المتابع لمسار التفاوض بين مصر وأثيوبيا حول مشروع "سد النهضة" الأثيوبى على مدى أكثر من عشرين عاماً، فى مقدوره أن يخرج بنتيجتين مهمتين يجب ألا تغيبا عن المفاوض المصرى.
النتيجة الأولى أن أثيوبيا لا تريد الوصول إلى اتفاق متوازن يؤمن ويحفظ حقوقاً متوازنة للدول الثلاث المتنازعة حول حقوقها المائية فى مياه نهر النيل. أثيوبيا باعتبارها "دولة المنبع" و السودان باعتبارها "دولة ممر" للنهر، ومصر باعتبارها "دولة المصب".
أثيوبيا تماطل لكسب الوقت حتى يكتمل بناء السد ويتحول إلى "أمر واقع"، عندها تبدأ فى الإفصاح عن ما تريده، وما تريده هو فرض السيادة الأثيوبية الكاملة على "النيل الأزرق" الذى ينبع من الأراضى الأثيوبية ويلتقى فى العاصمة السودانية مع فرع "النيل الأبيض" القادم من كينيا وأوغندا والبحيرات الأفريقية. ونظراً لأن مياه النيل الأزرق تشكل ما يزيد عن 80% من مياه نهر النيل، فإن أثيوبيا ترى نفسها المالك الوحيد للمياه، وترفض أى حقوق مصرية أو سودانية فى مياه النيل، سواء كانت هذه الحقوق حقوقاً تاريخية مكتسبة من اتفاقيات ترفضها أثيوبيا باعتبارها "إرثاً إستعمارياً"، أو كانت اتفاقيات وقعت عليها أثيوبيا بإرادتها السياسية المستقلة خاصة "اتفاقية التعاون الإطارى" لعام 1993، واتفاقية "إعلان المبادئ" لعام 2015، بدليل رفضها التوقيع على الاتفاق المتوازن الذى توصلت إليه مفاوضات واشنطن فى فبراير الماضى، وهو الاتفاق الذى كان يرتكز على المبادئ التى تم النص عليها فى "إعلان المبادئ" الذى وقعت عليه أثيوبيا فى مارس 2015.
أثيوبيا لم ترفض فقط التوقيع على هذا الاتفاق الذى جرى إنجازه بوساطة ثنائية من الولايات المتحدة والبنك الدولى بل انسحبت من المفاوضات ولم ترسل مندوبها للتوقيع على هذا الاتفاق على العكس من موقف مصر التى وقعت على هذا الاتفاق.
النتيجة الثانية، وربما تكون الأهم أن هذا السد الأثيوبى الذى أعطاه الأثيوبيون اسم "سد النهضة" فى محاولة كاذبة للإدعاء بأنه المشروع الذى سيجعل أثيوبيا تنطلق بقوة فى مسار النهضة والتنمية، ليس سداً للنهضة الأثيوبية بقدر ما هو سد لمنع الحياة عن الشعب المصرى، أى أنه "مشروع سياسى" مائة فى المائة وليس مشروعاً تنموياً على نحو الأكاذيب الدعائية الأثيوبية التى كان آخرها ما ورد على لسان المندوب الأثيوبى فى الجلسة التى عقدها مجلس الأمن يوم الاثنين (29 يونيو الفائت) استجابة لطلب مصرى للبحث فى القضية المثارة حول "سد النهضة" رداً على ما ورد على لسان سامح شكرى وزير الخارجية المصرى فى تلك الجلسة من تفنيد ودحض للموقف الأثيوبى. فقد ورد فى كلمة هذا المندوب الأثيوبى أن بلاده "لن تتسبب فى إلحاق الضرر بمصر أو السودان لكن لدينا واجباً وطنياً لحماية شعبنا وتحقيق الرفاهية"، وزاد على ذلك بقوله أن أثيوبيا "تبحث عن استعمال مواردها بطريقة معقولة بعد حرماننا من ذلك".
المندوب الأثيوبى تعمد أن يكذب مرتين، الأولى بربطه بين إقامة السد والطموح لتحقيق الرفاهية، والثانية، عندما أراد تحميل مصر وما حصلت عليه من حقوق مائية من نهر النيل طيلة العقود الماضية بأنه كان سبباً فى حرمان أثيوبيا من التمتع بمواردها المائية، وأن "سد النهضة" هو الذى سيعطى لأثيوبيا "حق التمكين" من إدارة مواردها المائية على النحو الذى تريده.
ولدحض أكذوبة أنه "سد للنهضة" ولتأكيد أنه مشروع سياسى نسأل: هل تعتمد أثيوبيا على مياه نهر النيل كمورد مائى للرى أو حتى لأى من مطالب الحياة؟ وهل الكهرباء التى ستتولد عن "سد النهضة" هى التى ستحقق النهضة لأثيوبيا؟
الإجابة بالمطلق هى "لا".
