Menu

تزييف الحقيقة والتاريخ

د.فايز رشيد

الكاتب اليهودي «الإسرائيلي» ديمتري شومسكي يعتبر حركة المقاطعة (بي.دي.إس) والدعوة لمقاطعة المستوطنات، كلها مظاهر لاسامية.

يطلع علينا بعض الصحفيين «الإسرائيليين» أحياناً، بتزوير الوقائع بشكلٍ فاقع، منهم ديمتري شومسكي في مقالته التي نشرتها «هآرتس» (28حزيران/‏يونيو الماضي) يتهم فيها «الحلف الدولي لذكرى الكارثة» المشكّل من 33 بلداً، بأنهم يبحثون ويصدرون كتباً عن فجيعة الكارثة النازية وجرائمها بحق البشرية جمعاء، ويتهمهم بالقول: «للمنظمة شطحات كثيرة ومتحيزة ومشوّهة من ناحية إيديولوجية، بل أيضاً تعكس فشلاً بحثياً عميقاً وإفلاساً أكاديمياً، لأن هذه الدول تحاول «إنكار اللاسامية»، ويقول: «إن تعريف عمل هذا الحلف ينص على أن «اللاسامية هي رؤيا محددة لليهود، والتي يمكن أن تظهر ككراهية تجاههم».

هذا التعريف من وجهة نظره «مبتذل، وغير صحيح، وما بعد حداثي، وضبابي، ويتضمن الكثير من الرؤى عن اليهود، سواء تلك التي تعبر عن كراهيتهم أو غيرها». وفي المقالة يكشف شومسكي عن وجهه الحقيقي حين يقول: «تصعب المبالغة في حجم الضرر الجيوسياسي والعام الذي يمكن أن يلحق ببحث اللاسامية الحديثة، كنتيجة لهذا الخواء الفكري». حيث إنه إذا كان «الحل النهائي» يتمثل في حركة المقاطعة (بي.دي.إس) والدعوة لمقاطعة المستوطنات، فإن هذه كلها مظاهر لاسامية. لذلك، فإن مفهوم «اللاسامية» يفقد أي علاقة له مع الظواهر التاريخية والسسيولوجية الحاسمة للاساميات الحديثة في الواقع، ويتحول إلى مفهوم فارغ من المضمون وعديم الصلاحية التحليلية والفائدة الفكرية بسبب تعدد معانيه المختلفة».

ويصب شومسكي جامّ غضبه على الباحث الأمريكي من جامعة نيويورك ديفيد انجل، حيث يقول في النهاية: «كما أنه ليس غريباً أن هناك مؤرخين بارزين للكارثة وتاريخ «الشعب الإسرائيلي» في العصر الحديث رفعوا أيديهم إزاء تعدد الاستخدامات عديمة التمييز لمفهوم اللاسامية، فإن انجل يعتقد بأنه قد حان الوقت للتخلي عن هذا المفهوم، وكأن الأمر يتعلق بتصنيف تحليلي وليس بظاهرة ملموسة في التاريخ اليهودي من ناحية الخطاب العام، وبين نفي اللاسامية كواقع تاريخي، ولكن ليس للمؤرخين دائماً سيطرة على تشويه استنتاجاتهم في الخطاب العام. التعريف القديم يؤكد مجدداً، ضمن أمور أخرى، على التميز الشامل للعنصرية اللاسامية، وعلى الخصائص الشيطانية المحددة للصورة النمطية اليهودية، وأيضاً على الهدف الأساسي للإيديولوجيا اللاسامية في العهد الحديث».

يعتبر الكاتب أن انتقاد الاحتلال، والدعوة لمقاطعة منتجات المستوطنات «لا سامية»! ينسى سنّ أوروبا وأمريكا لقانون «غيسو» والكثير من القوانين الأخرى التي تساوي بين انتقاد الصهيونية واللاسامية، ومنع محاكمة مجرمي الحرب «الإسرائيليين» في محاكم بلدانهم وغيرها.

دراسات كثيرة ظهرت لمفكرين عرب وأجانب لتوضيح أصل العداء للسامية مثل المرحوم عبدالوهاب المسيري وغيره. المؤرخ برنارد لازار في كتابه المعنون ب«اللا سامية.. تاريخها وأسبابها» والذي يعتبر أن الصحفي الألماني ولهلم ماد، هو أول من استعمل مصطلح «العداء للسامية» وكان ذلك في عام 1873. يخلص لازار في استعراضه لهذا المفهوم إلى نتيجة تقول: «إن خاصية المماحكة لدى الطوائف اليهودية أعطت ذرائع سهلة للعداء لليهود. لقد توارت تلك الطوائف خلف سياج، واعتقد أفرادها أنهم مشربون بخاصية استثنائية، اليهودي يفخر بامتياز توراته، حتى إنه يعتبر نفسه فوق وخارج بقية الشعوب.

لقد اعتبر اليهود أنفسهم «الشعب المختار» الذي يعلو كل الشعوب، وتلك خاصية جميع الشعوب الشوفيينية». كذلك هو رأي روجيه جارودي في كتابه «قضية «إسرائيل» والصهيونية السياسية»، حيث يتقاطع مع هذا التفسير أيضاً المؤرخ آرثر كوستلرفي كتابه القيم «مملكة الخزر وميراثها.. القبيلة الثالثة عشرة». ويقول اليهودي الديانة المفكر كارل ماركس: «اليهودية استمرت بفضل التاريخ لا رغماً عنه، ولذا فإن تحرير اليهود يعني تحرير المجتمعات من اليهودية».. كذلك رأى المؤرخ «إسرائيل» شاحاك في كتابه «التاريخ اليهودي.. الديانة اليهودية وطأة ثلاثة آلاف سنة».حرصت الحركة الصهيونية منذ ولادتها، ومن بعدها الدولة المنشأة بمساعدة الاحتلال البريطاني على اتهام شعوب العالم بعداء اليهود تحت غطاء مصطلح «العداء للسامية»، وقد حرصت منذ إقامة «إسرائيل» في فلسطين على إلصاق هذه التهمة بالشعوب العربية والإسلامية، داعية اليهود العرب (مثلما يؤكد التاريخ الحديث نسبياً) للهجرة إلى فلسطين بدعوى أنهم ارتكبوا جرائم ومجازر ضد الأقلية اليهودية العربية.. إنه التزوير الفاضح للتاريخ هو منتهى الوقاحة والابتزاز الفكري.