Menu

"تأجيل" الضم، وفاق الحركتين، ومأزق الوحدة الوطنية

اسحق أبو الوليد

خاص بوابة الهدف

عندما طرح ايغال آلون مشروعه في تموز 1967 لضم المناطق الاستراتيجية في الأراضي الفلسطينيه التي تم احتلالها في حزيران من نفس العام، لم يؤخذ بمشروعه رسميًا، إلا أن كافة حكومات العدو عملت على تنفيذه، وما يريد تطبيقه الليكود الآن هو نفس المشروع الذي تم تبنيه على ما يبدو من رونالد ترامب، وشكل وعدًا انتخابيًا لنتنياهو الذي كرئيس جديد للوزراء في الكيان الصهيوني، لم يعطِ تأكيدات أنه سيقوم بذلك، بل كانت هنالك مؤشرات قوية لتأجيل الضم، وأرسلت رسائل مماثله من جهات مؤثرة في معسكر حلفاء العدو تعبر عن شكوكها بتنفيذ الضم في موعده؛ لأن هنالك معيقات جديه لتنفيذ هذا الوعد الانتخابي الليكودي، على الأقل الآن، مما سمح لقوى وحكومات إقليمية ودولية، بما فيها طرفي السلطة الفلسطينية (الانقسام)، بأن تناور لتحقيق أهداف تكتيكيه تحصن استراتيجية كل منهما للمرحلة المقبلة، وخاصة فتح التي لم تعد شعبيتها كما في السابق.

وحده اليسار الفلسطيني وقف متفرجًا، وبقي في دائرة ردات الفعل والمصفق لأداء فريقي السلطة (الانقسام) على اعتبار أن ما حدث من "تجميد لخلافاتهم" خطوه بالاتجاه الصحيح يمكن التأسيس عليها، ويجب استكمالها بخطوات أخرى لتحقيق الوحدة الوطنية، مما أفقد اليسار، وخاصة الجبهة الشعبية، الإمساك بزمام المبادرة وضيعت فرصة أخرى أتيحت ولم يتم التقاطها من قبل قياداته.  

إن من استمع للمشاركين في المناظره؛ الرجوب والعاروري، يدرك على الفور أن هنالك اتفاق مسبق لم "يأتِ كطفرة"، يتضمن "هدنة" إعلامية، تسمح للطرفين العمل بهدوء من خلال سلطة كل منهما "واعتراف متبادل" وتأجيل الصراع على السلطة "ربان السفينة"؛ لأن المهمة الآن تكمن في "إنقاذ السفينة من الغرق". فالسيد الرجوب على غير عادته "أعطى حركة حماس حقها وسلم بثقلها السياسي وجزم بصدق نواياها وأهمية العمل المشترك معها لإفشال الضم لضمان قيام الدولة". بالمقابل أكد العاروري على "صلابة ووطنية ووضوح" موقف أبو مازن في رفضه تقديم "أية تنازلات للعدو"، وعلى استعداد حركة حماس "لتجميد وتجاوز كل المسائل الخلافية وعدم الوقوف عندها لمصلحة اتفاق استراتيجي وجوهري ولصالح تناقض وجودي واستراتيجي مع الاحتلال، وإفشال الضم؛ لأنه إذا ما حدث ستنتفي مقومات قيام الدولة".

إذن، القاسم المشترك بين الحركتين في هذه المرحله هو الدفاع عن ما يسمى "مقومات قيام الدولة"، لهذا لم تطرح حماس (العاروري) لا من قريب أو من بعيد إلغاء اتفاقيات أوسلو والتنسيق الأمني ورفع الحصار عن القطاع، بالمقابل لم يطرح الرجوب (فتح) موضوع التمكين وتسليم السلطة في غزة، كل هذا من أجل إنقاذ مكونات "قيام الدولة" على حساب برنامج التحرير.

