على إثر ثورة الناتو التي قادها برنارد هنري ليفي مهندس ثورات "الربيع العربي" التي فاجأت في أيامها الأولى من تونس الإمبريالية الأمريكية وحكومات الغرب الاستعمارية، كما فوجئت بها المعارضة الداخلية؛ تلك الثورات التي وقع توظيفها خارجيًا بضخ المال السياسي والهبات الملغّمة من طرف الغرب، وداخليًا من طرف القوى الإسلاموية والحداثوية الجاهزة تنظيميًا المرتبطة دوليًا وإقليميًا بمحور الشر الأمريكي الأوروبي، وبتنسيق كامل مع التركي العثماني الجديد؛ ذلك التركي الحالم بمجد الإمبراطورية العثمانية في ثوبها الأردوغاني الذي تربى على نسخة الإسلام "المعتدل" أو المعتلّ المعدّل جينيا في واشنطن، وهو ذاته ذاك الإسلام الأردوغاني الذي سيتحالف لا محالة مع نظرائه في كامل ساحات الوطن العربي. وليس من قبيل الصدفة أن تكون أول زيارات راشد الغنوشي وهو رئيس مجلس نواب الشعب وهو في ذات الوقت الذي يمثل زعيم حزب حركة النهضة سليلة حركة الإخوان المسلمين في تونس إلى السلطان العثماني الجديد في الباب العالي باسطنبول. كما أنه ليس غريبًا على حركة الإخوان المسلمين في ليبيا وجماعة الصلابي أن تكون الراعي الأكبر وراء تحالف حكومة السراج مع سلطان الباب العالي؛ ذلك التحالف الذي شرّع لعقد اتفاقية مع حكومة السراج الفاقدة للشرعية منذ انقلابها على نتائج الانتحابات التشريعية، وبالتالي انقلابها على برلمان طبرق المترتّب عليها، بل حتى الاتفاقية بالمعنى القانوني تعتبر غير شرعية، بما أن القاعدة القانونية والمبدأ القانوني الذي يبنى عليها تقول "ما بني على باطل فهو باطل"؛ تلك الاتفاقية التي أعطت الضوء الأخضر للسلطان العثماني الجديد ليستغل المياه الإقليمية الليبية طمعًا في نهب وشفط النفط و الغاز الليبي، ولعل الهدف من وراء ذلك هو بناء منطقة اقتصادية خالصة يمتد عمقها من ساحل تركيا الجنوبي على المتوسط إلى الساحل الشمالي الشرقي الليبي، ولكن الغاية الاستراتيجية لأردوغان كانت ولا تزال إيجاد منفذ على البحر الأبيض المتوسط للتنقيب على الغاز والنفط، ومن ثم بناء قاعدة عسكرية بحرية في سرت, وأخرى جوية في الوطية بطرابلس، لمنافسة مصر ومحاولة عرقلتها على عمليات التنقيب والحفر، ولا سيما أن كل الاكتشافات العالمية أثبتت أن مصر تسبح فوق أحواض غاز وبحيرات نفط. وها هي عربية سكاي نيوز في نسختها الالكترونية بتاريخ 8 ديسمبر 2019 تكشف عن نتائج تلك الاكتشافات، حيث تقول: "فالخرائط الجيولوجية و"المسح السيزيمي" لمصر برمتها من الدلتا إلى البحر الأحمر وصولًا للمتوسط يبين أن مصر تسبح فوق أحواض غاز وبحيرات نفط غير مسبوقة، الأمر الذي تنبهت له دراسات وتقارير استخباراتية أميركية، خلصت إلى أن مصر بحلول العام 2022 ستصبح مركزًا متقدمًا في استخراج الطاقة على الصعيد العالمي". ولا سيما بعد سقوط حكم الإخوان في مصر بلا رجعة، والذي كان بالنسبة إلى أردوغان خاصة، والإخوان عامة، أكبر صعقة كهربائية أصابتهم في القلب. وها هو أردوغان يقول في رسالة بمناسبة حلول رأس السنة الميلادية 2020 عبر قناة (CNN) بالعربية بتاريخ 31 ديسمبر 2019، حسبما نقلت وكالة الأنباء التركية الرسمية الأناضول، إنه "من خلال الدعم الذي سنقدمه إلى حكومة طرابلس