اختيار الرئيس عبد الفتاح السيسي إلقاء خطابه أمام وحدات الجيش المصري المتمركزة غرب مصر، له دلالات تتعلق بخطوات مصرية بالشأن الليبي خارج إطار الدبلوماسية، حيث وفي ظرف أيام قليلة أطلقت مصر عدة مواقف ومبادرة سياسية لحل الأزمة الليبية التي رُفضت من قبل الجانب التركي والليبي المدعوم قطريًا وتركيًا، وجاء الرد المصري سريعًا عبر خطاب الرئيس السيسي الذي حدد خط أحمر للنار يمتد من سرت إلى الجفرة، واعتبر أن تجاوز هذا الخط يعتبر انتهاكًا للأمن القومي المصري ولمصر الحق لاتخاذ كافة الإجراءات الدبلوماسية والعسكرية لحماية أمنها القومي ودعوة مجلس الجامعة العربية على مستوى الوزراء لدعم الخطوات المصرية القادمة.
موقف مصر كان له ردات فعل متفاوتة؛ أبرزها موقف طرفي الصراع، حيث اعتبر برلمان شرق ليبيا وعشائر ليبية وازنة تأييدهم لما جاء في خطاب الرئيس المصري، في حين تم رفضه من قبل السراج وحكومته التي اعتبرت أن كل الأراضي الليبية هي خط أحمر، أي إنها ستواجه التدخل المصري.
من الواضح أن مصر قد تأخرت ثماني سنوات في اتخاذ قرارها بشأن ليبيا التي كانت دائمًا عمقًا مباشرًا استراتيجًا لمصر. مصر تجني نتائج موقفها السلبي من إسقاط الدولة الليبية، هذا الموقف الذي سمح لصراع القوى على اقتسام أموال وخيرات ونفط ليبيا تحت أعين القاهرة مجلسها العسكري برئاسة المشير الطنطاوي الذي كان لموقفه السلبي أثرًا كبيرًا في وقوع ليبيا بأيادي قراصنة التدخلات الخارجية لإسقاط النظام الليبي وقتل الرئيس القذافي من قبل حلفاء الأمس وأعداء اليوم في ليبيا.
منذ أن قُتل القذافي، وبغض النظر عن تقييم فترة حكمه، لكنه كان دائمًا مع وحدة الموقف العروبي، وكان له رأيًا حاسمًا بشأن الوضع الداخلي في مصر؛ داعمًا لها ورافضًا لوقوعها في أيدي القوى الظلامية التي كانت ترى عدوها الرئيسي يتمثل بالفكر القومي الذي كان أخر حامليه رسميًا الرئيس القذافي، هذا الفكر الذي أعلن نتنياهو في تصريح لافت عن انتصاره على القومية العربية، هذا التصريح الذي يضع إسرائيل بذات الموقع مع حلفاء إسقاط ليبيا ورئيسها، ومحاولات إسقاط عروبة سورية أو محاولات تغيير عناوين العروبة؛ عبر تغيير بوصلتها، ويهدفون إلى إسقاط مصر وتفتيتها، لضمان عدم أي إمكانية مستقبلية لعودتها لترأس العروبة المقاومة.