فأثيوبيا لا تعتمد على مياه النيل الأزرق كمورد مائى أساسى فى الزراعة والرى. فوفقاً للأرقام الموثقة فإن أثيوبيا تعتمد على مياه الأمطار للرى بنسبة 99,5% من احتياجاتها، أى أنها لا تعتمد على النيل بأكثر من 0,5% فقط من احتياجاتها. لذلك لم يوجد تاريخياً فى أثيوبيا نظام للرى ولا قنوات فرعية ولا غيرها من الآليات التى تؤكد اعتمادها على النيل كمورد مائى. وما يدحض أى إدعاء أثيوبى بأن أثيوبيا عازمة مستقبلاً على الاستفادة من النيل كمورد مائى للرى أن "سد النهضة" جرت إقامته فى شمال البلاد، ما يؤكد أن مياهه من المستحيل أن ترتد جنوباً بسبب شدة انحدار الهضبة الأثيوبية من الجنوب إلى الشمال، أى أن المياه المحبوسة فى البحيرة لن تفيد إلا الجزء اليسير من أراضى شمال أثيوبيا. كما أن كل ما تسعى مصر إلى تأمينه من مياه النيل هو فقط 55 مليار متر مكعب وهى كمية ضئيلة جداً إذا قورنت بما يهطل على أثيوبيا والسودان من أمطار غزيرة سنوياً تتجاوز 1050 مليار متر مكعب تهطل على أثيوبيا وحدها.
هذا يؤكد أن السد الأثيوبى لا يعد استجابة لحاجة مائية أثيوبية، وإذا أخذنا فى الاعتبار أن إجمالى ما تأمل أثيوبيا تحقيقه من كهرباء سيتم توليدها من توربينات السد لا تتجاوز 6 جيجا/وات ، وهى كمية لا تصلح لتحقيق نهضة حقيقية، وكان يمكن الحصول على أضعافها من محطات توليد الكهرباء على نحو ما فعلت مصر التى نجحت، وخلال ثلاث سنوات مضت، توفير كهرباء تقدر بـ 13 جيجا/وات من محطات تعمل بالغاز الطبيعى، أى أكثر من ضعف ما يتوقع أن يوفره السد لأثيوبيا من كهرباء.
نتيجتان تؤكدان أن المستهدف من هذا السد ليس النهضة الأثيوبية، ولكن أن يكون السد أداة ضغط وتحكم فى الإرادة الوطنية المصرية لصالح أطراف أخرى هى الداعمة والممولة والحامية لهذا السد، وهذا الاستنتاج يجب أن يكون، من الآن، محور إدارة مصر للصراع الدائر حول هذا السد، باعتباره صراعاً حول حرية واستقلالية الإرادة الوطنية المصرية. وكما أن العقوبات التى تفرض هذه الأيام خاصة من الولايات المتحدة على كثير من الدول تفرض لتحقيق أهداف سياسية فإن الضغوط والتهديدات التى يمكن أن تتعرض لها مصر من إقامة هذا السد تعتبر "عقوبات مائية" لتحقيق أهداف سياسية ليس شرطاً أن تكون أهدافاً تخدم مصالح أثيوبية بحتة ولكن ربما تخدم أكثر مصالح الدول التى تدعم وتمول وتحمى مشروع هذا السد وتدافع عنه. لو دققنا فى خلفيات الاستقواء الأثيوبى الجديد على مصر سنجد أنه يرتكز على دعم الكثير من الدول بعضها يتظاهر بالصداقة لمصر (الولايات المتحدة، إسرائيل، روسيا، الصين) وبعضها يناصبها العداء الظاهر والعلنى (تركيا و قطر ) وبعضها يبدو حليفاً أو شقيقاً، كما هو حال دول عربية قريبة من مصر فى ملفات كثيرة، لكنها قريبة أيضاً من أثيوبيا فى ملفات أخرى منها ملف سد النهضة.
جلسة مجلس الأمن الأخيرة (الاثنين 29/6/2020) فضحت مواقف الكثير من الأطراف، وعلى مصر أن تضع ما دار فى هذه الجلسة من مواقف ومداخلات لتلك الأطراف مجدداً تحت المجهر لإعادة تقييم مواقف كل هذه الدول التى لم تتجاوب مع المسعى المصرى الذى عوّل كثيراً على مجلس الأمن للتدخل كطرف أساسى لحل أزمة سد النهضة باعتبارها أزمة تهدد الأمن والسلم الدوليين. المجلس تجاوب مع الدعوة الأثيوبية التى تبناها، بكل أسف، مندوب جنوب أفريقيا، بانتقاد التكييف المصرى للأزمة بأنها "تهديد للأمن والسلم الدوليين" واعتبرها مجرد أزمة حول مسائل تنموية. كما أن المجلس تجاوب مع الدعوة الأثيوبية المدعومة من دولة جنوب أفريقيا التى تترأس الدورة الحالية للاتحاد الأفريقى، بأن يكون الاتحاد الأفريقى هو الوعاء الأنسب لمعاودة التفاوض بين مصر والسودان وأثيوبيا لإيجاد حل للأزمة يحقق مصالح كل الأطراف.
مصر باتت مدعوة، فى ظل هذا كله، أن تفضح كل المسكوت عنه فى أزمة السد الأثيوبى سواء من ناحية حقيقة أهدافه باعتبارها عدواناً مدبراً على الشعب المصرى، أو من ناحية الدول الداعمة للموقف الأثيوبى، فكثير من هذه الدول تربطها اتفاقيات تعاون أو صداقة مع مصر، وعلى مصر أن تخير هذه الدول بين الإبقاء على تلك الاتفاقيات واحترامها بالتزام هذه الدول بدعم المصالح الحيوية المائية لمصر فى صراعها مع أثيوبيا وبين إنهاء تلك الاتفاقيات إذا ما اختارت هذه الدول أولوية انحيازها لأثيوبيا.
لم تعد ازدواجية المواقف مقبولة أو ممكنة، بعد أن حسمت مصر موقفها من الصراع حول السد الأثيوبى باعتباره دفاعاً عن حقوقها المشروعة فى مياه النيل وأنه "صراع على الحياة والوجود" لا يقبل مساومة ولا مهادنة.