الشرعية في ليبيا، سوف نضمن تنفيذ جميع بنود الاتفاقية المبرمة بين البلدين". وفي السياق نفسه، وفي المصدر نفسه اعتبر الرئيس التركي في رسالته، أن "مخططات إقصاء تركيا من البحر المتوسط باءت بالفشل نتيجة الخطوات التي أقدمت عليها أنقرة مؤخرًا"، في إشارة إلى مذكرتي التفاهم الموقعتين بين تركيا وحكومة طرابلس في نوفمبر تشرين الثاني الماضي، فيما يتعلق بالتعاون الأمني والعسكري، بالإضافة إلى تحديد مناطق النفوذ البحري، بل وفي سياق الترويج لمشروعه العثماني التتريكي الجديد وتنفيذه، ها هو أردوغان يذهب إلى أكثر من ذلك لتشريع خطته في الغزو التركي، فيقوم بإرسال الجنود الأتراك إلى ليبيا من خلال تفويض البرلمان وتوظيفه في سياسات الأخونة والعثمنة، وها هو موقع (CNN) بالعربية يطلعنا على خطة أردوغان من خلال و زير خارجيته، حيث قال وزير الخارجية التركي مولود تشاووش أوغلو، "إن مُذكرة تفويض إرسال قوات عسكرية تركية إلى ليبيا، ستحال إلى البرلمان، الاثنين المقبل، بعدما وقع عليها الرئيس رجب طيب أردوغان"، ولعلّ قبل ذلك وبالموازاة لخطة الغزو الحاضرة في ذهنه بالتحالف مع القطري منذ بداية ثورة الناتو ل 17 فبراير الذي اصطف فيها الإخوة الأعداء لجماعة السراج وجماعات حفتر.
إذن قبل ذلك كان أردوغان حريصًا على تحويل ليبيا إلى البؤرة الثانية للإرهاب العالمي بعد فشل البؤرة الأولى في سوريا، وهنا نجد أنفسنا مضطرّين إلى إبراز الأسباب الرّئيسية لتعثّر التركي وفشله، وبالتالي فشل المشروع الأمريكي الصهيوني الرجعي برمّته، والتي نلخّصها فيما يلي:
أولًا) صمود الجيش العربي السوري وقيادته الوطنية الشرعي.
ثانيا) دخول إيران كحليف استراتيجي ل سوريا في محور المقاومة.
ثالثا) وأخيرًا، دخول الحلف الاستراتيجي ممثّلًا في دول البريكس بقيادة الروسي والصيني.
ذلك الفشل الذي سينعكس فيما بعد سلبًا على محور أعداء سوريا، وذلك بخروج السعودية والإمارات من عباءة حلف الإخوان، بل وحتى يبرز الخلاف التكتيكي الخفي بينهم على زعامة المنطقة، سيمررّن بالسرعة القصوى دون تحفظ ولا فرملة، ولا حتى أدنى حياء، بأن يصنّفوا حركة الإخوان المسلمين حركة إرهابية.
وما تجدر الإشارة إليه في ليبيا كما في سوريا بالنسبة إلى التركي هو مقاولاته السياسية ذات الخلفية العقائدية الإخوانية، ومن ثمّ استثماره السياسي الاقتصادي في كلا الأزمتين طمعًا في الغاز والنفط، هذا من جهة، ومن جهة أخرى البحث له عن بديل عن الاتحاد الأوروبي في امتداده في الشرق وفي عمق إفريقيا، بسبب عدم قبوله في النادي الأوروبي على أساس الخلفية العنصرية المركزية الأوروبية، وعداوتها لكل ما هو قادم من الحضارة الشرقية، على الرغم من الخدمات التي ما انفكّ يسديها لأوروبا والحلف الأطلسي؛ من أجل ذلك كان حضوره المباشر العسكري والسياسي في سوريا ثم في ليبيا، ولا سيما انحيازه المطلق مع حكومة السراج وميليشياته الإرهابية في الأولى، وكان تورّطه الواعي والمبرمج له بتوجيه من الإدارة الأمريكية في الثانية. وما من شكّ في أنّ تورّطه كان عن طريق كل وسائل الدعم المادي واللوجستي للعصبات الإرهابية المسلّحة، سواء أكان ممثّلا في جبهة النصرة، أوفي هيئة تحرير الشام، أو في تنظيم القاعدة، أو