في الخامس من حزيران عام 1967 هزمت "إسرائيل" ثلاثة جيوش عربية، واحتلت أراضي ثلاثة دول عربية في أقل من ستة أيام، واستباحت ما تبقى من فلسطين التاريخية، وما كان ينظر إليه بوصفه حدود الهدنة، وأصبح يُعرف باسم "الخط الأخضر", وتم الاعتراف به كحدود سياسية. وقد وُلدت "إسرائيل" ككيان سياسي في عام 1948, وكُرّست "كدولة" في العام 1967, ولم يكن قرار الأمم المتحدة رقم 242, كذلك القرار 338؛ إلا دليلاً على المفهوم الجديد عبر "حظر الاستيلاء على أراضي الغير بالقوة", وهذا يشمل الأراضي المحتلة عام 1967 فقط, وبسرعة قياسية استجاب المجتمع الدولي للاعتراف بـ"إسرائيل"، داخل حدود عام 1948 كواقع قائم, علاوة على ذلك أصبح لحقوق المواطنين الفلسطينيين – أصحاب الأرض الأصليين – داخل "إسرائيل" معنى أكبر نسبياً, على عكس الجزء الآخر من الفلسطينيين الذين يعيشون في الضفة والقطاع تحت الاحتلال العسكري مباشرة, والذين حرموا من أبسط الحقوق الأساسية، بما في ذلك الحق بالتصويت والاختيار بدءاً من عام 1967, وبالمحصلة ساعد تجدد التفاعل بين مكونات الشعب الفلسطيني داخل "إسرائيل" وفي الضفة والقطاع , على توحيد أجزاء كبيرة وأساسية من الأمة مرة أخرى, وبالتالي تعززت الهوية الوطنية والقومية, وساهم في صعود منظمة التحرير الفلسطينية وفصائل العمل الوطني خلال ستينيات وسبعينيات القرن الماضي.
من حركة تحرر وطني إلى سلطة مكبّلة:
الوجه الآخر لهذه التطورات هو صعود "م. ت. ف"، وبالتالي سقوطها وتحوّلها من حركة تحرر وطني؛ تأسست من أجل مناهضة وجود "دولة إسرائيل" وتحرير فلسطين, وعودة اللاجئين, إلى منظمة تسعى لمحاكاة "الدولة اليهودية" عن طريق إقامة سلطة فلسطينية محددة الصلاحيات، وتعيش جنباً إلى جنب مع "إسرائيل" الكولونيالية. إنها حكاية تأسيس "م . ت . ف" لسلطة الحكم الذاتي المحدود ككيان غير منفصل عن "إسرائيل"، بل إنه "داخل إسرائيل" وفي خدمتها, وإذا كان الفصل الأول للرواية يسلّط الضوء على آلية التحول من الانتظار إلى المقاومة, فإن الفصل الثاني هو التحول من المقاومة إلى التواطؤ, لكن كما سيظهر لاحقاً؛ فإن بذور المقاومة كانت موجودة فعلاً, حتى عندما كان الانتظار سيد الموقف, وكانت بذور التواطؤ موجودة حتى عندما لم يظهر على السطح سوى المقاومة.
لقد تأسست فصائل العمل الوطني خلال ستينيات القرن الماضي – عقب هزيمة حزيران 1967 – وكان الدافع الرئيسي وراء تأسيسها هو الإحساس بخيبة الأمل لدى جيل جديد من الفلسطينيين، ممن كانوا ناشطين لبعض الوقت في صفوف الأحزاب القومية والماركسية والإسلامية, وتبين مع مرور الوقت -على الرغم من كثرة الشعارات الملتهبة والمفعمة بالعواطف– أنه لم يكن لدى " مصر الناصرية وسورية البعثية", أي خطط جدية لمواجهة "إسرائيل" وتحرير فلسطين.. وفي هذا السياق اجتمع لدى فصائل العمل الوطني الفلسطيني قضيتين أساسيتين:
الأولى: هي الوطنية الفلسطينية التي ينبغي أن تبقى مستقلة إلى حد كبير عن التجاذبات والمحاور العربية أو الإقليمية.
الثانية: هي الكفاح المسلح والتشديد على البندقية كرمز له, والحرص على صورة "الفدائي النموذج"؛ من أجل تحرير فلسطين وخلاصها من الصهيونية والكولونيالية.
