في البداية لا بد من التأكيد على أن لا مقدس يعلو فوق قدسية الوطن الفلسطينى... منذ تأسست منظمة التحرير الفلسطينيه فى عام 64 كنتاج لمؤتمر شعبى عام تمثلت فيه كافة أطياف وشرائح شعبنا الفلسطيني، في هذا المؤتمر صيغ المشروع الوطني الفلسطيني بإجماع شعبي، وتجسد هذا المشروع فى بنود ما عُرف بالميثاق القومي ولاحقاً الوطني.
منذ عام 65 بدأت فصائل المقاومة الفلسطينية بالظهور العلني، وأركز على عبارة الظهور العلني لأن بعض الفصائل كانت قد تَشكّلت قبل هذا التاريخ ومنها على سبيل المثال جبهة التحرير الفلسطينيه وشباب الثأر وأبطال العودة، وبعد نكسة 67 أخذ العمل العسكرى لفصائل المقاومة الفلسطينيه يأخذ الشكل الممنهج. وهذا كان يوجب العمل على تشكيل جبهة وطنية عريضة على غرار كل الثورات التى سبقت ثورتنا المعاصرة، كالثورة الجزائرية مثلاً أو الثورة الفيتنامية أو حتى اليوغسلافية خلال الحرب العالمية الثانية؛ إلا أننا وبدلاً من تشكيل مثل هذه الجبهة الوطنية العريضة، ذهبنا إلى الإطار الجاهز، أي منظمة التحرير الفلسطينية لتُشّكل البيت الجامع للكل الوطنى الفلسطيني، دون العمل على مأسسة المنظمة على الأسس الجبهاوية، مما سمح لفصيل بأن يهيمن على أجهزة المنظمة، ويؤسس لسياسة أو حقبة الهيمنة والتفرد بالقرار الوطني الفلسطيني، وهذا بدوره أدى إلى ظهور برامج ما يُسمى بالحد الأدنى، أو التوافق على الحد الأدنى كالبرنامج المرحلي على سبيل المثال.
واستمر الحال على ذلك إلى أن جاءت أوسلو لتنسف هذه القاعدة، لنصبح أمام برنامج الفصيل المهيمن والمتفرد بالقرار، ووصل الأمر إلى إلغاء وتعليق الميثاق والذي هو برنامج الإجماع الوطني الفلسطيني، مما أفقد منظمة التحرير الفلسطينية شرعيتها القانونية المستمدة من الاجماع الوطني ممثلاً بالميثاق، مما دفع بحكيم الثورة والشعب الفلسطيني (د. جورج حبش ) إلى القول: "أن القيادات التى جاءت بأوسلو وتلك التى أعقبت أوسلو لا تُمثل ولا يمكن أن تمثل شعبنا الفلسطيني".
ومن أجل الحفاظ على المنجز الفلسطيني ممثلاً بمنظمة التحرير الفلسطينية كممثل شرعي ووحيد للشعب الفلسطيني، جرت محاولات عدة وعديدة لدفع القيادة الرسمية نحو مغادرة مستنقع أوسلو؛ إلا أن جميع هذه المحاولات بائت بالفشل؛ بسبب تمسك هذه القيادة بنهجها العبثى القائم على التفريط والتنازل، ومن هذه المحاولات اتفاق 2005 واتفاق 2011 و2014 ووثيقة بيروت لعام 2017، فإذا كانت سياسات هذه القيادة عبثية، أليس الرهان على عودة هذه القيادة عن غيها عبثي أيضاً؟!
25 عاماً من أوسلو تثبت وبالمطلق على عبثية هذا النهج، و25 عاماً من الرهان على صحوة الضمير عند هذه القياده تثبت على عبثية هذا الرهان. نحن اليوم أمام أزمة حقيقية فى الساحة الفلسطينية، نستطيع تسميتها بأزمة القيادة.
شعبنا الفلسطيني هو شعب معطاء ويستحق قيادة تكون بمستوى هذا العطاء، وأمام العاصفة التي تكاد أن تطيح بتضحيات أكثر من 70 عاماً من النضال الفلسطيني، وتهدد بالتصفية النهائية لقضيتنا الوطنية والعودة بنا إلى زمن الوصاية وإلغاء الهوية الوطنية، لابد أن نقف أمام المسؤولية الملقاة على عاتقنا. لا بد أن نضع النقاط على الحروف، وأول هذه النقاط ما يتعلق بمنظمة التحرير الفلسطينية. المنظمة كمنظمة ليست بصنم مقدس، وما وجدت المنظمة إلا كأداة لتحقيق المشروع الوطني الفلسطيني، وإذا عجزت هذه المنظمة عن تحقيق هذا الهدف، يصبح وجودها من عدمه واحد. ثاني هذه النقاط؛ مجابهة الأخطار المحدقة بقضيتنا الوطنية، يوجب البحث عن البديل الثورى القادر على النهوض مجدداً بنضالنا الوطنى وإعادة البوصلة إلى الاتجاه الصحيح. وثالث هذه النقاط؛ أن الشريحة التي تمثلها سلطة أوسلو، لم تعد تمثل شريحة من شرائح الثورة الفلسطينية، بل هي اليوم أقرب ما تكون إلى حكومة فيشى فى فرنسا زمن الحرب العالمية الثانية أو حكومة سايغون في فيتنام. إذا أقرينا بهذه الحقائق نصبح أمام مفترق طرق، إما أن نهدم المعبد بمن فيه، وإما أن نحرر المعبد ممن استولوا عليه، وكلا الطريقان يوجبان الإسراع بتشكيل البديل الثوري؛ ممثلاً بالجبهة الوطنية العريضة القائمة على مبدأ القيادة الجماعية والشراكة في القرار، هنا يبرز السؤال المتعلق بشرعية التمثيل للشعب الفلسطيني، شرعية ووحدانية التمثيل ما كانت لتأتى لولا تضحيات آلاف الشهداء، ومن الأنسب هنا أن تكون المعادلة وفق الشعار التالى: نعم منظمة التحرير الفلسطينية هى الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، ولكن القيادة الحالية لا تمثل المنظمة ولا تمثل شعبنا الفلسطيني.
وفق هذا الشعار يصبح الصراع صراع شرعية القيادة فى إطار الحفاظ على وحدانية المنظمة؛ قيادة نعتبرها شرعية وهي الجبهة الوطنية العريضة أو البديل الثوري، وقيادة فاقدة للشرعية وهي القيادة الحالية ممثلة بسلطة أوسلو، فهل نستطيع ذلك؟ نعم نستطيع إذا امتلكنا إرادة الثوريين.