في الحزب الإسلامي التركستاني المختص في تجنيد آلاف المسلمين الصينيين الأويغور الانغماسيين الذي أُعلن عن تأسيس فرع له في بلاد الشام في شهر جوان 2014 بقيادة عبد الحق التركستاني، إضافة إلى عديد الجيوب الأخرى الإرهابية. وحتى يضع قطار العثمنة على سكّة حلمه الإمبراطوري الطوراني السلجوق، ومن ثم تمدّده في إفريقيا خصوصًا طمعًا في الحصول على الثروة الطاقية من النفط والغاز الطبيعي، كان لزامًا عليه كما هو معلوم التنسيق المباشر وغير المباشر مع ذي القربى العقائدية، وعلى رأسها حركة النهضة في تونس، وبالأساس مع زعيمها راشد الغنوشي - كبرى الجماعات الإخوانية بعد مصر وسوريا – من خلال زيارة له لقصر قرطاج، ليستأنف دوره في تنشيط غرفة عملياته السياسية والعسكرية واللوجستية في طرابلس الغرب انطلاقًا من تونس، ما دام رئيسها يقود دفة الحكم من باردو والجماعة يمسكون بمفاصل الدولة التونسية، ومن هنا نفهم الإطار الذي تتنزّل فيه زيارته الفجائية لتونس. وفي السياق نفسه، كذلك المحادثة الهاتفية التي أجراها راشد الغنوشي مع حليفه الطبيعي فائز السرّاج، الذي هنّأه باسترجاع قاعدة الوطية الجوية في طرابلس؛ تلك القاعدة الذي ستمدّد فيها ويقوم بتوسيعها أولًا، ثم ليؤسس فيها قاعدته الجوية الدائمة في المرحلة الثانية، بل وها هو يطمع في مصراتة على البحر ليؤسس فيها قاعدته العسكرية، وهذا ما أوردته جريدة الشروق التونسية ليوم الثلاثاء 16 جوان 2020، حيث أكد أمس مصدر تركي "أن بلاده تخطط لإنشاء قاعدتين عسكريتين في ليبيا"، وذكرت أيضًا نقلًا عن مصدر تركي، "أن أنقرة تجري محادثات مع الحكومة الليبية في طرابلس (الفاقدة للشرعية)، بشأن استخدام قاعدة الوطية الجوية وقاعدة مصراته البحري". كما أنه ليس من قبيل الصدفة تصريح مستشار الرئيس التركي ياسين أقطاري الذي يغازل فيه مصر، باتهامه للإمارات بتخريبها للعلاقات الثنائية بينها وبين مصر، حيث يقول: "تركيا لم تأتِ لتحارب مصر". ولكن إذا كان الإمبراطور التركي العثماني الجديد الساعي لتأمين مصالحه الاستراتيجية الطاقية والغازية في ليبيا، وبالتالي في إفريقيا، فلن يكون على حساب القوى الإقليمية، ولا الدولية، ابتداء بأوروبا القريبة من المتوسط ومنه الراعي الأمريكي للغازي التركي، إلى روسيا اللاعب الآخر مع المقلب الآخر. وطبعًا لن يكون ذلك، لا على حساب تونس القوى الوطنية، ولا على حساب جزائر تبون، ولا على حساب مصر السيسي، التي تقدّمت أخيرًا بمبادرة سياسية لقطع الطريق إقليميًا ودوليًا على التركي.
لعل الأيام والأشهر القليلة القادمة ستكون حبلى بتغيرات على الأرض؛ تكون مشفوعة بمفاوضات سياسية شاقة على المستوى الإقليمي والدولي، فلن يكون في ليبيا لا غالب ولا مغلوب، بل سيكون الشعب العربي الليبي مرحليًا هو الخاسر الوحيد، وسوف لن يكون الحل في ليبيا على المستوى الاستراتيجي، إلاّ بيد القوى الوطنية والتقدمية التي تتميّز بعمقها الجماهيري على امتداد الساحة الليبي، وذلك ابتداء من القبائل العربية الليبية، مرورًا بالجبهة الشعبية لتحرير ليبيا، و صولًا إلى أعماق الجماهير التي تربّت على الفكر الوطني التحرري من نير الاستعمار: على يد عمر المختار، وعلى يد حفيده أبو منيار.