مثلما لاحظ العديد من المحللين, فقد حدث تحول كبير في سبعينيات القرن الماضي, بعد خروج "م. ت. ف" وفصائلها من الأردن, وحرب تشرين الأول عام 1973 التي انتهت بقمة الرباط عام 1974, ومن المفارقات أن نتائج هزيمة حزيران عام 1967 أدت لاندلاع حرب تشرين الأول 1973.. وبينما ينظر البعض إلى هذه الحرب "كانتصار"؛ فإنها واقعياً قادت إلى "الاستسلام"، وبالتحديد إلى توقيع اتفاقية كامب ديفيد، بين الرئيس السادات ومناحيم بيغن برعاية الرئيس الأمريكي كارتر عام 1978، بيد أن الرياح التي دفعت مصر نحو كامب ديفيد بدأت تهب فعلاً في الأيام الأولى من عام 1974، عندما حظيت منظمة التحرير في قمة الرباط بالاعتراف بها كممثل شرعي وحيد للشعب الفلسطيني, المولود كذات سياسية وكفاحية, وقبلت في الوقت نفسه, فكرة إقامة سلطة فلسطينية على أي جزء يمكن استرداده من أراضي فلسطين التاريخية. ثم جاء اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الأولى عام 1987 في أعقاب الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982, وخروج المنظمة وفصائلها ومؤسساتها من العاصمة بيروت؛ ليؤشر إلى حدوث تحول جوهري آخر بالسياسة الفلسطينية, وفي جغرافية الصراع, فقد انتقل مركز ثقل الصراع من الخارج, أي من الأراضي الواقعة خارج سيطرة "إسرائيل" إلى الأراضي الفلسطينية المحتلة, وأصبحت أراضي الدولة الفلسطينية المنشودة –أراضٍ محتلة– الموقع الرئيسي لمقاومة الاحتلال, لقد تبدل الصراع من صراع ضد "إسرائيل" ومن خارجها إلى صراع "داخل إسرائيل الكبرى" التي تشمل الضفة الغربية وقطاع غزة وأراضي عام 1948 المحتلة. وأصبحت القضية الفلسطينية "مشكلة إسرائيلية داخلية".. واندمجت منظمة التحرير الفلسطينية ببطء لكن باطراد, مع السلطة الفلسطينية الوليدة عام 1993 –عبر اتفاقية أوسلو– على الرغم من كونهما رسمياً هيئتين منفصلتين, لكن مثلما نعلم, فإن محمود عباس رئيساً لكلتيهما معاً, ولم تعد "م. ت. ف" المهمشة، سوى هيئة تتمتع بماضٍ ثوري يمكّنها من السماح لنفسها بتقديم تنازلات كبيرة.. هذه التنازلات والطريقة التي نجحت فيها "إسرائيل" بتصوير المنظمة كرأس مال رمزي للمقاومة؛ من أجل أن تصل إلى غاياتها الخاصة, تنقلاني إلى التالي:
كان أحد أهم التنازلات الرئيسية التي قدمتها "م. ت. ف" يتعلق بالمساومة على الماضي, وقد تم ذلك عبر قيامها بثلاث مبادرات على التوالي: " الاعتراف بإسرائيل, نبذ العنف, تعديل الميثاق الوطني الفلسطيني", وتعد هذه المحاور بمثابة إعادة كتابة للتاريخ, لا يستطيع أحد الالتزام بها؛ إلا إذا كان هو الكيان ذاته الذي أدى دوراً أساسياً في صنع هذا التاريخ..! وكانت الرسائل المتبادلة بين منظمة التحرير والحكومة الإسرائيلية, الأساس الذي قاد إلى عملية أوسلو, وقد أضفت تلك الرسائل مظهراً مخادعاً من التكافؤ بين الطرفين، مع أنه لم يكن ثمة تكافؤ على الإطلاق, فقد اعترفت "م. ت. ف" بحق "إسرائيل" في الوجود، من دون التطرق إلى حدودها, في حين أن "إسرائيل" بالكاد اعترفت بالمنظمة كممثل للشعب الفلسطيني, وفي نفس الوقت تجاهلت أي حقوق سياسية لهذا الشعب, وتجاهلت أيضاً تضمين فلسطينيي أراضي عام 1948 في هذا التمثيل!
وهكذا وجدت السلطة الفلسطينية –الهيئة التي ورثت المنظمة وحلّت محلها– نفسها واقعة في الفخ, وهي مضطرة لتقديم اعتذار مستمر لـ "إسرائيل"، وكان عليها أن تثبت طوال الوقت التزامها بإطار أوسلو, ولهذا الغرض وقعت العديد من بروتوكولات التنسيق مع الأجهزة الأمنية والعسكرية والاقتصادية الإسرائيلية, وبالتالي تم تكريس السلطة الفلسطينية كمقاول فرعي يعمل من أجل أمن الاحتلال خاصة، و"إسرائيل" عامة, كما وجدت السلطة نفسها تلاحق الشباب الفلسطينيين، لقيامهم بأعمال مقاومة ضد الاحتلال متبرعة للقيام بدور جنود الاحتلال, وبهذا لم تعد السلطة –التي علقت في فخ صنعته بنفسها ولنفسها– حركة تحرر وطني, كما أنها لم تنجح بالوصول إلى مرتبة دولة سيادية, فهي لم تستطع العودة إلى منطق الثورة, ولم يكن بمقدورها التحرك نحو بناء الدولة, واقتصر دورها على "حفظ السلام" , بيد أن حفظ السلام في حالة احتلال مستمر طويل الأمد؛ يعادل الإبقاء على الوضع الراهن, أي سحق المقاومة نفسها.. إنها ثورة اختارت الانتحار واستخدمت رأسمالها الرمزي ضد شرعيتها ومشروعها الوطني!
إن اختصار الزمن, واختزال معاناة الشعب الفلسطيني الكبيرة والمستمرة منذ زهاء "72 عاماً" على النكبة، و "53 عاماً" على الهزيمة, هما أمران مهمان, ويتطلبان بالتالي جهداً كبيراً من جميع فصائل العمل الوطني، ومن جميع مكونات الشعب الفلسطيني في جميع أماكن تواجده، لاستنهاض عوامل القوة الذاتية, بما في ذلك رص الصفوف وبناء وحدة وطنية قوية, والتوافق على استراتيجيا كفاحية موحدة متعددة الأشكال والجبهات, وفق حسابات وتقديرات واقعية وعقلانية لجدوى هذه الأشكال ودرجة مساهمتها في تقدم عملية التحرر الوطني والديمقراطي, وكذلك استنهاض عوامل الدعم والمساندة العربية والدولية بأشكالها الفاعلة والمؤثرة كافة.

