفوذ وهيبة "إسرائيل" من أحزاب وحركات صهيونية وشخصيات عسكرية وأمنية داخل الكيان وخارجه، تعبر عن قلقها وخوفها على مستقبل ووجود الدوله اليهودية من بعض السياسات الأمريكية، وبعضها ينظر بقلق وريبه لمشروع ترامب ـ نتانياهو أو ما يعرف بصفقة العصر الذي تباينت حوله المواقف التكتيكية الصهيونية واليهودية، رغم تأكيده عمليًا على "السيادة الإسرائيلية" على الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ العام 1967، وإغلاق الأبواب نهائيًا أمام أي احتمال لقيام "دولة فلسطينية"، بما ينسجم مع برامج وأهداف كافة الأحزاب والحركات الصهيونيه. رغم هذا التباين يلتقي الطرفان الإمبريالي والصهيوني على سياسة عدم إغلاق أبواب البحث عن بدائل وحلول "لما تبقى من مشاكل عالقة" مع الفريق الفلسطيني المنخرط في علاقات واتفاقيات مع الجانبين منذ أكثر من 25 عامًا؛ لأنه لم يعد هذا الفريق منذ أن وقع على اتفاقيات أوسلو صاحب برنامج وطني، ولم تعد له استراتيجية سياسية خارج إطار الاستراتيجية الإمبريالية الصهيونية الرجعية العربية؛ لأن هذه الاتفاقيات وملحقاتها نجحت في دمج هذا الفريق الفلسطيني في هذا الحلف بشكل كامل، رغم أن انتقال اليمين إلى مواقعه الجديدة تم تدريجيًا وببطىء، لأسباب ذاتية وموضوعية، إلا إنه كان انتقالًا شاملًا، سياسي وبرنامجي استراتيجي ينسجم وأيديولوجيته ومصالحه الطبقية البرجوازية التي انطلق على أساسها، مدعيًا أن الهدف الاستراتيجي لنضاله هو "التحرير الكامل وإقامة فلسطين الديمقراطية على كل الأراضي الفلسطينية التاريخية". هذا الهدف "الاستراتيجي" تخلى عنه وساوم عليه قبل ما قدمه له العدو في مباحثات أوسلو السرية، انسجامًا مع "مصلحته العليا والأمنيه"، أي ما غرف ب "اتفاق إعلان المبادئ" الذي أنتج سلطة الحكم الذاتي للسكان كشكل من أشكال الحكم، وحدد مسبقا نتائج الوضع النهائي قبل أن تبدأ المباحثات بشأنه، والتي من الممكن أن لا تبدأ بتاتًا. ما يدلل على ذلك، هو ما ورد في البند الأول من اتفاقيات أوسلو وكل كلمه جاءت في رسالة الاعتراف أو كما سمي "الخطاب الأول" الذي أرسله لحكومة العدو ياسر عرفات الرئيس السابق لمنظمة التحرير وأول رئيس لسلطة الحكم الذاتي، والذين يعتبران من أهم ما أراد التوصل إليه العدو الصهيوني استراتيجيًا؛ ففي البند الأول من اتفاقيات أوسلو جاء نصًا أن "أهداف المفاوضات الإسرائيلية الفلسطينية التي تتم ضمن إطار عملية السلام الشرق أوسطيه هو إلى جانب أمور أخرى تشكيل سلطة فلسطينية انتقالية ذاتية". ويحدد نفس البند نتيجة المفاوضات للوضع النهائي بالقول "ومن المفهوم أن المفاوضات حول الوضع النهائي ستؤدي إلى تطبيق قراري مجلس الأمن 242و 338"، هذا يؤكد أن القيادة اليمينية التابعة تعلم جيدًا أن الهدف النهائي لا يشمل ولا يتضمن إقامة "دولة" فلسطينية مستقلة ولا غير مستقلة، وأن الحل الذي سمي بالمؤقت هو في الحقيقة "الحل الدائم" كما يفهمه ويريده العدو الذي هو الطرف المقرر الوحيد في ظل موازين القوى والسياسات القائمة، وفي ظل التراجع الهائل لنفوذ سلطة الحكم الذاتي شعبيا؛ بسبب فشلها في تحقيق وعودها والكوارث التي جلبتها للقضية وللشعب وطنيًا وقوميًا، مما أوقعها في أزمات عميقة بنيوية ووطنية، باتت تنخرها وتجعلها عاجزة الآن عن تحقيق ما لم تستطع تحقيقه عندما كانت "فتية" تتمتع بقدر ما من القوة المعنوية والتأييد الشعبي، بما فيه شرائح فلسطينية في مخيمات اللجوء؛ بسبب امتلاكها لامكانيات ولهامش واسع للمناورة والكذب والخداع، تم استنزافها واستهلاكها لتظهر السلطة وأجهزتها وبرامجها وأيديولوجيتها عارية وبدون أي غطاء مهما كان رديئًا.
إن فريق أوسلو قدم التزام خطي في "خطاب الاعتراف" يجعل منه ليس فقط غير مستقل، بل يحوله إلى أداة خطيرة بيد الاحتلال، فرغم إنه أكد "على حق إسرائيل في العيش في سلام وأمن"، وشدد على أن المفاوضات هي الأسلوب الوحيد لحل الخلافات المتعلقة بالوضع النهائي، وتعهد بقمع المقاومة وتحطيم أي بديل لنهج التسوية والمفاوضات، حيث جاء نصًا في الوثيقة "... طبقًا لذلك، فإن م. ت. ف تدين استخدام الإرهاب وأعمال العنف الأخرى، وسوف تأخذ على عاتقها إلزام كل عناصر وأفراد م. ت. ف بذلك؛ من أجل تأكيد التزامهم ومنع الانتهاكات وضبط المنتهكين".
يتضح بلا لبس أن قيادة اليمين الفلسطيني منذ انخراطها في التحالف الإمبريالي الصهيوني الرجعي؛ وضعت نفسها في تناقض مع أهداف النضال الوطني والقومي، وتموضعت في خانة اليمين الرجعي العربي الخائن الذي أخذ يبرر علاقاته العلنية وشبه الرسمية مع دولة العدو بأن "الفلسطينيين" أصحاب القضية يقيمون علاقات في كافة المجالات بما فيه الأمنية (المخابراتية)، ويعترفون بشرعية "دولة إسرائيل"، ولا يحق لهم رفض ما يمارسونه إن مارسه الآخرين، مما أدى إلى فتح ثغرات خطيرة في السياج الوطني والقومي الذي سَيًجت به المقاومة والثورة الفلسطينية وشعبنا على مر العصور الحقوق الشرعية الأصيلة والرواية التاريخية الحقيقية والصادقة عن الوحدة العضوية المتجذرة بين الأرض والشعب التي لا مكان فيها للخرافات الصهيونية عن الحق الإلهي والتوراتي في فلسطين.
لقد ماترس العدو لعبت كسب الوقت بإتقان، ودائمًا وُجد من ساعده على ذلك فلسطينيًا وعربيًا، وقد حان الوقت للإمساك بعامل الزمن ووضعه في خدمة النضال الوطني والقومي، وهذا يتطلب وجود حزب ثوري قادر على إدراك اللحظة الثورية الحاسمة واتخاذ القرارات التي تستجيب لمتطلباتها بلا تردد؛ لنزع زمام المبادرة من القوى المتخاذلة والمستسلمة، وقيادة النضال إلى شاطئ الأمان، والوقت هو حقًا الآن كالسيف: إن لم تقطعه قطعك .