لو كان هنالك نية واستعداد حقيقى لدى قيادة اليمين الفلسطيني أن تتراجع عن استراتيجية التفاوض والتخلي عن "أوسلو" ونهجه، لاستجابت للعديد من النداءات والمطالب الشعبية، ولمطالب قوى فاعلة ومؤثرة في الساحة الفلسطينية "لطي" صفحة الماضي "الأوسلوية" التي جلبت لشعبنا المآسي والخراب ودمرت إنجازات الثورة الفلسطينية المعاصرة، لوضع برنامج واستراتيجيه ليس فقط لمواجهة الضم، على أهميته، بل من أجل المواجهة الشاملة مع العدو وإعادة الاعتبار للقضية الفلسطينية كقضية تحرر وطنية من الاحتلال الاستعماري الصهيوني الإمبريالي، وإعادة هيبة المقاومه المسلحه كي نضمن إغلاق كافة المنافذ والأبواب والقنوات التي فتحتها هذه القياده منذ سيطرتها على مراكز القرار في منظمة التحرير، كي نسحب البساط من تحت أقدام الخونة من حكام عرب وأفراد ومجموعات تدعي أن علاقاتها مع كيان العدو والتطبيع معه تنسجم والعلاقات الرسمية الفلسطينية مع هذا الكيان ومؤسساته.

 إن عدم استجابة قيادة هذا اليمين المرتهن والمستسلم لكل هذه المحاولات والنداءات والمطالب الوطنية الآن يؤكد أن ما لا تريد القيام به هذه القيادة وفي هذه اللحظة الحاسمة التي تشهد "انكفاء تكتيكي" لاستراتيجية العدو، لن تستطيع القيام به في ظروف أخرى أي عندما يواصل العدو هجومه الاستراتيجي.

إذن الخطوه التي أقدمت عليها قيادة الحركتين، وإن جاءت تعبيرًا لالتقاء مصالحهم قي الدفاع عن "مقومات الدولة" (السلطة)، تحظى في الوقت نفسه بدعم إقليمي نوه له الرجوب في مداخلته والتي خاطب من خلالها حكام الخليج قائلًا "نحن ندافع عن نفطكم وعن مصالحكم وإن دعمكم لنا هو حق لنا عليكم لأننا ندافع عن مصالحكم" من المعروف أن الدفاع عن نقط الخليج يحتاج إلى قوة عسكرية هائلة، وبما أن السلطة وحركة فتح لا تملكان القوة العسكرية والإرادة التي تسمح لهما للدفاع عن مركز سلطتهم في المقاطعه في رام الله، فكيف لهم الدفاع عن أمن الخليج؟ إلا إذا أراد أن يفشي سرًا من أسرار اتفاقيات أوسلو التي "أنهت المقاومة الفلسطينية والعربية والتي كانت تهدد أمن واستقرار حكام وأنظمة الخليج"، كما تصفها الدوائر الإمبريالية والصهيونية.

إن حكام دول النفط لديهم من الخلافات العشائرية والشخصية التي تسمح للدوائر الإمبريالية توظيفها لصالح مخططاتها، ولكنهم في القضايا الدولية والإقليمية لا يختلفون وينفذون الأوامر والأجندات المعادية دون تردد بما يتلاءم وتبعيتهم الاقتصادية والعسكرية، وكون بعض هذه الأنظمه النفطية تشكل مرجعيات للحركتين، وإن بدت متعارضه في بعض الشؤون الداخلية، إلا إنها لا تخرج عن إرادة سيدها الإمبريالي فيما يخص القضية الفلسطينية، وهي لا ترغب ولا تريد إلغاء اتفاقيات أوسلو وقطع العلاقات مع الكيان الصهيوني؛ لأنه يشكل "حجتها" وبوابتها لتل ابيب، وليس لتحقيق ما يسمى ب "السلام" الذي يعتبره مسؤول الشاباك السابق الإرهابي كرمي غيلون، بأنه نوع من "الأفيون قاموا ببيعه للجمهور، لأنهم في الغرف المغلقه تحدثوا عن مصالح ولم يتحدث أي شخص بمفاهيم السلام" (مقابله مع هآرتس 5 تموز).

هكذا تصبح مرة أخرى ما تسمى "الوحدة الوطنية"، بمعناها الوطني النضالي الحقيقي كأحد عوامل الانتصار، الضحية الرئيسية للعلاقات الثنائية والإقليمية، حيث أصبحت خلف ظهر قيادة الحركتين، وخاصة خلف ظهر محمود عباس الذي لا يريد حتى مجرد "التعايش" مع البرنامج النقيض "للسلطة"، أي برنامج التحرير، لأنها ستنتهي (السلطة) وتفقد مبرر وجودها فقط إذا هي تخلت عن البحث عن "الدولة" عن طريق المفاوضات، مما يضع كافة المنادين بالبديل الثوري الوطني والوحدة الوطنية الحقيقية أمام الحقيقة المرة: إنه لا يمكن أن تقام الجسور بين نهجين متناقضين والوحدة تكمن في التجانس لا في التناقض.