كيف يمكن أن تواجه مصر الأخطار المتعددة التي تواجهها إن كانت في سيناء أو مع إثيوبيا أو في ليبيا أو من الأيدي الصهيونية الخفية في السودان ؟ ما الذي يرسم لمصر الدولة والشعب؟
من الواضح أن خيط متصل يربط بين ما تجابهه مصر في الشرق والغرب والجنوب الذي يهدف لاضعاف وتفتيت مصر وإدخالها بنفق المجابهة المتعددة الاتجاهات. الممسك بهذا الخيط ينظر بريبة للسلوك المصري الذي يثير شكوكها في عنوان تسليح الجيش المصري، ويعتبر أن تقويته وتعدد مصادر تسليحه والاستفادة من العلاقات الخليجية لتقوية الاقتصاد يجعل من مصر قوة صاعدة من الممكن في أية لحظة أن تعود لتترأس الموقف القومي العربي وتتحمل مسؤولية حل قضاياه، وأولها القضية الفلسطينية التي تجابه التصفية، ولما لهذا من انعكاس على الداخل المصري الذي ما زال يرى في إسرائيل خطرًا داهمًا على القضايا العربية، هذا الخيط يرى أن أي تغيير في ميزان القوى الاجتماعي الداخلي في مصر سيضع هذه القوة في أيدي قوى جديدة؛ ممكن أن تشكل خطرًا داهمًا على إسرائيل ودورها التي تسعى له في المنطقة.
لكي تتجنب القيادة المصرية ما يرسم لها من توريط عسكري مباشر في ليبيا لمجابهة الخطر التركي القطري الأخواني أو في السودان لمجابهة إثيوبيا التي هاجمت المعسكر السوداني في إشارة واضحة إلى إنها وبعد اجتماع رئيس الوزراء الإثيوبي مع العسكريين لتغيير الاستراتيجية العسكرية الإثيوبية الذي ترافق مع التصريحات المعادية لوزير خارجية إثيوبيا، يدلل على إنها قررت انتهاج سياسة تصعيدية مع مصر من شأنها أن تتطور في أي لحظة لمجابهة ميدانية عبر تدخل عسكري إثيوبي مباشر في السودان الذي يعاني من مشكلات لا يستطيع بسببها مجابهة إثيوبيا المدعومة إسرائيليًا، والتي تحرض أديس أبابا على احتلال أجزاء من السودان؛ لتغيير عنوان الحوار والمساومة بشأن سد النهضة.
مصر عليها أن تحسم موقفها المتردد الذي يقف في منتصف الطريق بشأن سورية، وترمي بثقلها السياسي والمعنوي من أجل عودة سورية للجامعة العربية، وكذلك دعمها في حسم ملف إدلب الذي يشكل نزفًا مشتركًا لكل من دمشق والقاهرة؛ إدلب الخزان البشري المتطرف الذي تستخدمه أنقرة لتصعيد المواجهة في ليبيا، ولن تتوانى عن دعم إرسالهم إلى سيناء إذا ما حدثت المجابهة المتمثلة في ليبيا، ناهيك عن إمكانية دعمها للموقف الإثيوبي لتحريضه على احتلال منابع النيل في السودان؛ ليغير عناوين الحوار والمساومة بشأن سد النهضة.
مدخل الحفاظ على الأمن القومي المصري، يتطلب تغيير سريع في سياسات مصر بشأن سورية وحسم ملف إدلب وشرق الفرات يعطي دفعة للجهود المصرية؛ من أجل حسم غرب ليبيا، ويعطي دفعة قوية للموقف الروسي لمجابهة أنقرة في ليبيا، حيث تتحرر روسيا من الورقة السورية الرابحة.
من الممكن أن تلجأ مصر للضربات الجوية دون التدخل المباشر ميدانيًا، وهذا المرجح، لكن هذا الخيار من الممكن أن يدفع لفتح وتمويل جبهة سيناء التي تتداخل فيها مصالح عدوانية متعددة، وتحريض إثيوبيا للتصعيد عسكريًا مع السودان لإحراج مصر وإضعافها.
في الخيارات الاستراتيجية الحاسمة ستصطف دول الناتو مع أنقرة ضد القاهرة، رغم كل التصريحات، فهم كانوا شركاء في إسقاط القذافي، وشركاء في الحرب على سورية، وبالنسبة لهم مصر كانت خطرًا ما زال وسيبقى، ومن الممكن في أية لحظة أن تعود مصر لتكون بوابة العروبة وقضاياها.
المدخل لعنوان الأمن القومي المصري يمر عبر دمشق كان وما زال وسيبقى.

