Menu

الفلسطينيون: عمق الكارثة وضحالة الخيارات

حاتم الخطيب

خاص بوابة الهدف

على أرصفة المنافي تلحفنا بالضباب فطعن البرد والشرد عظامنا بخنجر الأغراب.. غضبت واحترقت الأعصاب.. صرخنا عائدون ولن يطول الغياب..

تعلمنا صفحات التاريخ المطوية بأن شعوب الأرض عندما تختنق؛ تعصر الصخر وتردم البحر؛ تلتهم النار ولا تحترق؛ تعانق حجر الرحى ولا تنسحق؛ شعبنا الفلسطيني يسير على ذات الدرب الطويلة المعبدة بالآلام والتضحيات والعذابات الجليلة خلال مسيرته الكفاحية ضد الاستعمار البريطاني، وجنينه المسخ الحركة الصهيونية وكيانها الغاصب، رغم النضالات النبيلة لم نجنِ النصر الحاسم وشعاع الفجر القادم بعد. نتسلح بالحق والأمل رغم أن المرحلة الراهنة شديدة الخطورة على مشروعنا الوطني التحرري الذي بلغ حد الاختناق وقضيتنا العادلة أضحت تواجه خطر التصفية الشاملة بالإطباق المحكم على الإنسان الفلسطيني بالحصار وغرس اليأس والإحباط في أنفاسه، وخطاه الدامية، والتهام الأرض، وتهويد المقدسات، وتزوير الحضارة والتاريخ؛ ضمن سياق برامج الاحتلال الاستيطانية والعنصرية والكونيالية. وعمق الكارثة أن الفلسطينيين يساهمون بوعي أو دونه بالإسراع في نجاح مخططات وأهداف عدوهم الصهيوني بالولوج لمصيدة وهم السلام، وجربوا عبثًا العبور من ثقب الإبرة لرحمة أمريكا النكرة، واعترفوا بمن احتل واغتصب أرضهم، وشرعنوا احتلاله وعدوانه وجرائمه بحق شعبهم ووطنهم في لحظة تاريخية استثنائية وفارقة في التاريخ الحديث بتوقيع اتفاق أوسلو الكارثي عام 1993 وسلطته الوهمية، في غفلة وغباء تكتيكي واستراتيجي لطبيعة الصراع الشاملة ولإدارة معركة الحرية عبر القراءة الثورية العلمية الموضوعية لأفكار وأهداف وطبيعة المحتل العنصرية الفاشية والاستيطانية الاقصائية، والأحلام والطموحات التلمودية، وعناصر القوة والضعف لكل مرحلة من مراحل عملية التحرر، وما نتج عن هذا الاتفاق  من أزمات وطنية تحولت لكوارث متوالية ومتراكمة، تُلقي بظلال الفشل والضعف والخيبة والشك، وتوجت هذه المسلكيات الهزيلة بكارثة الانقسام والانشقاق الفلسطيني الذي شكل طعنة مسمومة بخاصرة الوحدة الفلسطينية التي كانت دوماَ وأبداً السياج الحامي والدرع الواقي للحلم الفلسطيني؛ بتحرير فلسطين كل فلسطين.

عمل طرفي الانقسام على تأبيده وتجذريه كأنه قدر سماوي لا فكاك منه، وأتقنا إدارته ونشره عموديًا وأفقيًا بتناغم مرئي ومخفي في عبثية سرمدية بلهاء تخدم الهدف الصهيوني الاستراتيجي بتصفية القضية الفلسطينية؛ عبر القضم التدريجي للأرض، والإنهاك النفسي والاقتصادي والاجتماعي للشعب والذي يساهم ويساعد طرفي الانقسام في تمريره وتهيئة الأجواء والمناخات الملائمة ليتسلل إلي المجتمع والعقل الفلسطيني القابض على الجمر بشتى الأساليب والوسائل، بشعارات البرامج الجوفاء المضللة التي تدحضها الممارسات الميدانية المنفذة على شكل سياسات عبثية استسلامية تفريطية وشعاراتية حزبية مصلحية عنترية، تترجم بالقمع والتجويع والفساد والإفقار.  

لا شك أن الواقع الفلسطيني بأزماته المتنوعة والمتشابكة وكارثته الكبرى أعمق من رسمه ووصفه بمقالة محددة، ورغم الصورة السوداوية الواقعية وضحالة الخيارات المتاحة، تبرز مقولة القائد الوطني الكبير "حكيم الثورة" المؤسس والأمين العام السابق للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين: "الثورة الفلسطينية قامت لتحقيق المستحيل لا الممكن" كرؤية فكرية خلاقة ومعرفة علمية موضوعية تستشرف المستقبل وتدرك صعوبة تحقيق الهدف مع الإيمان المطلق بحتمية تحقيقه، تضاؤل وتقليص مساحة الخيارات أمام الفلسطينيين يتحمل مسئوليته المباشر طرفي الانقسام، ومعهم باقي الفصائل، وعليهم النزول من فوق الشجرة والاعتراف بفشل الجميع في تحقيق تحرير فلسطين والاعتراف الشجاع بخطورة وضع قضيتنا ومؤامرات تصفيتها. ومن قراءة الواقع الحقيقي المؤلم يتم الانطلاق لترسيخ وحدة وطنية حقيقية في جبهة عريضة أساسها وهيكلها وبرنامجها وطني موحد، يحاكي مرحلة وطبيعة التحرر الوطني وتعمل على صياغة استراتيجية وطنية شاملة لكل الشعب الفلسطيني في كافة أمكان تواجده، وتنفذ بمراحل وتكتيكات تخدم الهدف الاستراتيجي بتحرير فلسطين كل فلسطين الذي يجمع عليه كل الشعب الفلسطيني.

رغم مثالية وصعوبة تنفيذ هذه الفكرة الخلاقة بالوقت الراهن، ولكن التغول الصهيوني والتطبيع العربي ونفاق المجتمع الدولي ومؤسساته وترويض ورشوة قطاع غزة وفصائله المقاومة كلها، عوامل قد تؤدي للإسراع في قلب الطاولة على رأس الجميع، إذا تململ وتحرك الشارع الفلسطيني بعفويته وقوته وخزانه الثور،ي قد يجبر طرفي الانقسام والفصائل على تغليب المصلحة الوطنية فوق الحزبية الفئوية الضيقة..  فلا صوت يعلو فوق صوت الشعب .